ولد العلامة  محمد بن أحمد زحل سنة 1943م – 1363هـ في بلدة تيلوى دوار إكوزلن، فرقة أيت بها، قبيلة نكنافة حاحة الشمالية الغربية فرع من قبائل حاحة الكبرى التي تمتد بمفهومها الحديث فيما بين الصويرة ومدينة أڭادير على الساحل الغربي للمحيط الأطلسي.

وبسبب نموه البطيئ و بنيته الشديدة الهزال لم يشرع والده في تعليمه مبادئ القراءة و الكتابة إلا في سنة 1950م حيث تعلم مبادئ القراءة و الكتابة على يد والده رحمه الله و بدأ بحفظ كتاب الله بدءا من قصار السور من آخر المصحف كما جرت العادة و العرف و ما إن وصل إلى سور تبارك الملك حتى أصيب بشلل تام منعه من الدراسة و حال بينه و بين القيام على رجله، وبقي أسير الشلل ثلاث سنوات إلى آخر سنة 1953م وهي السنة التي نفي فيها السلطان محمد الخامس و أسرته خارج الوطن،

استأنف حفظ كتاب الله تحت رعاية والده رحمه الله فأتقنه وأحكمه لفظا ورسما في سنتين ونصف بحيث لم يأت النصف الأخير من سنة 1956م وهي فجر الاستقلال حيث بعثه إلى المدرسة الجزولية لتعلم مبادئ العربية والفقه ومفاتيح العلوم الأخرى تحت رعاية الشيخ أحمد بن عبد الرحمان السليماني الحسني ولما وحفظ على يديه كثيرا من المتون في العربية و الفقه كالاجرومية ونظمي الزواوي والجمل ولامية الأفعال وألفية ابن مالك وتحفة ابن عاصم ومتن المرشد المعين ومتن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني وبعض المتون الأدبية، كما حضر أيضا شرح كثير من هذه المتون صحبة زملائه الطلاب و تلقى عنه رحمه الله ومكث عنده سنة وبضعة أشهر.

ثم طلب من والده رحمهما الله أن يأذن له بالالتحاق بالمدرسة الهاشمية بتنمار، وكان اسم الشيخ الذي يديرها و يدرس فيها هو العلامة البشير بن عبد الرحمان السوسي البرحيلي المنبهي الملقب بتوفيق وهو والد الدكتور محمد عز الدين توفيق الأستاذ الداعية المعروف، و قد استفاد من علمه و أدبه وخلقه وسمته ونفعنه الله بذلك.

ثم التحق بعد سنة أخرى بالمعهد الإسلامي بتارودانت الذي بناه المحسن الكبير «الحاج عبد السوسي» و تديره جمعية علماء سوس، و كان من الأساتذة الذين تلقيى عنهم في هذا المعهد في مختلف العلوم والفنون جماعة منهم محمد السرغيني والطيب الباعمراني وعبد المالك أزنير وعبد الرحمان الرسموكي وأحمد الوجاني البودراري وأحمد العدوي وغيرهم، ثم غادر تارودانت بعد سنتين متجها إلى مدينة مراكش حيث التحق بكلية ابن يوسف ذات الصيت الذائع والتاريخ العريق وأخذ فيها عن شيوخ نظاميين كانوا يتولون التدريس في الكلية وآخرين غير نظاميين كانت لهم دروس خاصة في المساجد. فمن الأولين الشيوخ: الحسين راغب، وأحمد أملاح، وحسن جبران، وعمر فوزي والمختار السباعي، و محمد التازي ومحمد الحيحي المعروف ببزي وغيرهم، و من الآخرين غير النظاميين، العلامة الرحالي فاروق رئيس المجلس العلمي بمراكش، و عبد السلام جبران، و القاضي عبد السلام السرغيني و غيرهم.

ثم تخرج من كلية ابن يوسف في منتصف سنة 1963م. واتجه إلى مدينة الدار البيضاء العاصمة الإقتصادية للمملكة حيث شارك في مباراة مدرسة المعلمين دورة شتنبر ونجح صحبة مجموعة من الزملاء ممن درسوا معه بمراكش وبعد سنة من التكوين في الدروس النظرية والعلمية تخرج بنجاح وتفوق مما خوله التعليم بنفس المدينة وكان نشاطه مزدوجا حافلا متواصلا، فكان يقوم بالتدريس في المدارس الحكومية ويمارس الدعوة في المساجد والأندية ودور الشباب والجمعيات الثقافية. وهكذا خطب الجمعة في مساجد: جامع الحجر بدرب غلف، ومسجد الحاج علي الهواري بالقريعة ومسجد السنة بدرب الطلباء وجامع الشهداء بالحي المحمدي .

وألقى دروسا متوالية طويلة الأمد في كل من المسجد اليوسفي بقرية الأحباس والمسجد المحمدي بها ومسجد الفوارات بالحي المحمدي، والجامع العتيق بعين الشق ومسجد الحفاري بدرب السلطان ومسجد بين المدن ومسجد التوحيد، بحيث ابتدأ تفسير القرآن العظيم سنة 1976م من سورة الفاتحة وانتهى سنة (2008م) إلى سورة الحشر.

كما شرح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب داعية التوحيد في نجد والجزيرة، في مسجد الفوارات.

ودرَس آيات الأحكام في المسجد اليوسفي، كما فسر سور المفصل فيه وفي المسجد المحمدي، وباشر شرح صحيح الإمام مسلم على امتداد سنتين في جامع الشهداء الذي كان خطيبه أيضا.

ودرَس جزءا كبيرا من جامع الترمذي في مسجد الفوارات. وشرح صحيح البخاري على امتداد ثلاث عشرة سنة في جامع عين الشق العتيق من أوله إلى كتاب المظالم.

وشارك في تأسيس الحركة الإسلامية أوائل السبعينات بمعية عبد الكريم مطيع وإبراهيم كمال وعبد اللطيف عدنان وعلال العمراني وعمر عصامي وإدريس شاهين وآخرين,

وأسس مجلة الفرقان سنة 1984م وأدارها عشر سنوات بمعية الدكتور سعد الدين العثماني وكتب فيها مقالات مختلفة ونبذا من تفسير آيات الأحكام . كما عمل في جمعية أنصار الإسلام صحبة الفقيه العلامة محمد مفضال السرغيني والأستاذ محمد الجبلي وكان كاتبا في التوجيه الإسلامي في جمعية شباب الدعوة الإسلامية التي كان مركزها في عين الشق وكان عضوا في رابطة علماء المغرب وحضر مِؤتمرها السابع بمدينة أكادير صحبة المرحوم إدريس الجاي ومحمد فوزي وأحمد العمري كما حضر مؤتمر اتحاد الطلبة المسلمين في أوربا فرع إسبانيا في مخيم الفكار بضاحية غرناطة سنة 1972م وألقى فيه قصيدة صحبة الأساتذة عبد الكريم مطيع وإبراهيم كمال، كان من جملة من كان معه في هذا المؤتمر، الأستاذ زهير الشاويش رئيس المكتب الإسلامي ببيروت والعلامة محدث الشام الأستاذ ناصر الدين الألباني وقد دام المؤِتمر أسبوعا كاملا، وهو عضو مؤسس بمنظمة الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

وتوفي الشيخ محمد زحل يوم الأربعاء فاتح ذي الحجة 1438 هـ/ 23 غشت 2017م بمدينة الدار البيضاء.

الإصلاح

سلّم الشيخ العلامة محمد بن أحمد زحل الروح إلى بارئها، اليوم الأربعاء فاتح ذي الحجة 1438 هـ/ 23 غشت 2017م، فلله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى.

وستصلى عليه صلاة الجنازة غدا الخميس بمسجد مصلى عين الشق بشارع 2مارس بالدار البيضاء، بعد صلاة الظهر.

وكان العلامة زحل قد أجرى قبل أقل من أسبوعين عملية جراحية دامت قرابة ثماني ساعات كللت بالنجاح

إنا لله وإنا إليه راجعون.

 

 

بعد مصادقة برلمان الاحتلال الصهيوني "كنيست"؛ منتصف شهر يوليوز الماضي، على مشروع قانون "القدس الموحدة"، حذرت الأمم المتحدة أمس الثلاثاء 22 غشت 2017، من خطورة هذا القانون في حال اعتماده، خلال الجلسة الدورية التي عقدها مجلس الأمن الدولي بشأن القضية الفلسطينية.

وجاء هذا التحذير على لسان  مساعد الأمين العام للشؤون السياسية ميروسلاف جينكا، الذي صرح خلال انعقاد الجلسة إن "مشروع القانون الذي يجعل من القدس عاصمة لـ"إسرائيل"، سيعمل في حالة إقراره على تعزيز سيطرة "إسرائيل" على الجزء الشرقي من القدس المحتلة، وسيحد من قدرة الطرفين على التوصل إلى حل تفاوضي يتوافق مع قرارات الأمم المتحدة والاتفاقات السابقة الموقعة بين الطرفين".

يذكر أن الـ "كنيست" الصهيوني، صادق الشهر الماضي، بالقراءة التمهيدية، على مشروع قانون يقيد أي انسحاب صهيوني من شرقي مدينة القدس. وينص مشروع القانون على أن القدس المحتلة هي "العاصمة الأبدية للشعب اليهودي ودولة "إسرائيل"، ولا يمكن لأي جسم أن يتخلى عن القدس عاصمة لـ"إسرائيل إلا بأغلبية 80 عضو كنيست"، من أصل 120 نائبا، بدلا من أغلبية النصف زائد وواحد.

الإصلاح

Suite aux événements terroristes sanguinaires survenus dans la plus grande place touristique à Barcelone, dans la région de Catalogne au Nord-est de lEspagne, jeudi 17 aout 2017, ayant fait 13 morts et 100 blessés, de 35 nationalités différentes, utilisant une camionnette bélier , de même que lattentat similaire qui a frappé, quelques heures plus tard, Cambrils , à 120 km au sud de Barcelone, causant la mort dune femme et des 5 assaillants, le Dr Aous Remmal, vice président dAttawhid Wal-Islah , a réitéré, dans un communiqué, lattitude de ce mouvement marocain, condamnant par principe et de façon inconditionnelle tout assassinat, quelles quen soient les origines et les religions des victimes, et quels quen soient les auteurs .  Allah dit dans le saint Coran : «quiconque tuerait une personne non coupable dun meurtre ou dune corruption sur la terre, cest comme sil avait tué tous les hommes. », Sourate5, verset 32

Le Mouvement a présenté à cette occasion ses sincères condoléances à tous les pays et les familles des victimes de ces attaques criminelles, priant Allah de préserver lhumanité de ces atrocités.

بعث الأستاذ عبد الرحيم شيخي؛ رئيس حركة التوحيد والإصلاح، برقية تعزية إلى أسرة الأستاذ عبد الكريم غلاب رحمه الله تعالى، الذي الذي وافته المنية يوم الإثنين 21 ذو القعدة 1438 هـ الموافق 14 غشت 2017م.

وتوجه رئيس الحركة بهذه المناسبة الأليمة أصالة عن نفسه ونيابة عن قيادة حركة التوحيد والإصلاح وكافة أعضائها، بأحر تعازيه وأصدق مشاعر المواساة إلى أسرة الفقيد.

واعتبر شيخي أنه بوفاة هذا الرجل الكبير الأستاذ عبد الكريم غلاب، يكون المغرب قد فقد أحد رجاله الوطنيين الصادقين والمدافعين عن القضايا الوطنية منذ فجر الحركة الوطنية ورموزه المتميزين المبادرين لخدمة بلدهم وشعبهم بكل تفان وتجرد.

وتوجه رئيس الحركة في نهاية برقية التعزية بالتوجه لله سبحانه وتعالى أن يرحم الأستاذ عبد الكريم غلاب رحمة واسعة وأن يسكنه فسيح جناته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وأن يلهم أسرته وكل محبيه رحمه الله  جميل الصبر والسلوان.

الإصلاح

توجه حجاج "التنظيم الرسمي" المغاربة إلى الديار المقدسة لأداء مناسك الحج يوم الثلاثاء 15 غشت 2017 انطلاقا من جميع مطارات المملكة.

واصطحب الحجاج المغاربة حسب توجيهات سابقة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إحرامهم خلال الرحلة ليحرموا في الطائرات حين بلوغ ميقات "رابغ".

وتجدر الإشارة إلى أن آخر رحلة تنظمها الوزارة توجهت حجاجها إلى المدينة المنورة هي الرحلة رقم AT1614 المبرمجة من مطار الناضور يوم الثلاثاء 15 غشت 2017 على الساعة الرابعة و 20 دقيقة مساء ( بتوقيت المغرب).

الإصلاح

كلما زار المغرب، أو هم بزيارته، "مفكر" أو "داعية" وكان معروفا بغلو وتشدد في آرائه الفكرية أو الدعوية، إلا ونجد خصومه هنا في المغرب ينبرون للتنديد والمعارضة، كما نجد أنصاره ينبرون للتأييد والمعاضدة.

والواقع أن هذه الظاهرة غير صحية للجسم والكيان الثقافي المحلي، ولا سليمة ابتداء من حيث اختيار نماذج التنشيط الثقافي. فالمغرب منذ القديم معروف باختياراته الوسطية المعتدلة سواء كانت دينية أو مدنية، علما أنها في هذا النموذج بالذات، ملتحمة تعكس في الوقت نفسه التدين العميق العريق لدى المغاربة، كما تعكس إيمانهم بالحرية والتنوع والاستقلال عن التبعية لأي كان.

وكما لا ينبغي هنا التشويش على هذه الاختيارات في جانبها الديني بنزعات الغلو والتشدد، حينما يُستدعى "داعية " ضيق الأفق، محدود النظر، لا يؤمن بالاختلاف وحرية الفكر والرأي، خصم لأي إبداع ... الخ. له اختيارات مختلفة، بل وغير قادر على تفهم الاختيارات الدينية للبلد والتفاعل الإيجابي معها، وهي اختيارات أوسع وأكثر مرونة واعتدالا ورعاية للمصالح. فهنا سيكون ضرر هذا "الداعية" أكثر من نفعه، وآثاره سلبية أكثر منها إيجابية. والأحرى الانصراف عنه إلى غيره من الدعاة ممن لهم أصالة دينية، وانفتاح على العصر ومكوناته، وإيمان بالاختلاف والتنوع، أي لهم قدرة على العيش بدينهم في عصرهم. 

فكذلك لا ينبغي التشويش على هذه الاختيارات في جانبها المدني والفكري بنزعات الغلو والتشدد، حيث تستوي "حرية الفكر" بـ "العدمية الفكرية" حينما تُلغى كل الضوابط والمحددات المعيارية، علمية أو فكرية أو تاريخية، مع إقصائيةً في الرأي، وتوهم الوصايةً والهيمنة على العصر والحداثة، والتنكر لكل أصيل، وإلغاء كل مقوم ديني وأخلاقي في بلد الأصل فيه التدين والتخلق. 

فكيف يقال في بلد مسلم مثلا: "ينبغي التحرر من الإسلام" !! ترى ما نسبة المسؤولية الفكرية في هذا القول؟ وعلى اية أسس علمية أو منهجية تم بناؤه؟ حتى لو قيل وسط نخبة لها نفس الرأي أو قريبا منه، تبقى المسؤولية الفكرية حاضرة مادام في بلد الإسلام والمسلمين. فالأمر أشبه بمن يقول في بلد علماني مثل فرنسا: "ينبغي التحرر من العلمانية" !! ولك أن تتصور حجم ردود الأفعال الرسمية والمدنية، لأن الأمر هناك مسٌ "بمقدس" لدى الدولة ومواطنيها، رغم أن أحد أكبر شعارات الثورة في هذه الدولة، بل وأولها: شعار الحرية. وفي بعض قوانينها أن الأنشطة الثقافية الممولة من الدولة، أي من المال العام، ينبغي أن تكون باللغة الوطنية وخادمة للهوية الوطنية، وإلا حرمت من التمويل.

فهنا أيضا سيكون ضرر هذا "المفكر" أكثر من نفعه، وآثاره سلبية أكثر منها إيجابية. والأحرى الانصراف عنه إلى غيره من المفكرين ممن لهم مسؤولية فكرية، وانفتاح على مختلف المكونات، واحترام للأصالة والتراث، وقدرة على العيش بفكرهم في عصرهم كذلك بدل الاغتراب في عصر غيرهم. 
إننا، في بلدنا، بحاجة إلى تعزيز الرصيد الثقافي الأصيل والمتنور، وجعله مركز الثقل الجامع للمكونات الفكرية المختلفة. وهذا ما يدعونا إلى الالتزام المسؤول بـ "ميثاق أخلاقي" في الدين والفكر والفن والسياسة...، وغيرها من المجالات، ولنقل الشأن الثقافي الجامع والحافل بمكوناته المختلفة. فالانزياح عن مركز الثقل الوسط لا يعني إلا أمرا واحدا، هو الجنوح إلى أحد الأطراف، وكلاهما غلو وتشدد إذا ما اخذنا بعين الاعتبار المعنى السلبي للطرف أو الخطر للحافة. 

إنني لا أدعو هنا إلى بيان، ولا الى توقيع عرائض، ولا الى مواقف. أمر واحد فقط هو: إيقاظ الضمير وتحمل المسؤولية إسهاما في البناء الذي يستفيد منه الجميع. فلا يقول ولا يكتب "الداعية" أو "المفكر"، إلا حينما يطمئن إلى أن ثمة إفادة كثيرة أو قليلة فيما يقول أو يكتب، بما يجعل المخالف يحترم القول والرأي وإن خالفه، ويناقشه على أساس علمي ومنهجي.

أما أن يُطلَق العنان للخواطر والرغبات، دون تمحيص مسبق بعقل يعقلها أو حكمة تمنع جموحها، حيث تستوي فيها عقائد الناس ووحدة صفهم وأمنهم وانسجامهم، بالظن والوهم، بل بالعدمية واللامعنى. فذلك يعني أحد أمرين. أولهما: تسفيه "الداعية" أو "المفكر" لنفسه. لأن المطلقات الدينية، والثوابت الفكرية والأخلاقية، والصيرورة والتطور، قضايا راسخة في مكانها لن تزيلها رغبة ولا تشهي. وهما إذا كانا معا أو أحدهما، طالبا للاشتهار والاستمرار، فإنما يُحصِّل ذلك بخدمتها والإفادة منها لا بالتنكر لها. لأنه لا تشتهر وتستمر إلا الأفكار والآراء التي فيها قدر من المسؤولية والإفادة للناس، وعلى هذا الأساس لا زلنا نذكر الكبار الذين مروا في الدين والفكر والفلسفة والآداب والتاريخ.

ثانيهما: أنهما يفوتان الفرصة على نفسيهما وغيرهما، في البناء المشترك، وفي التواصل المغني للفكر والمطور للمعرفة، ويزجان بفئتين من الناس في جدال عقيم، مناقض تماما لما ينبغي أن يصرف إليه الجهد والعمل والإبداع، وهو مرة أخرى: مركز الثقل الجامع حيث تتقارب الرؤى والأفكار بدل الانزياح إلى الأطراف، حيث يحتد التقاطب ويشتد الخلاف. 

وتقريبا أكثر للمعنى الذي أقصد، يمكننا إيراد قول "داعية" يقول بأنه: "لا حياة في الدين"، كما تفعل بعض التيارات التكفيرية الجهادية التي لا ترى لمخالفيها الا القتل. وقول "مفكر" يقول بأنه: "لا دين في الحياة"، كما تفعل بعض الشموليات الفكرية التي لا ترى الأحياء في هذه الحياة الا أنعاما توجهها الغرائز فقط. 

فلا يرى الأول معنى للحياة، من منظوره القاصر للدين، على خلاف المقررات الكثيرة في الدين التي تعطي للحياة كل المعنى والغائية والقصدية. بدءا من الخلق والإيجاد، إلى الاستخلاف والتكريم والتكليف، والابتلاء والتمحيص، والمتعة والزينة المشروعة... إلى احترام حق الغير في الحياة ولو كان مخالفا دينا وفكرا، تعارفا وسماحة وتعايشا وبرا وقسطا...إلخ. فكيف نغيب كل هذه المعاني السامية في الحياة لنجعلها مظلمة كما يريد صاحبنا "الداعية"!.

ثم لا يرى الثاني للدين معنى في الحياة، من منظوره القاصر لها، بحيث يفرغها تماما من المعنى والغاية والقصد ومبرر الوجود الذي يمنحه الدين، ليجعلها على درجة من العدمية والسيولة التي تنصهر فيها القيم والضوابط التي تميز الانسان على غيره من المخلوقات. وهذا على خلاف مقررات تواريخ الأمم والشعوب والأديان والحضارات، ويكفي أن كبار مؤرخي الحضارات يقررون أن قيامها ابتداء إنما كان على ديانات لازالت تصاحبها بهذه الدرجة أو تلك، فميلاد الحضارة أصله ديانة ومعتقد. فكيف نغيب كل هذه الحقائق وهذا الحضور الديني الملهم في التاريخ، لمجرد أن هذا الأمر لا يروق لصاحبنا "المفكر"!! 

كيف نسمح في الحالتين معا بالمصادرة على فكرنا وقيمنا !؟ علما أن الشطب أو الإزالة للدين أو للدنيا، إنما تحدث في ذهن "الداعية" الواهم أو "المفكر" الواهم، لكنهما في الوجود يفعلان معا فعلهما انطلاقا من تفاعل الناس إيجابا أو سلبا، وههنا يأتي دور العقلنة والترشيد والتصويب والتسديد... الذي ينبغي أن يمارسه عقلاء ومسؤولو الدعوة والفكر معا. 

أعتقد أخيرا أن درجة مهمة من الوحدة والانسجام المؤطرة للاختلاف والتنوع لاتزال موجودة في هذا البلد، وأنها من أثمن الأشياء فيه. هي رأسماله الثقافي الذي ينبغي صونه واستثماره طلبا للمزيد منها، وليس تبذيره وإهداره بخطابات الغلو والتحريض التي تشوش عليه أكثر مما تفيده.

كنت أقرأ في كتاب د. آلان غريش المفكر اليساري الفرنسي، خلال رحلتي -ضمن دراسة العلاقة الغربية الإسلامية- إلى مونتريال في كويبك الكندية، وكويبك ذات نظام فدرالي متصل بقيم ولغة فرنسا وديمغرافيتها ذات الأكثرية في الولاية، كتقاسم إداري وسياسي بين الإنجليز الكنديين والفرنسيين الكنديين.

دولة حديثة تتطور ديمقراطياً، وتُمثّل قمة التأمين الحقوقي للمهاجرين وتعيش رفاهاً جيداً، ونظاما حقوقيا متساويا هو من أفضل نظرائه في بلدان العالم خاصة في استمرار تقبله للاجئين، ومع ذلك هناك أحزاب في كويبك تطالب بالاستقلال، ويبدو أن مرحلة جاستن ترودو ساهمت في تراجع المطالبين بالاستقلال.

هنا مسألة التفاوت في تقدير قيم ومشاعر الناس والشعوب وطبائعهم المختلفة كمدخل لفهم نزعة النفس البشرية وفطرة اختلافها، لن أُطيل الكلام عن المشهد الحقوقي والتعايشي في كندا، فتلك قصة سنفرد لها حلقة ضمن رحلة البحث، لكن الأمر الذي شدّني -وهو مرتبط بمقدمات د. غريش الجزلة في كتابه: "الإسلام والجمهورية والعالم"، والعلاقة هنا حيث صاغ د. غريش كتابه المميز الذي يختطفك منذ صفحاته الأولى- هو رؤيتي لكويبك وهي تستقبل حاليا مهاجرين فرنسيين أصليين، للاستقرار والتوطن فيها. وفرنسا لا تزال بلدا أوروبيا متقدما وفاعلا أساسيا في رحلة التنوير الكبرى لأوروبا؛ فلماذا الرحيل؟

هناك أسباب اقتصادية وشخصية وظرفية بكل تأكيد، لكن مما لوحظ في حوارات مع المهاجرين الجدد أن التوتر السياسي -الذي تعيشه أجواء فرنسا الاجتماعية بين صعود اليمين الذي أوقفه فوز ماكرون مؤقتاً على أقل تقدير، مع استمرار تعرض فرنسا وأوروبا لأعمال إرهابية من داعش التي قد تتجدد صناعتها- أحدث أزمة ثقة في صمود فرنسا عند هذه الشريحة، وبالتالي هم يسعون لبلد حُسم فيه هذا الجدل، وتم تعزيزه قانونيا وعرفيا بين الناس.

والقاعدة الأخيرة أي عُرفياً هي المرتكز هنا، فكندا -على الأقل حالياً- يشهد زائرها إيمان غالبية الناس بكل قومياتهم وديانتهم بضرورة رفض التحريض اليميني على المختلف الآخر، وعلى الحالة الإسلامية تحديداً، ويبدو أن القانون والثقافة الفدرالية الاجتماعية الوطنية حذران من ظاهرة الإسلامفوبيا التي ضربت أوروبا، خشية من أن ستقوّض الإيمان الدستوري وسلاسة الحياة الاجتماعية.

وبالتالي فإن مسألة فوبيا مطاردة المسلمين في لباسهم وسلوكهم تُرفض بقناعة شعبية قانونية لا نستطيع تحديد نسبتها، ولكن الحزب الفائز محليا وفدراليا فيها ضمن هذه الشريحة كدلالة على شعبية هذا الطرح، حتى لا تنجّر كندا لهذا المستوى الذي انحدرت له أوروبا وأصبح يؤثر على بيئتها، فتبدأ الناس تُعاني من حملات التحريض عند وقبل كل جولة عنف، ويفقد المجتمع مناعته.

هل المسألة دقيقة لهذه الدرجة؟ ليس بالضرورة، ولكنها شاهد موجود، والتعامل الشعبي المتعدد مع هذه الثقافة حيوي جداً في كندا، ويبدو أنه منسجم وصامد، ونأمل أن يستمر بلا نهاية.

فأين سؤال د. غريش؟ كان د. غريش يركز في كتابه على قضية المفهوم الكامل لتقويم التطرف/ الإرهاب/ الكراهية، لكن عبر منظور شامل وعادل لقضايا خلاف الحضارات، ويؤكد أنه الملحد الذي لا يجد ضيماً من التفاهم مع الحالات الدينية التي يرفض الإيمان بعقائدها.

ومما أسعدني -وقبل أن أصل إلى المقطع الذي يوضح فيه د. آلان غريش علاقته بالدكتور إدوارد سعيد، حيث كنت أجهل هذا الأمر تماما- أنني وقفت في قراءتي له على نفس الروح الجدلية الصلبة، المتمسكة بتثبيت ميزان عدالة إنساني لتقويم الفلسفة أو الحضارة البشرية.

كنت أتابع القراءة بسعادة وشغف لكون روح إدوارد سعيد حاضرة مجدداً، لكن مع لغة أكثر سلاسة وتشويقا، وأيضاً عمقاً في فهم تاريخ وتراث المسلمين، فلربما كانت رحلة الأصول المسيحية واليهودية في بيئة المسلمين لدى غريش أوسع وأعمق من رحلة سعيد، مع تفاصيل فكرية مهمة لحياة المصريين في معهد غريش الوجداني ونشأة فتوته الثقافية.

ولكن من أقوى مرافعات د. غريش الفكرية هي تلك المنظومة العلمية الفكرية الموثقة، التي أسقط بها أسطورة البغي الحضاري التي روج لها الفيلسوف برنارد لويس، وليس هذا تعبيراً عاطفياً، كلّا..

لكنها تراتبية تدليلية، تُظهر كارثة النقل والفهم لدى د. لويس التي أسس عليها أيديولوجية صراع الحضارات، وكيف كان ينقل خطأً ويُفسّر خطأً، ثم تقدم نظريته للعالم الغربي وآلته العسكرية الأميركية، كتبرير لتصنيف المسلمين الدوني، وهي وثيقة أنصح كل من يشك في المفهوم الذي طرحناه عنها بأن يرجع إليها في المصدر.

 والمدخل الثقافي للكتاب كان جريمة شارلي إيبدو الإرهابية، كيف تُنظر وفقا لهذه المعادلة: المنظور الشامل والعادل لقضايا خلاف الحضارات.

لقد كانت أسئلة د. غريش المنصفة والمتتالية ضمن رده على الوزيرة الفرنسية من أصل مغربي، التي اعتبرت تحفّظ بعض الطلبة الفرنسيين على المشاركة في دقيقتي الصمت تضامنا مع ضحايا شارلي إيبدو (دون أن تتكرر وقفات التضامن مع ضحايا مسلمين، بحسب رأي الطلبة)، وغالبيتهم من أصول مسلمة حسب ما يُفهم من السياق، وموقف الوزيرة الذي اعتبرته ظاهرة خطيرة مرفوضة بالمطلق، وتحتاج أن تعالجها المؤسسة التعليمية (ردعياً).

ولم يكن الحوار هنا على إرهابية العمل ولا رفضه، ولا رفض قتل المدنيين وبشاعة ذلك، وهو ما أكده د. غريش، لكنه في سلسلة استدعاءات تاريخية وتوثيقات من السجل الغربي، الذي رفض -في حالات عديدة- استفزاز المجتمع بالطعن المباشر والاستهزاء برموزه الدينية المسيحية الكبرى، وليس النقاش أو الحوار العلمي عنها، وهو ما لم يتكرر مع الإسلام.

فلماذا لا يُعتبر احترام الرموز الدينية ثقافة تنوير ولغة حضارة ومشتركات تعايش؟ ثم أين هي مقاييس العدالة في التاريخ السياسي الذي انتهى إلى الحصيلة الدولية المعاصرة، وهل تَوقّف التطفيف أو التجاوز من العالم الغربي، طبعاً كلّا.

ما تتبعه د. غريش مهم في قضية قرع العقل المنطقي عن دلالة التأثير النفسي والمعنوي في حالة الفرد المسلم، أو غيره من عالم الجنوب:

كيف تقنعه بأن وجدانك مع أرضك ووطنك الأصلي ليس كوجدان الإنسان الغربي، وأن منظومة التعبير الإعلامي والاجتماعي المصنف إنسانيا لا تسمح لك بأن تتعاطى بميزان واحد مع المظالم الإنسانية، عالميةً كانت أو قُطرية، عرضية أو سببية.

هنا دائماً يجري الخلط، خاصة حين يُزجّ بهذه القضية في أتون خطاب الوعظ الديني الذي يستخدمه الاستبداد العربي، أو يفسح له ليشجع على قمع الناس عن حقوقهم، أو منع الاستدلال بالتقدم الحقوقي الذي أنجزه الغرب، أو قوانين النظم المدنية ذات المساحة الإنسانية المشتركة، وهذه العبثية لا بد من أن تُفرز عن الحوار الحضاري كنقطة نظام، بل وقاعدة معرفة.

إننا اليوم في تساؤل عن أي نُظم يمكن أن تنشأ في العالم الحديث، وهي تقوم على قواعد فلسفة اجتماعية أكثر صوابية من الواقع، كقواعد عالمية يُعدّ الشرق أول المحتاجين إليها، ثم كيف تتحول هذه القيم إلى مبادئ عامة لصناعة الروابط العالمية أو دسترتها؟ وهل نظام مجلس الأمن والحروب التي فرضها، والحروب التي رفضها، كان أخلاقيا؟ وهل سياسة الدول المؤثرة فيه حتى من خارج القطبين محايدة كذلك؟

وهذا لا يعني رفض المساحة التي يمكن أن يتعاون فيها العالم إنسانياً، كما يجري في برامج عديدة للأمم المتحدة وإن اخترقها الفساد، لكن محور الجدل هو عن أي منظومة فكر وفلسفة يحتاجها العالم؟ وأين دلالة تفوقها؟

هل هي كسب ولاء فكري أو مواطنة جديدة في ظل دولة مدنية غربية، يتخلى عبرها المواطن الجديد عن قيم الروح والتكافل العالمي للمحرومين، ويصنّف الضحايا بناء على ذلك؟ أم روح تفكير وميثاق تعاون جديد يسعى لأن يحيي الموات في عالم الجنوب المسحوق ويبعث شراكة إنسانه، لتنهض الفكرة والذات البشرية معها في رحلة الأخلاق والعمران الإنسانية؟

المصدر : الجزيرة

سعت حركة التوحيد والإصلاح منذ نشأتها بعد الوحدة المباركة سنة 1996 بين رابطة المستقبل الإسلامي وحركة الإصلاح والتجديد، إلى المساهمة في إقامة الدين وفسح المجال للتعاون على الإلتزام به عقيدة وعبادة وسلوكا، والمساهمة في خدمة المجتمع وإصلاحه وفق قيم الإسلام وشريعته.

كما أكدت في بداياتها التأسيسية على أن سبيلها في هذه المساهمة المذكورة هو الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والدفع بالتي هي أحسن، والتفاهم والتعاون مع كل من يعمل لخدمة الأمة وترقيتها والنهوض بها، في ظل المشروعية الدستورية والقانونية للبلاد.

وتميزت تجربة حركة التوحيد والإصلاح خلال الوحدة المباركة بالاتفاق على مجموعة من الأسس المنهجية الكبرى التي بنيت عليها وهي المرجعية العليا للكتاب والسنة، والقرار بالشورى الملزمة، والمسؤولية بالانتخاب، حيث تركزت الأخيرة على حسم الخلافات داخل مؤسسات الوحدة عبر تقديم الأصول وتأجيل الفروع والتوحيد من الأعلى إلى الأسفل.

 وبين هذه التحولات من مرحلة الوحدة إلى مرحلة الإنتاج والقيام بمراجعات في مجموعة من القضايا الفكرية والدعوية، أثر طيلة 20سنة منذ تأسيس الحركة إلى الآن مجموعة من الرموز بكتاباتهم وإنتاجاتهم الشفوية والمكتوبة، ونستعرض من خلال هذا التقرير أبرز الرموز الحركية التي أثرت في مسار حركة التوحيد والإصلاح منذ التأسيس إلى الآن وابرز المراجعات التي أشارت إليها في كتاباتها، مع العلم أن هنالك رموزا حركية أخرى، لكن نذكر هنا أبرزها.

أحمد الريسوني

وتأثرت تجربة حركة التوحيد والإصلاح بنظرية المقاصد للعالم المقاصدي الدكتور أحمد الريسوني؛ أول رئيس للحركة، ولعل أهم ما استوعبته من هذه النظرية هو أن العمل والموقف من السلطة والتعامل معها خصوصا يدخل في إطار السياسة الشرعية، وأن العمل الدعوي والسياسي مؤطر مؤطر برؤية مقاصدية ترى الدين في جملة من المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية.

كما تأثرت أيضا بنظرية التقريب والتغريب لنفس العالم المقاصدي الذي أدخل مجموعة من المفاهيم الحركية إلى دائرة النسبية حيث أصبح ممكنا التعامل بمرونة وشمول مع معضلات الواقع ويعرض لحكم الأغلبية ويؤصل لها ويعلن عن انتهاء العمل برأي الزعيم.

ففي الحقل السياسي يبدو التطبيق العملي لمبدإ العمل بالأغلبية تأصيلا للديمقراطية كآلية للحكم على الاختيارات والسياسات والقوانين، وفي حقل التنظيم الحركي، يصبح تداول الأفكار والعمل بالأغلبية هو الآلية الوحيدة المتحكمة في القنوات التنظيمية الحركية، وهو ما يعني إحداث ثورة تنظيمية في الجسم الحركي الإسلامي.

سعد الدين العثماني

كما أثرت كتابات الفقيه الأصولي؛ الدكتور سعد الدين العثماني، في مراجعات الحركة سواء من خلال كتابه "في الفقه الدعوي" التي وضعت مشكلات الحركة الإسلامية في إطارها المنهجي وحددت مناطق التفكير الإسلامي الثلاثة القطعية والظنية ومنطقة العفو، ومثلث لكل منطقة موضوعاتها وأمثلتها وشواهدها، وحصرت الموضوعات الاجتهادية التي لا نص عليها في منطقة الفراغ التشريعي، واعتبرت القول بالمصلحة والتقدير الاجتهادي في هذه المنطقة أمرا متفقا عليه بين فقهاء هذه الأمة ومجتهديها..

ويعد كذلك كتاب "المشاركة السياسية في فقه ابن تيمية" للدكتور سعد الدين العثماني، من بين الكتب الأكثر تأثير في المنظومة التصورية للحركة، الذي يتناول جزئية مهمة في تاريخ الحركة الإسلامية وهو التأصيل للمشاركة السياسية لأهميتها وإحداث قطيعة فكرية مع المواقف التاريخية السابقة بالتجربة المثقلة بجراحها.

محمد يتيم

ويعتبر كتاب الأستاذ محمد يتيم "العمل الإسلامي والاختيار الحضاري" من بين أبرز الكتب الأكثر تأثيرا في تصورات الحركة، فرغ صغر حجم الكتاب إلا أنه يتميز بجملة من التصورات والمفاهيم الدعوية والحركية التي تبلورت على مدى عشر سنوات من المراجعات الفكرية داخل الجسم الحركي، حيث يضع موضوع التغيير السياسي تحت مجهر المساءلة باعتباره أقصر الطرق ظاهريا لامتلاك القوة المادية محذرا من تضخيم هذا النوع من التغيير لدى الحركة الإسلامية.

ويخلص المثقف الإسلامي من خلال منطق العصر الذي ينبغي أن نلتزم بحكم المفاهيم والثقافة السائدة لانتهاج التغيير السياسي أداة وأولوية في منهج عملنا إلى أن قضية الحكم ليست هي التحدي الحقيقي للحركة الإسلامية في المغرب، وأن الأخطار الحقيقية التي تهدد الحقل الإسلامي تكمن أساسا في انتصار القيم الحضارية الغربية في نفوس كثير من أبناء هذه الأمة، وأن نقطة البداية بالنسبة للحركة الإسلامية هي إعادة ترتيب نظريتها لأساليب التغيير وفقا لقيم الإسلام.

أحمد العماري

كما يعتبر كذلك كتاب الدكتور أحمد العماري "نظرية المواجهة والمراجعة" أبرز الكتب المؤثرة في مسار حركة التوحيد والإصلاح، أن المستعمر بعد خروجه فرض جذوره وأسس حضارته الغربية على البلاد الإسلامية وحصل فراغ حضاري وانحسار قيمي والهمينة الغربية سعت إلى إحلال قيمها محل القيم الإسلامية وهو ما يعني أن عملية التغيير ينبغي أن تنصرف بدرجة كبيرة على قضية المرجعية والقيم بما يؤهل القيم الإسلامية من جديد لإعادة بناء نماذجها ومؤسساتها في المجتمع.

عبد الله بها رحمه الله

يعد الراحل عبد الله بها من بين القياديين الإسلاميين الأكثر تأثيرا في مسار حركة التوحيد والإصلاح ليس فقط في إنتاجات مكتوبة بل كذلك في الخطاب والمواقف التي اتسمت في العديد منها بالحكمة حتى أضحى يطلق عليه الحكيم، ويعتبر كتاب "سبيل الإصلاح" من الكتب التي تحدد معالم في طريق المشروع رغم أنه سلسلة مقالات كتبت في جريدة الإصلاح سابقا، واستعرض أهم الأمور محل المراجعة عن الحركة من أبرزها أساسية العقيدة والسلوك في البناء الإسلامي وفضيلة الاعتدال والرفق في النهج الحركي وأهمية التعاون مع الغير مع الاختلاف في الرأي كما ركز على موضوع التدرج باعتبارها سنة كونية والتدقيق في قضية التعامل مع المنكر وإعادة تمحيصها..

عبد الإله بن كيران

يعد الأستاذ عبد الإله بن كيران من أبرز المجددين في مشروع حركة التوحيد والإصلاح خصوصا مع كتابه "الحركة الإسلامية وإشكالية المنهج" وهو عبارة عن تفريغ مجموعة من المحاضرات ألقاها وهي بمثابة خلاصة نقد التجربة الحركية للشبيبة الإسلامية.

 ويرجع لبن كيران بالإضافة لكثير من القياديين الفضل إحداث النقلة الأساسية في فكر الحركة إلا أنه لم يؤلف كتابا ويبقى من رصيده الشفوي وبعض الحوارات المكتوبة أهمية بالغة، ويشير بن كيران إلى أن أصل الحركة الإسلامية هو الدعوة إلى هذا الدين والسياسة لا يمكن بحال أن تكون الجامع الذي يتحزب عليه العاملون في الساحة الحركية الإسلامية، بل الرابطة الأساسية التي يجب أن تجمع العاملين هي الدعوة إلى إقامة الدين في الناس.

وخلص بن كيران إلى أربع مراجعات وهي: تحميل المسؤولية إلى الجانب الذاتي ومراجعتها ومحاسبتها مدخل أساسي للتغيير، الشرعية الدينية للنظام الملكي هي مكسب كبير للأمة والحركة الإسلامية، مقصد الحركة الإسلامية هو الالتزام بالدين والاستقامة عليه، فتح المجال للتعاون مع الأحزاب والنخب الفكرية والسياسية.

محمد الحمداوي

أثر المهندس محمد الحمداوي بشكل كبير في مسار حركة التوحيد والإصلاح، خصوصا مع فلسفة التخصصات التي أبدعها وعملت حركة التوحيد والإصلاح على تنزيلها، ولعل أبرز كتاب للقيادي الإسلامي هو "الرسالية في العمل الإسلامي استيعاب ومدافعة" وهو عبارة عن سلسلة من المقالات الأسبوعية التي التزم الكاتب بكتابتها على جريدة التجديد حينما كانت يومية قبل إغلاقها.

وتتمثل أطروحة الكتاب في أنه لخوض غمار المدافعة المجتمعية بتحدياتها وآثارها المنتظرة لا بد من تعميق تصوري لخيارات الحركة المرحلية من خلال مراجعات فكرية تعزز الفهم الرسالي لدور الحركة الإصلاحي في المجتمع، وتساعد على الاستيعاب التجديدي الذي يمس الآليات التصورية والمنهجية والتربوية والتخطيطية للعمل الإسلامي الرسالي بكل أبعاده ومجالاته وتجلياته.

كما أصدرت حركة التوحيد والإصلاح مؤخرا كتابا للمهندس محمد الحمداوي بعنوان "العمل الإسلامي؛ بدائل وخيارات"، ويأتي الكتاب بمناسبة مرور 20 سنة على تأسيس حركة التوحيد والإصلاح إثر اندماج كل حركة الإصلاح والتجديد ورابطة العمل الإسلامي في غشت 1996، واستئنافا للعمل الفكري الإصلاحي الذي دشنه مع كتابه السابق "الرسالية في العمل الإسلامي استيعاب ومدافعة".

ويهدف الكتاب إلى تصويب وتنهيج النشاط الإسلامي ووضعه إزاء عقلية تعتمد التنسيب وتديم المراجعات وتبحث عن البدائل والخيارات وتجاوز الشعور الاحتجاجي والانفعالي تجاه ما يقع أو سيقع مستقبلا" إضافة إلى "رفع كفاءة وأهلية العمل الإسلامي والفعل الإصلاحي للحركة الإسلامية ليبصم الحاضر في شتى المجالات ببصمات الإصلاح الوسطي القائم على التعاون، وليستشرف المستقبل ووظائف توسع المجال الحيوي للحركة في المناطق التي لا زالت تمانع أمام المشروع الإصلاحي".

ي.ف. - الإصلاح

اختارت حركة التوحيد والإصلاح أن تتخذ من الفن أحد مجالات عملها، لكن يثور التساؤل حول الداعي لاختيار هذا المجال خصوصا وأنها تصنف على أنها حركة دعوية، وتقدم ورقة "الرؤية الفنية" الأجوبة عن رؤية الحركة لمنطلقات هذا العمل وأهدافه وأولوياته ووسائل العمل فيه.

وتبرز "الورقة الفنية" بعد مقدمة تعريفية في فقرة أولى "أهمية الفنون في العقيدة والحضارة الإسلاميين" والذي ينطلق من البعد المركزي للإنسان الذي يتطلب حاجات ذوقية وفنية وجمالية، وتعضد على ذلك بمجموعة من الشواهد من خلال "عناية القرآن بالمدخل الجمالي في بناء شخصية الإنسان" و"عناية السنة النبوية بالتربية الجمالية" وكون أن "الحسن والجمال ثلث الشريعة الإسلامية"، بالإضافة إلى "عناية الحضارة الإسلامية بالبعد الجمالي".

كما تتناول الفقرة الثانية من الرؤية "واقع الممارسة الفنية في المجتمعات الإسلامية المعاصرة" من خلال البون الشاسع بين الصورة المضيئة للفن والقيم الجمالية في التصور الإسلامي والحضارة الإسلامية، وبين واقع الفنون وطريقة ممارستها اليوم والقيم التي تروج لها. ومن نتائج ذلك احتكرت الفن مدارس واتجاهات استخدمته أداة هدم للأخلاق والقيم.

وترى الرؤية الفنية للحركة أن فتح الباب لتحريم مجموعة من الفنون من بعض العلماء هو ارتباط ممارستها ببعض الممارسات غير الشرعية، والخلط بين الشعائر التعبدية وبعض التعبيرات الفنية الشيء الذي اعتبره مجموعة من العلماء شكلا من أشكال الابتداع وتحريف العبادة.

وفي المقابل ترى الرؤية أن المبالغة في اللجوء إلى فقه سد الذرائع عزز نفسية التقليد وضعف الاجتهاد والتحوط المفرط مما هو جديد وحالة اللبس التي حصلت في مجموعة من الفنون الجديدة المرتكزة على بعض القيم الغربية كتعرية الجسد وجلب الإثارة، ثم توظيف سياسي للفن لخدمة أجندة دول استعمارية سابقة، ونتيجة كل هذا وغيره هو ابتعاد كثير من المتدينين اليوم عن الفن، وابتعاد كثير من الفنانين عن الدين، وتشجيع نوع من الفن يصور المغرب بصورة معينة تحت الطلب من خلال مجموعة من الأعمال الفنية التي تعرض على المهرجانات الدولية والأوسكارات.

وفي الفقرة الثالثة من الكتاب تتطرق الرؤية الفنية إلى "موقع المسألة الفنية في سلم أولويات الحركة الإسلامية" حيث لم تخفي الحركة أنها أيضا تأثرت بهذه الملابسات التاريخية التي ذكرت قبلا ويتجسد في ضعف اهتمام الحركة بهذا المجال والإقبال عليه، وتشير من خلال هذه الرؤية قيامها بمجموعة من المراجعات في هذا الإطار حيث وضعت مجموعة من "الأهداف للعمل الفني عند حركة التوحيد والإصلاح" وأبرزها الإسهام من خلال الأعمال الفنية في تعميق الإيمان من خلال المدخل الجمالي والوجداني والإسهام في تعزيز الوظيفة التربوية والثقافية للفن وتخليصه من الابتذال وتصحيح النظرة إلى الفن بكل تمظهراته لدى المجتمع وتخليصه من الصور السلبية التي لحقت به في التاريخ الإسلامي ثم تحقيق التواصل مع المجتمع من خلال أعمال فنية..

c273a51148eb22ec5d744c0da3892099 L

وتكمن مجالات العمل الفني من خلال الورقة في مجال الإنتاج الفني ومجال التكوين الفني ومجال النقد الفني، أما من حيث المجالات الفنية ذات الأولوية عند الحركة فهناك مجال الكتابة القصصية والمسرحية والشعرية ومجال أدب الطفولة ومجال الأغنية والإنشاد ومجال الرسم والخط ومجال التمثيل ومجال النقد الأدبي والمسرحي والسينمائي ومجال الفنون الرياضية.

وحددت الحركة في مجال الفن آليات ووسائل للعمل أهمها المسابقات الفنية والاحتفال بالمناسبات الإسلامية والمهرجانات الفنية والندوات والأيام الدراسية الخاصة بالنقد الفني.

الإصلاح