Monday, 12 June 2017 14:50

بدر الكبرى.. يوم الفرقان

شهر رمضان المبارك هو شهر الخير والبركات، شهر الجهاد والانتصارات والفتوحات، شهر تجلت فيه الملاحم والبطولات الإسلامية في أبهى صورها على أيدي رجال المسلمين أبطال اتّبعوا نبيهم اتباعًا كاملاً وأحبوه، رجال صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه، نصروا دين الله تعالى وطبقوا شرعه الحنيف فنصرهم الله وأيدهم بجُندٍ من عنده وأعزّهم، رجال أبطال مجاهدين كانوا يخافون الله عزّ وجلّ ويُطيعونه فإذا أشرقت شمس الصباح كانوا أسودًا فرسانًا يصومون ويصلون ويتقون الله عز وجل حقّ تقاته وإذا ما جنّ عليهم الليل كان لهم دويّ بقراءة القرءان كدويّ النحل فنصرهم الله سبحانه وتعالى على أعدائهم وأعزَّهم في دنياهم.

وإنَّ المتتبع للانتصارات العظيمة التي أحرزها هؤلاء المسلمون الأبطال في الماضي يجد أن كثيرًا منها ما كان في شهر رمضان المبارك شهر الخير والبركات؛ فغزوة بدر الكبرى كانت في شهر رمضان قال الله تعالى :{ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلّة فاتقوا الله لعلكم تشكرون}، والفتح العظيم فتح مكة كان في شهر رمضان، قال الله تعالى :{إنَّا فتحنا لك فتحًا مبينًا}، وفتح الأندلس على يد القائد العظيم المظفّر "طارق ابن زياد" كان في رمضان، ومعركة عين جالوت التي قضى فيها المسلمون على الزحف التتاريّ البغيض وانكسار الروم في تبوك كل ذلك كان في شهر رمضان المبارك شهر الجهاد والفتوحات والبركات شهر الخير والبركات.

وأهم هذه الانتصارات كان معركة بدر الكبرى الدرة الناصعة والنجمة الزاهرة مضيئة في تاريخ الأمجاد والانتصارات الإسلامية المجيدة، إنها معركة وغزوة كبرى نصر اللهُ عزّ وجل فيها رسوله المجتبى وحبيبه المرتضى صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة المؤمنين الذين اتبعوا نبيهم عليه السلام في السراء والضراء وبصدق وإخلاص، وصبروا على البلاء والمصائب وثبتوا كالجبال الراسخة على ما هم عليه من هدة وإيمان.

إن من الموافق العظيمة في غزوة بدر الكبرى والتي تستدعي التأمل والوقوف عندها طويلا ذلك الموقف العظيم الذي وقفه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما رأى قريشًا قد جاءت مقبلة بقدها وقديدها تعادي الله ورسوله فالتجأ عليه الصلاة والسلام في هذا الموقف الصعب إلى خالقه ومولاه ووقف يناجيه ويدعوه ويتضرع إليه سبحانه، ويسأله النصر على الأعداء قائلا :"اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني" وأجاب الله تعالى دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم وملأ الرهب قلوب المشركين فخافوا من المواجهة العسكرية، حتى طلب بعضهم الرجوع والفرار من ساحة القتال خوفًا من المسلمين، وقبل بدء المعركة وبينما كان القائد العظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفًا خاشعًا متضرعًا يدعو الله عز وجل بأن يرزقه النصر والتأييد، مستغرقًا في الدعاء ومعه الصديق أبو بكر رضي الله عنه، غفا غفوة خفيفة ثم قام مستبشرًا قائلاً لصاحبه وحبيبه أبي بكر رضي الله عنه :"أبشر أبا بكر فقد أتى تصر الله، هذا جبريل ءاخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع" (يعني الغبار).

ومن المواقف العظيمة التي وقفها الصحابة رضي الله عنهم مهاجرون وأنصار مع نبيهم عليه الصلاة والسلام مؤيدين له ومناصرين أنه لما وصل الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسير مشركي قريش ليمنعوا عيرهم وما فيها من أموال ويحاربوا المسلمين، استشار عليه الصلاة والسلام صحابته وأخبرهم خبر قريش وما عزمت عليه، فقام الصديق أبو بكر رضي الله عنه فتكلم وأحسن. ثم قام الفاروق عمر رضي الله عنه فتكلم وأحسن. ثم قام الصحابيّ الجليل المقداد بن عمرو فتكلم وأحسن وكانوا من المهاجرين. وأما من الأنصار فقد قام الصحابي الجليل سعد بن معاذ وقال للرسول صلوات ربي وسلامه عليه قولته المشهورة "لقد ءامنا بك وصدقناك وشهدنا أنَّ ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض بنا لما أردت فنحن معك، والذي بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد ... وما نكره أن تلقى بنا عدوًا غدًا ... إنا لصُبر في الحرب صدُق في اللقاء. لعل الله يريك ما تقرّ به عينك ... فسِر بنا على بركة الله تعالى".

ومعركة بدر تعيد لنا عظمة تاريخنا وعظمة أُمّتنا وتشد عزائمنا، وتقوي فينا روح الجهاد لمواجهة الظلم، وتزرع فينا روح النصرة للمظلومين والمستضعفين في العالم، وتصنع منا أُمّة قوية مهابة الجانب.

الإصلاح