×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 367
الإثنين, 16 آذار/مارس 2015 16:36

حقوق الطفل وحقوق الأباء

الدكتور حسن الموس

الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالعناية بالأبناء واستنقاذهم من العذاب فقال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 6]، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله حض على تأديب الأطفال وحسن تربيتهم وأعطى القدوة في ذلك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

التربية في الصغر كالنقش على الحجر

عباد الله إن من حقوق الأطفال على الآباء بعد حق الرعاية المادية أن نوفر لهم المحاضن التربوية المناسبة لغرس القيم والمبادئ. والتربية في الصغر كما يقال كالنقش على الحجر، وهي من أهم ما ينبغي التركيز عليه. ولذلك خص الحق سبحانه هذه الفترة من العمر بالذكر فقال :{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24]... إن التربية تكون أيضا في الكبر، لكن أصولها تغرس في الصغر، ومن جهة أخرى فما ثم غرسه في الصغر من إيمان وصلاح لا يزول بعد الكبر، لأنه قد يحصل أن ينحرف الشاب في مرحلة من مراحل عمره لكنه يعود إلى أصله وإلى ما أخذه في صغره من قيم.

قال ابن عطية:"أمر الله عبادة بالترحم على آبائهم وذكر منتهما عليه في التربية ليكون تذكر تلك الحالة مما يزيد الإنسان إشفاقاً لهما وحناناً عليهما".

{ وقل : رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } والكاف في الآية للتعليل، أي أن الله تعالى يوصي بالاحسان إليهما، وبالدعاء لهما مقابل ما قدماه من جهد وتربية ...أي ارحمهما رحمة تكافئ ما ربياني صغيرا . ولاشك أن التربية حال الصغر تربية خاصة لأنها مكيفة برحمة كاملة، أساسها الأبوة التي تقتضيها، وصغر الولد الذي يقتضي الرحمة به ولو لم يكن ولدا . قال ابن عاشور: " فالتربية تكملة للوجود وهي وحدها تقتضي الشكر عليها . والرحمة حفظ للوجود من اجتناب انتهاكه".

عباد الله إن ركائز التربية كما في قصة لقمان ووصيته لابنه ثلاث .

حق تعليم العقيدة الصحيحة وغرس الايمان:

أول حق للأبناء على الآباء هو حق تعليم العقيدة، والتربية على حب الله تعالى وخشيته. وهو حق معنوي يفوق الحق المادي الذي يتمثل في الرزق والكسوة والعناية المادية. وقد بدأ الله تعالى الوصايا العشر التي ذكرت في القرآن وبقية الكتب السماوية الأخرى بالأمر بتوحيده وعبادته بدون شريك: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23]قال ابن عاشور: " ابتدئ التشريع بالنهي عن عبادة غير الله لأن ذلك هو أصل الإصلاح لأن إصلاح التفكير مقدم على إصلاح العمل إذ لا يشاق العقل إلى طلب الصالحات إلا إذ كان صالحا . وفي الحديث : " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب " ."

وقد كان النبي عليه السلام يؤكد على هذا الجانب ويرعاه مع أبنائه وأحفاده وأبناء عمومته. روى الترمذي عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - : قال : « كنتُ رَدِيفَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فقال لي : يا غلام ، احفظ الله يَحْفَظْك، احفظ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ- أو قال : أَمَامَكَ - تَعَرَّف إِلى الله في الرَّخاء يَعْرِفْكَ في الشدة ، إِذا سألتَ فاسألِ الله، وإِذا استعنت فاستَعِنْ بالله. فإن العباد لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء ، لم يكتبه الله لَكَ ، لم يَقْدِرُوا على ذلك. ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء ، لم يكتبه الله عليك ، لم يقدروا على ذلك. جَفَّتِ الأقلام، وطُوِيتِ الصحف، فإن استطعتَ أن تعمل لله بالرضى في اليقين فافعل. وإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا. واعلم أن النصر مع الصبر، و أن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسرا ، ولن يغلب عُسْر يُسْرَينِ ».فهذا الحديث أصل عظيم في مراقبة الله ، ومراعاة حقوقه ، والتفويض لأمره ، والتوكل عليه ، وشهود توحيده وتفرُّده ، وعجز الخلائق كلَّهم وافتقارهم إليه .

الواجب الثاني التدريب على العبادة

العبادة هي المظهر العملي للعقيدة الصحيحة، فالايمان بالله وخشيته يقتضي الخصوع والتذلل بين يده. وقد جعل الله تعالى مهمة تعليم الصلاة والاصطبار عليها من مهام الرسل وأتباعهم من المؤمنين فقال سبحانه لنبيه: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132]. قال صاحب المحرر الوجيز : " هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، ويدخل في عمومه جمع أُمته . وروي أن عروة بن الزبير رضي الله عنه كان إذا رأى شيئاً من أخبار السلاطين والمتنعمين بالدنيا بادر إلى منزله فدخله وهو يقرأ { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا } الآية إلى قوله { وأبقى } ، ثم ينادي بالصلاة الصلاة يرحكم الله ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوقظ أهل داره لصلاة الليل ويصلي هو ويتمثل بهذه الآية".

وهذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ...وهي تفيد أن المتاع الحقيقي للمؤمن ولزوجته وأبنائه هو الصلاة والقيام لها، وفيها دعوة إلى عدم الالتفات إلى زخارف الدنيا .

وقوله: { لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ } يعني  إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، وأنه لا ينبغي للمسلم أن يشغله طلب الرزق عن العبادة ، وقد قال تعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب } [الطلاق: 2، 3]. وروى الترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقول الله تعالى : يا ابن آدم تَفَرَّغ لعبادتي أمْلأ صدرك غنى، وأسدّ فقرك، وإن لم تفعل ملأتُ صدرك شغلا ولم أسدّ فقرك " . وروى ابن ماجه من حديث الضحاك، عن الأسود، عن ابن مسعود: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: " من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه الله هَمّ دنياه. ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديته هلك " .

وأمرنا عليه السلام أن نعلم أبنائنا الصلاة لسبع سنين، وكان عليه السلام يتعهد ابنته فاطمة وزوجها عليا فيوقظهما للصلاة ليلا. روى البخاري ومسلم عن علي - رضي الله عنه - : أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ لَيْلاً ، فَقَالَ : (( أَلاَ تُصَلِّيَانِ ؟ )).

الواجب الثالث القيم والأخلاق

يجمل العبادة حين تثمر الأخلاق الحميدة، فيظهر على سلوك المسلم أثر السجود كما قال تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ } [الفتح: 29]. فالصلاة تنهى عن الفحش في القول والعمل، وعن الوقوع في المنكرات. والصوم يدرب على كظم الغيظ وحسن معاملة الناس، والحج مدرسة اجتماعية يتعلم فيها الحاج الابتعاد عن الفسوق والجدل ...وهكذا فالأخلاق والقيم أصل ينبغي للمربين أن يلتفتوا إليه. وقد روي في السنن عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - : أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قال : « مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي مِيزانِ المؤمِنِ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ يَبْغُضُ الفَاحِشَ البَذيءَ». وفي رواية قال : سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ : « مَا مِنْ شَيءٍ يُوضَعُ فِي المِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ ، وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيبلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِب الصَّومِ، وَالصَّلاةِ». فالعلم بدون أخلاق لا ينفع؛ بل قد يضر. وقد قال الشاعر : إنما الأمم الأخلاق ما بقيت   فإت هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

المساواة بين الأبناء والبنات

عباد الله إن التربية والعناية يحتاجها الذكر والأنثى، ومن ثم فإنه ينبغي التفريق بين الأولاد والبنات فيهما. وإن السنة النبوية أكدت حق البنات، وحاربت ما كان عليه العرب في الجاهلية من تضييع حق البنات وإهدار كرامتها. ونوه النبي عليه السلام بفضل من يرعى البنات ويقوم على تربيتهن روى البخاري ومسلم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : دخلت عليَّ امرأة ومعها ابنتانِ لها ، تَسأل ، فلم تجد عندي شيئًا ، غير تَمرة واحدةٍ ، فَأعطيتُها إيَّاها ، فقسمَتها بين ابنَتيها  ولم تأكل منها ، ثم قامت فَخرجَت ، فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبرتُه ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « مَنِ ابْتُلِيَ من هذه البَنَاتِ بشيءٍ ، فأحْسَنَ إليهنَّ ، كُنَّ له سِتْرًا من النار ». ولمسلم أيضًا ، قالت : جاءتني مِسْكِينَةٌ تَحمِلُ ابنتين لها ، فأطْعَمتُها ثَلاَثَ تمْراتٍ ، فأعطت كلَّ واحدة منهما تمرةً ، ورَفعت إلى فيها تمرةً لتأكُلَها ، فَاسْتَطْعَمَتْها ابنَتَاها ، فَشَقَّت التمرة التي كانت تريد أن تأكلَها بينهما ، فأعجبني شأنُها ، فذكرتُ الذي صَنَعَتْ للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : « إنَّ الله عز وجل قد أوجبَ لها بها الجنة ، وأعتقها بها من النار ».والحمد لله رب العالمين.