الجمعة, 23 شباط/فبراير 2018 12:06

هدي الإسلام في التعامل مع الناس

الحمد لله قال و هو أصدق القائلين:" يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ  وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) "البقرة

*و الصلاة و السلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد  الذي أشاد الله تعالى بقيادته الحكيمة و حسن سياسته السليمة فخاطبه سبحانه بقوله:"  فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ ، وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ال عمران

و نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،قال عز من قائل:" وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ" (35) فصلت

ونشهد أن سيدنا و نبينا ومولانا محمدا عبد الله ورسوله  ومصطفاه من خلقه وخليله، القائل ناصحا لأمته:(  لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ) مسلمعن ابي هريرة . فصلى الله عليه وسلم من نبي أمين، ناصح حليم وعلى آله وصحابته، وعلى من حافظ على دينه وشريعته واستمسك بهديه وسنته إلى يوم الدين .

*أما بعد، من يطع الله ورسوله فقد رشد واهتدى، وسلك منهاجا قويما وسبيلا رشدا ومن يعص الله ورسوله فقد غوى  واعتدى، وحاد عن الطريق المشروع ولا يضر إلا نفسه ولا يضر أحدا، نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يطيعه ويطيع رسوله، حتى ينال من خير الدارين أمله وسؤله، فإنما نحن بالله وله،

عباد الله:  إن الله تعالى شاءت حكمته أن يجعل آدم على نبينا وعليه السلام أبا للبشر، وأن يجعل له نسلا وذرية يتكاثرون في الأرض وينتشرون، وأن تختلف ألسنتهم وألوانهم وطبائعهم وعاداتهم وأن يحتاج بعضهم إلى بعض في قضاء الحاجات وبلوغ المآرب والغايات، حكمة من الله بالغة وصدق سبحانه إذ يقول:" وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ (20) " الروم . وقال سبحانه:" وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ (22) الروم ، وأراد سبحانه أن يتم بين ذرية آدم التعارف والتواصل فقال" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات.

أيها المسلمون:  إن النجاح في عشرة الناس ومخالطتِهم والتوفيقَ في التواصل معهم وتحقيقَ التعارفَ الايجابيَ بينهم ليس أمرا يسيرا ولا عملا هينا، لتوقف ذلك كله على موهبة ربانية يهبها الله لمن شاء من عباده فيحسنُ من وُهبت له التعامل مع الناس، وهي المعبر عنها بالحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا من حرمها عاش متحيرا تعيسا، و حسن المعاملة مع الناس قد دعانا القرآن الكريم إليها في غير ما آية، والرسول النبي العظيم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قدم لنا المثال من سيرته وحسن خلقه الذي بلغ فيه منتهى الغاية حتى أثنى عليه ربه العليم بقوله" وإنك لعلى خلق عظيم" وبقوله عنه أنه "بالمؤمنين رؤوف رحيم" فوجب علينا أن نسلك سبيل الاقتداء به عليه الصلاة والسلام ونعمل على الاعتداء بهديه في معاملة الناس، فقد كان صلى الله عليه وسلم يخفض جناحه بالرحمة والحنان لمن اتبعه من المؤمنين، و كان يدعوا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، فلا يخاطب بما هو فوق عقول المخاطبين، ويُقنع المتساءلين بأصح الأدلة وأقوى البراهين، كما كان يباشر عقول الناس وقلوبهم بما يحرك عواطفهم النبيلة ويثير مشاعرهم الفطرية السليمة، بالتبشير تارة وبالإنذار تارة أخرى وهي الموعظة الحسنة التي تشتمل على الترغيب والترهيب والتحذير والتحبيب من غير إغلاظ في ذلك بالقول الكريه، ولا حدة أو قسوة في التوجيه، وكان إذا لقي أهل الكتاب الراغبين في معرفة الحق و طريق الصواب ألان منه الجناب وجادلهم باللطف ولين الخطاب، وحاورهم بالقول الواضح المبين، من غير استهزاء ولا سخرية  ولا تكبر على المتحاورين، وكان صلى الله عليه وسلم إذا نصح لم يفضح العصاة المذنبين ولم يشهر بالمسيئين الفهم والمخطئين، فلا يُسمِّيهم حفاظا على مشاعرهم وسترا لحالهم وإبقاءً لمنزلتهم في وسط الناس ومكانتهم    وإنما كان يقول:" ما بال أقوام يفعلون كذا أو يقولون كذا " وذلك أنه كان خلقه القرآن يهدي بهديه ويسير على شريعته ونهجه، و هكذا معاشر المؤمنين علينا أن نعلم أن معاملة الناس علم وفن له أسسه وضوابطه التي اهتم الإسلام بإرسائها منذ قرون قبل أن يدعيَ علماءُ الغرب ومفكروهم أنهم السباقون إليها فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا أن نسلم على من عرفنا وعلى من لم نعرف وجعل السلام على الناس سنة ورد السلام على المُسَلِّم  فريضة، وقال بأن خير الناس من يبدأ بالسلام وأن شرهم الذي لا يرد السلام وأنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام وجعل صلى الله عليه وسلم البشاشة والابتسام من المظاهر المطلوبة عند ملاقاة الناس التي لا ينبغي إهمالها في التعامل معهم  لأنها تعبير عن اللطف والاهتمام فقال صلى الله عليه وسلم" تبسمك في وجه أخيك صدقة" رواه الترمذي، وقال عليه الصلاة و السلام:" لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق" متفق عليه . كما دعا ديننا الحنيف في باب التعامل مع الناس و الاهتمام بهم إلى السعي إلى خدمتهم و مد يد المعونة والمساعدة لهم لكسب مودتهم قال صلى الله عليه وسلم" جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها" أبو نعيم في الحلية وابن حبان في روضة العقلاء، ورغب  صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال:" من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته" في الصحيحين، "و الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"رواه مسلم. 

ومن حسن المعاملة ومظاهر الاهتمام  بأهل الإسلام مشاركتهم في الأفراح ومواساتهم في الأتراح قال صلى الله عليه و سلم: " حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام و عيادة المريض، واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس" متفق عليه.

ومن الاهتمام بالناس وحسن معاملتهم حفظ أسمائهم عند النداء فالناس يحبون أسماءهم وكيف لا وقد ارتبطوا بها منذ ولادتهم لذلك نهانا عن التنابز بالألقاب وعن مناداة الناس بما يكرهون من الأسماء والصفات.  ومما يربط العلاقات الجيدة بين الناس الإغضاءُ عن عيوبهم وعدم تتبع سقطاتهم، والصفحُ عن زلاتهم ومقابلتها بالعفو والإحسان قال تعالى:" وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم" النور 21. وقال عز شأنه: " والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين" آل عمران 135و قال عز وجل:" ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور".

هذا ومما يديم المودة ويجلب القبول أيها المؤمنون تجنب القول البذيء وترك السباب والشتم فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك وحذر منه بقوله: سباب المسلم فسوق" وقوله:" إنما بعثت معلما ولم أبعث لعانا".

ومما هو ضروري في التعامل مع الناس استعمال الرفق و مجانبة العنف فقد قال صلى الله عليه وسلم:"إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله"، و قال:" إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه " بل قال صلى الله عليه وسلم محذرا:" من يحرم الرفق يحرم الخير كله" ومن ذلك عدم الإسراف في لوم الآخرين ومعاتبتهم خصوصا معاتبة الكبير للصغير أو الشاب فإن الله تعالى يقول لهؤلاء:" كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم" .

ومما هو داخل في فن التعامل مع الناس ويستجلب مودتهم الاستماع إلى الناصحين وإعطاء الفرصة للمتكلمين المشتكين فقد كان صلى الله عليه وسلم يصغي إلى الأمة من إماء المدينة تأخذ بيده فتنطلق به حيث شاءت من سكك المدينة فيسير معها ويتواضع لها حتى تفرغ من حديثها،

ومن ذلك تقدير الصنيع وعدم نكران الجميل والمعروف فقد قال صلى الله عليه و سلم:" من صنع أليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه" وفي الحديث:" من قال جازاك الله خيرا فقد أجزل العطاء" .

ومن ذلك ترك الخصام و الجدال قال صلى الله عليه و سلم:" ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا قوله تعالى" ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون" عباد الله اعلموا أن أحوج الناس إلى الالتزام بهذه التوجيهات الربانية والنبوية الزوج مع زوجته و ألآباء و الأمهات مع أبنائهم وبناتهن،  والجار مع جاره ، والأخ مع أخيه في النسب أو في الإيمان خصوصا من كان له أخوة في الله.  فاعقلوا عباد الله  هذه التوجيهات الربانية والتعاليم نبوية في حسن التعامل مع الناس واعملوا جهدكم لتأتمروا بها فإن أقرب الناس مجلسا من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أحسنهم خلقا الذين يألفون ويألفون.