الخميس, 22 آذار/مارس 2018 16:42

وجعلنا من الماء كل شيء حي

الماء من أعظم ما امتن الله به على عباده: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ﴾ [الواقعة: 68 - 70]. وقال تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴾ [عبس:24-32]، وهو أصل كل الكائنات التي أوجدها رب الأرض و السماوات يقول جل جلاله ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 30].

فالماء هو أول مكون للبيئة، وأهم عنصر في إيجاد الحياة، بدءًا من الكون برُمته إلى ما فيه من إنسان وحيوان ونبات، وجميع المخلوقات التي يُعتقد أن وجود هذا الماء كان سابقًا عليها. وهو كذلك أساس بقاء الحياة بالنسبة لمختلف الكائنات التي يتوقف استمرارها على ما يتوافر لها منه، للشرب والتطهر والسقي ؛ إضافة إلى استعماله في منافع أخرى كثيرة، كالطاقة وما إليها من الأغراض التي أدرك الإنسان أهمية الماء فيها، على امتداد مراحل الحضارة البشرية ؛ مع الإشارة إلى استعماله في الكهانة والسحر، وفي الاستشفاء من بعض الأمراض.

ومن ثم كان للماء في الرؤية الإسلامية موقع متميز، يلخصه القرآن الكريم في قوله عز وجل: "وجعلنا من الماء كل شيء حي" ؛ ويجليه مفصلاً وبشكل واضح من خلال حديثه عن ماء الإنسان المتمثل في "النطفة"، ثم الماء الذي ينزله سبحانه وتعالى "مبـاركـًا" من السماء، فيتوسل به الناس لإشباع شتى حاجاتهم وقضاء مختلف أغراضهم.

إن ذكر الماء في كتاب الله بمفرداته ومكوناته من البحار والأنهار والسحاب يدل على عظم أثره في حياة البشرية، وفي هذا السياق أورد الكتاب العزيز ذكر الماء في ثلاث وستين آية، إضافة إلى آيات أخرى كثيرة تحدث فيها عن البحار والسيول والطوفان، وعن المطر وكيفية إنزاله، وعن العيون والأنهار، وما يجري منها في الجنة مما ينعم به الداخلون إليها، حيث يشربون من مائها العذب الصافي، مقابل ما يشربه أهل النار من ماء حميم يقطع الأمعاء.

ولهذه المكانة التي للماء في الإسلام، فقد قامت حضارته وثيقة الارتباط به، إذ كان المسلمون - على غرار الذين سبقوهم في حضارات أخرى - ينشئون المدن ويقيمون العمران، قريبًا من الوديان ومنابع الماء، وحيث تكثر الآبار والعيون.

ومعروف أن الإسلام ربط بالماء كثيرًا من تكاليف العبادة، إذ جعل الطهارة شرطًا لأدائها، كالوضوء بالنسبة للصلاة لمن لم يكن على جنابة تقتضي إزالتها الغسل. ولا تتم هذه الطهارة إلاّ بالماء "الطبيعي" أو "المطلق" الذي يكون طاهرًا في نفسه ومطهرًا لغيره. أما الماء "المعتصر" أو "المضاف"، مما ينتج عن تقطير نباتات أو عصر فواكه، أو مما يكون ماء طبيعيًا ثم يضاف إلى شيء مما قطر أو عصر، فللمذاهب الفقهية فيه رأي يختلف جوازًا ومنعًا.

ولعناية الإسلام بالماء وما له من أثر في الحياة عامة، مع تزايد الحاجة إليه، فقد أمر بحسن استعماله والاقتصاد في هذا الاستعمال ؛ خاصة وقد جعل الله إنزاله من السماء يوازي هذه الحاجة ويستجيب لتلبيتها، إذ يقول تعالى: "وأنزلنا من السماء ماء بقدَر".

الماء عماد الحياة وهو الشيء الذي يعتبر أساسها ومن مقومات العيش على الأرض لكل الكائنات الحية، فلا نستطيع أن نتخيل الحياة بدون ماء، فبفضل الله تعالى ونعمه التي لا تحصى تنزل قطرات الماء من السماء إلى الأرض فتلتقطها الأرض بشوق وحب ولهفة لتهديها للإنسان وللبحار وللحيوانات والأنهار فهي الحبيب المنتظر الذي لا يقدرون على العيش بدونه.

هذا السائل المبارك هو أغلى ما تملك الإنسانية لاستمرار حياتها بإذن الله، أدرك ذلك الناس كلهم كبيرهم وصغيرهم عالمهم وجاهلهم، حاضرهم وباديهم، عرفوه في استعمالاتهم وتجاربهم وعلومهم، إن خف كان سحاباً، وإن ثقل كان غيثاً ثجاجاً، وإن سخن كان بخاراً، وإن برد كان ندى وثلجاً وبرداً. تجري به الجداول والأنهار، وتتفجر منه العيون والآبار، وتختزنه تجاويف الأرض والبحار: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ [الحجر:22] وقال تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ ﴾ [المؤمنون:18].

الإصلاح