الأربعاء, 28 شباط/فبراير 2018 12:38

ولقد كرمنا بني آدم

لقد جاء ذكر الإنسان في القرآن الكريم بلفظ الإنسان في نحو خمسة وستين موضعاً، ذكر الله عز وجل فيها أشياء كثيرة تتعلق بالإنسان، منها: بدء خلق الإنسان، وكيف خلق، وممّ خلق، وعلى أي صفة خلق، والمراحل والأحوال التي يتقلب فيها، والمآل الذي يصير إليه، والحالات التي يكون عليها، والإنسان حين يكون مستقيماً وحين يكون منحرفاً، حين يكون غنياً وحين يكون فقيراً، حين يكون صحيحاً وحين يكون عليلاً، حين يكون مؤمناً وحين يكون كافراً في الدنيا والآخرة، الرجل والمرأة، الكبير والصغير، المأمور والأمير، الحاكم والمحكوم.

حتى إنك إذا نظرت في القرآن الكريم تكاد بأن تجزم أن القرآن كله إنما جاء يعالج قضية الإنسان، الطريق الصحيح الذي يسلكه الإنسان، والطريق المعوجة التي يُحذَّر الإنسان منها، إلى غير ذلك، وليست العبرة فقط بآيات ذكر فيها لفظ الإنسان مثل هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ} [سورة الإنسان، الآية: 1] {خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [سورة الأنبياء، الآية: 37] بل إن الأمر أوسع من ذلك، فأنت تجد الكلام على الإنسان وأصله في أشياء كثيرة. مثلاً قصة آدم عليه الصلاة والسلام، وكيف خلقه الله عز وجل، وأسكنه الجنة، وأسجد له ملائكته قال الله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [سورة البقرة، الآية: 34] أي شيء أعظم في تكريم الإنسان، ورفع الإنسان؛ وبيان مقام الإنسان؟ من أن الله عز وجل يخلق آدم أبا البشر بيده؟ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده» فخلق الله تعالى آدم بيده من طين الأرض، ثم نفخ فيه من روحه، قال تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [سورة الحجر، الآية: 29] نفخ فيه هذه الروح التي بها صار إنساناً، ثم أسجد له ملائكته، أشرف مخلوقاته أسجدهم لآدم عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [سورة البقرة، الآية: 34].

فالإنسان محور الخطاب القرآني، فهو المخاطب الرئيس في القرآن، والقرآن لأجله نزل، ولا عجب في ذلك، فهو أكرم مخلوق على الله، وقد فضله سبحانه على كثير ممن خلق، يقول عز من قائل: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} (الإسراء:70)، فما هي دلالة هذه الآية الكريمة؟

المقصود الرئيس من هذه الآية ذكر نعمة جليلة من نعم الله تعالى على الإنسان، وهي النعم التي بها فضل الله الإنسان على غيره. وقد ذكر تعالى في هذه الآية أربع نِعَمٍ:

الأولى: تكريم بني آدم، فالإنسان أكرم المخلوقات الموجودة في هذا العالم. ومن تمام كرامته على الله سبحانه، أنه تعالى لما خلقه في أول الأمر وصف نفسه بأنه {الأكرم}، فقال سبحانه: {اقرأ وربك الأكرم} (العلق:3)، ووصف نفسه بـ (التكريم) عند تربيته للإنسان، فقال عز من قائل: {ولقد كرمنا بني آدم}، ووصف نفسه بـ {الكريم} في آخر أحوال الإنسان، فقال: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} (الانفطار:6)، وهذا يدل على أنه لا نهاية لكرم الله تعالى ولفضله وإحسانه مع الإنسان. قال ابن كثير: "يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم، وتكريمه إياهم، في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها، كما قال: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} (التين:4)، أي: يمشي قائماً منتصباً على رجليه، ويأكل بيديه، وجعل له سمعاً وبصراً وفؤاداً، يفقه بذلك كله، وينتفع به، ويفرق بين الأشياء، ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدنيوية والدينية".

الثانية: تسخير البر والبحر للإنسان، ويدخل في هذا تسخير الجو، وهذا أيضاً من مؤكدات (التكريم) المذكور أولاً؛ لأنه تعالى سخر كل هذه الأشياء للإنسان، واختصه به من سائر خلقه؛ ما يدل على أن الإنسان في هذا العالم كالرئيس المتبوع والملك المطاع، وكل ما سواه فهو رعيته وتبع له.

الثالثة: الرزق من الطيبات، فقد ألهم الله تعالى الإنسان أن يَطعَم ما يشاء مما يروق له، وجعل في الطعوم أمارات على النفع، وجعل ما يتناوله الإنسان من المطعومات أكثر جداً مما يتناوله غيره من الحيوان، الذي لا يأكل إلا أشياء اعتادها.

الرابعة: تفضيل الإنسان على كثير من المخلوقات، والمراد بهذا: التفضيل المشاهد، الذي جماعه تمكين الإنسان من التسلط على جميع المخلوقات الأرضية برأيه وحيلته، وكفى بذلك تفضيلاً على سائر الخلق. وقد ذكر المفسرون ها هنا مسألتين:

فالإنسان وفق التصور القرآني مخلوق مكرم ومقدس، وهذه الكرامة لم تتأت له جزافا ولا عبثا، وإنما لها أسباب ودواع حقيقية لا تتحصل إلا بها، ويمكن عموما توضيح علل هذا التكريم والتفضيل للإنسان، باستقراء آيات القرآن في أمور منها:

  • لتميز الإنسان بالعقل على باقي المخلوقات؛
  • لتميزه بالعلم والمعرفة، والقابلية للتعلم وتحصيل المعارف؛
  • لأن الله خصه بخطابه واستخلفه في أرضه.

إن التكريم الإلهي لبني آدم، هو تكريم لجنس الإنسان، فلا هو تكريم للأبيض ولا للأسود، ولا لغيرهما إنه تكريم لبني آدم، ولهذا فإن منطق القرآن يريدنا أن نتفهم حقيقة وجوهر الإنسان بما هو إنسان متميز بخصائصه ووظائفه وأدواره، فليس لأحد أن يدعي أنه تكريم لليهودي، أو للمجوسي، أو للمسلم أو لغير هؤلاء ممن لا يدين بدين، ولا ينتمي إلى مذهب[3].

ذلك أن التكريم والتفضيل يساوي بين جميع الأفراد والذوات بالنظر إلى أصل الخلق المشترك وبالنظر إلى الخالق الواحد لجميع الذوات؛ فـ "خالق كل الكائنات البشرية إله واحد، فهي لذلك أشخاص متساوية فيما بينها، وليس الفرق بين الأشخاص فرقا نوعيا، كما عند أرسطو الذي يجعل من الأرقاء مجرد آلات حية مشيأة، إنه فرق كيفي فحسب. فهناك المؤمنون وغير المؤمنين (كافرون أو وثنيون أو مشركون). والرسالة إذ تخاطب المؤمنين وغير المؤمنين، دونما فرق، تعترف لهؤلاء وأولئك بتساو نوعي؛ إنها تعترف لكل واحد بقيمة نوعية بصفته شخصا في -ذاته- فليس هناك أنا وضيع وأنا رفيع، إنما ذوات متساوية أمام الله والمجتمع."[4]

إذن، فالكرامة الإلهية تخص بني آدم عامة، والأخذ بأسبابها موكول إلى الإنسان، فهو الذي يختار بين أن يكون كائنا مكرما منسجما مع أصل خلقته، وبين أن يتنزل إلى مستوى الحيوانية، فيرضى لنفسه العبودية للشهوات ويتخذ هواه إلها، قال تعالى: (لقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)[5].

والله تعالى خص الإنسان بالتفضيل حتى على الملائكة، بما ألهمه من مقومات يرتقي بها ويزكيها ويحرر بها نفسه يقول البوطي: "كما استدلوا على ذلك بما جهز الله به الإنسان من مقومات التكليف التي بها يستأهل الأجر والثواب على القيام بما كلفه الله به من واجبات، فقد كب الله فيه مختلف الشهوات والأهواء التي يستأهل بمقارعتها والتغلب عليها أجرا لا يستأهله الملائكة لعدم وجود شيء من هذه الشهوات والأهواء في تركيبهم الوجودي"[10]

قال صلى الله عليه وسلم: "يا أيُّها النَّاسُ ألا إنَّ ربَّكم واحدٌ وإنَّ أباكم واحدٌ ألا لا فضلَ لِعَربيٍّ على أعجميٍّ ولا لعَجميٍّ على عربِيٍّ ولا لِأحمرَ على أسودَ ولا لِأسودَ على أحمرَ إلاَّ بالتَّقوى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فليبلغ الشاهد الغائب"[13].

وفي سنن الترمذي: عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم فتح مكة، فقال: "يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم وخلق الله آدم من التراب."[14]

ولم يكن الموقف النبوي صادرا عن تصور نظري صرف، بل قد جسده عمليا وهو في موقف قوة ولا أدل على ذلك ما قد يتبين للدارس لسيرته عليه الصلاة والسلام، وخير مثال ما جاء في وثيقة المدينة، حين أقر الرسول صلى الله عليه وسلم لليهود دينهم وأسس العلاقة بهم على العدل لا الدين: "لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته"[15].

الإصلاح