الإثنين, 05 حزيران/يونيو 2017 11:35

قيمة الإحسان في رمضان

الإحسان لب الإيمان وروحه وكماله، ومعناه مراقبة الله تعالى في السر والعلن مراقبة مَن يحبه ويخشاه ويرجو ثوابه ويخاف عقابه؛ بالمحافظة على الفرائض والنوافل، واجتناب المحرمات والمكروهات. والمحسنون هم السابقون بالخيرات المتنافسون في فضائل الأعمال.

والإحسان نوعان : إحسان إلى النفس وذلك بحملها على طاعة الله تعالى , والبعد عن المعاصي ما ظهر منها وما بطن، والإحسان إلى الخلق ويكون ذلك بالعطف عليهم , والرحمة بهم .

ويستطيع العبد أن يكون محسنًا في تفاصيل حياته، حتى إذا جمع الإحسان في التفاصيل أصبح محسنًا مجمَلا، فكأننا نقول أن الإحسان عبارة عن الإحسان في التفاصيل، فتحسن في صلاتك، وتحسن في صيامك، وتحسن في صدقتك... وعندما تجمع تفاصيل الإحسان بعد ذلك تكون محسنًا على وجه العموم.

وكل الناس يستطيعوا أن يكونوا محسنين، لا يطلق عليه لفظ محسِن إطلاقًا لكن يكون أحسَنَ في صلاته، أحسن في صيامه، أحسن في قراءته للفاتحة، ونحن بأنفسنا نستعمل هذا اللفظ.

إذن الإنسان يستطيع أن يحسن وأن يجمِّع لنفسه نقاط إحسان إذا استطاع أن يدرِّب نفسه على الإحسان في المسائل القليلة أو في المسائل المنفصلة يوفّقه الله فيحسن إجمالاً في الدِّين كلّه.

وقد دعا الله إلى الإحسان ومدح المحسنين في كثير من النصوص منها :

من ذلك آية سورة النحل التي تدل على أن الإحسان قربة لله عز وجل، قال الله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}، وأي فعل أمر سيكون عبادة وقربى له.

وأيضا آية سورة البقرة : {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}

وقال تعالى : {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}

لذلك لابد أن نهتم بالإحسان :

لأنه أمْر وعبادة

ولأنه سبب لمحبة الله لك

ولأنه سبب لمعية الله لك

والإحسان أنواع فمنها ما يتعلق بالإحسان مع الله : وهو أن يستشعر الإنسان وجود الله معه في كل لحظة، وفي كل حال، خاصة عند عبادته لله - عز وجل -، فيستحضره كأنه يراه وينظر إليه. قال صلى الله عليه وسلم : (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) متفق عليه.

والمتعلق بالإحسان إلى الوالدين : فالمسلم دائم الإحسان والبر لوالديه، يطيعهما، ويقوم بحقهما، ويبتعد عن الإساءة إليهما، قال تعالى : (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) (الإسراء : 23).

ومنه الإحسان إلى الأقارب : حيث يكون المسلم رحيم في معاملته لأقاربه، وبخاصة إخوانه وأهل بيته وأقارب والديه، يزورهم ويصلهم، ويحسن إليهم. قال صلى الله عليه وسلم : (من سرَّه أن يُبْسَطَ له في رزقه "يُوَسَّع له فيه"، وأن يُنْسأ له أثره "يُبارك له في عمره"، فليصل رحمه) متفق عليه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فَلْيَصِل رحمه) رواه البخاري.

كما أن المسلم يتصدق على ذوي رحمه، فقد قال صلى الله عليه وسلم : (الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان : صدقة، وصلة) رواه الترمذي.

ومنه كذلك الإحسان إلى الجار :فعلى المسلم أن يُحسن إلى جيرانه، ويكرمهم امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورِّثه) متفق عليه.

ومن كمال الإيمان عدم إيذاء الجار، قال صلى الله عليه وسلم : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُؤْذِ جاره) متفق عليه. والمسلم يقابل إساءة جاره بالإحسان، فقد جاء رجل إلى ابن مسعود - رضي الله عنه - فقال له : إن لي جارًا يؤذيني، ويشتمني، ويُضَيِّقُ علي. فقال له ابن مسعود : اذهب فإن هو عصى الله فيك، فأطع الله فيه.

ثم الإحسان إلى الفقراء : حيث أن المسلم يُحسن إلى الفقراء، ويتصدق عليهم، ولا يبخل بماله عليهم، وعلى الغني الذي يبخل بماله على الفقراء ألا ينسى أن الفقير سوف يتعلق برقبته يوم القيامة وهو يقول : رب، سل هذا - مشيرًا للغني - لِمَ منعني معروفه، وسدَّ بابه دوني ؟

ولابد للمؤمن أن يُنَزِّه إحسانه عن النفاق والمراءاة، كما يجب عليه ألا يمن بإحسانه على أصحاب الحاجة من الضعفاء والفقراء؛ ليكون عمله خالصًا لوجه الله. قال تعالى : (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) (البقرة : 263).

وأيضا الإحسان إلى اليتامى والمساكين : فقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالإحسان إلى الأيتام، وبشَّر من يكرم اليتيم، ويحسن إليه بالجنة، فقال : (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا. وأشار بأصبعيه : السبابة، والوسطى، وفرَّج بينهما شيئًا) متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم : (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله) متفق عليه.

ولا ننسى الإحسان إلى النفس : فعلى المسلم أن يُحسن إلى نفسه؛ فيبعدها عن الحرام، ولا يفعل إلا ما يرضي الله، وهو بذلك يطهِّر نفسه ويزكيها، ويريحها من الضلال والحيرة في الدنيا، ومن الشقاء والعذاب في الآخرة، قال تعالى : (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) (الإسراء : 7).

ثم الإحسان في القول : فلا يخرج منه إلا الكلام الطيب الحسن، يقول تعالى : (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ) (الحج : 24)، وقال تعالى : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) (البقرة : 83).

 ومنه أيضا الإحسان في فعلى المسلم أن يلتزم بتحية الإسلام، ويرد على إخوانه تحيتهم . قال الله تعالى : (وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) (النساء : 86).

والإحسان في العمل :والمسلم يُحسن في أداء عمله حتى يتقبله الله منه، ويجزيه عليه، قال صلى الله عليه وسلم : (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) رواه البيهقي.

والإحسان في الزينة والملبس : قال تعالى : (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف : 31).

وهنا لا بد أن ننوه أن للمحسنين أجر عظيم عند الله، قال تعالى : (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) (الرحمن : 60). وقال : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) (الكهف : 30). وقال : (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة : 195).

س.ز/ الإصلاح