الأربعاء, 25 كانون2/يناير 2017 14:10

سل الله العافية

سل الله العافية

العافية في اللغة الصحة التامة٠يقال عافاه الله: شفاه وأبرأه من مرضه وعلته، ودفع عنه السوء والبلاء، و حفظه٠ فهي تأتي بمعنى الشفاء تارة، وبمعنى الحفظ والوقاية تارة أخرى٠

والعافية ليست فقط حالة انعدام المرض، بل هي حالة اكتمال السلامة العقلية والقلبية، الأخلاقية والبدنية٠

ولأنها نعمة غير تامة فقد تجد إنسانا معافى البدن لكنه عليل الخلق، أو العكس- فإن العمل من أجل تحصيلها هو شغل العمر٠

ولأنها نعمة متحولة، فقد علمنا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن ندعو: " اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك."

ومرة جاء العباس رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قلت يا رسول الله علمني شيئا أسأله الله٠ قال:" سل الله العافية" قال فمكثت أياما ثم جئت فقلت يا رسول الله علمني شيئا أسأله الله، فقال لي:" يا عباس ياعم رسول الله سل الله العافية في الدنيا والآخرة٠"

قال المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي" : في أمره صلى الله عليه وسلم بالدعاء بالعافية بعد تكرير العباس سؤاله بأن يعلمه شيئا يسأل الله به دليل على أن الدعاء بالعافية لا يساويه شيء من الأدعية، ولا يقوم مقامه شيء من الكلام الذي يدعى به ذو الجلال والإكرام٠

ولم يكن صلى الله عليه يدع قط هذه الدعوات بالعافية- و هو النبي المعصوم- صباحا ولا مساء٠ يدعو عليه الصلاة والسلام مناجيا ربه:" اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي٠ اللهم استر عورتي وآمن روعاتي٠"

وعلم أمته الدعاء بالعافية، عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد رجلا قد جهد حتى صار مثل فرخ، فقال له:" أما كنت تدعو، أما كنت تسأل ربك العافية؟ قال: كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال صلى الله عليه و سلم:" سبحان الله إنك لا تطيقه، أو لا تستطيعه، أفلا كنت تقول: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" رواه الترمذي٠

إن أفضل عافية: هي عافية الدين، أو بالأحرى عافية التدين٠ فالدين كامل ومعافى، أما التدين الذي هو الممارسة البشرية للدين قد تنتابها بعض العلل٠  وقد أشار فضيلة الدكتور أحمد الريسوني في كتاباته إلى أنماط من التدين المعلول، منها:

- التدين المغشوش: الذي يعتني أصحابه بتحسين الأعمال وصفاتها الظاهرة مع إهمال أو تقصير في الأمور الباطنة، كالاهتمام مثلا بفقه الصلاة والطهارة وإهمال الخشوع وروح العبادات٠

- التدين المعكوس : وهو ذلك التدين الذي يقلب أصحابه مراتب الشرع، وأولوياته، فيشددون ويبالغون فيما خففه الشرع، ويهملون ما عظمه وقدمه٠ فقد نرى البعض قد يتزاحم على تراويح رمضان وهي نافلة، في حين يتساهل في أداء الصلاة في جماعة وهي فرض٠

-التدين المحروس: وهو الذي لا يلتزم أصحابه بواجباتهم إلا بالمراقبة والمطالبة، ولو ترِكوا لترَكوا٠

هذه أنماط من التدين المعلول، بالوقوف عندها وتحليلها نتلمس فضل العافية، ويمكن أن نستنبط قواعد للتدين المعافى٠

قال إبراهيم بن أدهم:" إذا أردت أن تعرف الشيء بفضله فاقلبه إلى ضده، فإذا أنت عرفت فضل ما أوتيت، فاقلب العافية بالبلاء، تعرف فضل العافية"٠

إن للتدين المعافى خصائص من بينها:

١- الاعتناء بالظاهر والباطن في شمول وتوازن:

إن العافية لا بد أن تلامس جميع جوانب حياة الإنسان: قلبه، عقله، علاقاته، جوارحه، بدنه، وحتى نظرته للأمور٠

*عافية القلب: و تكون بتحرير القصد والنية، بالإنابة السريعة لله تعالى، وبسلامته من الحقد والحسد والضغائن٠

* عافية العقل: في سننيته لا خرافيته، في انفتاحه على خبرات الآخر، في اتباعه مناهج نقدية لا تبريرية، في تجديده وتجدده،  في مقاصديته وتحوله من التلقي إلى التحليل والاستنتاج والاستدلال٠

* عافية العلاقات: إن العافية التامة ليست لازمة، بل متعدية إلى الأسرة بعلاقاتها الزوجية و الوالدية والرحم القريب والبعيد، إلى زملاء العمل، إلى جميع الناس٠ معاملتهم بالرحمة، بالحلم، بالصفح والتغافل أحيانا٠٠٠ قال أحد العلماء: العافية عشرة أجزاء تسعة منها تغافل٠ وقال أحمد بن حنبل: العافية عشرة أجزاء كلها تغافل٠

* عافية اللسان: عندما يرقى إلى مستوى ألا يقول إلا حقا، ولا ينطق إلا صدقا، لا محاباة، لا غيبة، ولا كذب٠

* عافية البدن: بالاهتمام بصحته، و تغذيته، ورياضته، وبمظهره الأنيق، فقد كان صلى الله عليه و سلم يحب الطيب، ويحب الطيب من الطعام والجميل من اللباس٠ و قد لبس صلى الله عليه و سلم البسيط من الثياب، كما لبس جبة رومية من ديباج منسوج بالذهب، فجعل الصحابة ينظرون إليه، فقال :" أتعجبون من هذه؟ " قالوا نعم يا رسول الله، فقال لهم: لمناديل سعد في الجنة خير مما ترون٠

لئن لبس صلى الله عليه وسلم الجميل من الثياب، وحث المسلمين على أخذ زينتهم، فإن قلبه معلق بالآخرة، فبالنسبة إليه المناديل التي مسحت بها جراحات سعد بن معاذ أفضل من أجمل وأغلى الألبسة٠

* عافية النظرة: حيث علمنا رسول الله صلى الله عليه و سلم النظرة الإيجابية المتفائلة ٠ في أحلك الظروف، في يوم الأحزاب، يوم زلزل المؤمنون زلزالا شديدا، بقي عليه الصلاة و السلام ثابتا، شامخا، عجز أقوى الصحابة عن كسر صخرة من الخندق، فكسرها رسول الله، وبشر الصحابة بفتح اليمن  والشام وبلاد فارس، وهو المحاصر الذي توشك أن تقتلع شأفته٠

٢- الوعي بفقه الأولويات، وفقه مراتب الأعمال، بإتمام الفريضة وتحسينها أولا ، ثم الإقبال على النوافل٠ قال رسول الله في الحديث القدسي:" ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه٠ ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه٠٠٠"

٣- التدين الحر المسؤول الذي يبني الدافعية  الذاتية : تدين متحرر من كل وساطة، ومن كل حراسة، لا رقابة فيه إلا للمولى عز وجل.

وختاما، لتتسع مساحة العافية فينا، وفيما بيننا، فنفيضها على ربوع وطننا الحبيب، نستمر في سؤال الله العافية، وفي بذل سنن التعافي؛ بالوقوف الجريء أمام عيوبنا وتصحيحها، وبالجهاد الدائم من أجل الارتقاء في سلم العافية ومدارج السالكين٠

خديجة رابعة