الإثنين, 11 كانون1/ديسمبر 2017 15:47

فيلم "الأقصى يسكن الأقصى " لعبد الرحمان لعوان.. إبداع في زمن الإقصاء

فيلم " الأقصى يسكن الأقصى " يكسر الصمت

يعد فيلم "الأقصى يسكن الأقصى" لمخرجه المغربي عبد الرحمن لعوان ، من بين الأفلام المتميزة التي أرخت لعلاقة المغاربة بالقدس، وهو الأول لصاحبه، حاول وعلى مدى 62 دقيقة تتبع مسار المغاربة في علاقتهم الحميمية مع القضية الفلسطينية .وقد تناول بين ثناياه العلاقة التاريخية بين المغاربة ومدينة القدس السليبة ، ووقف على حي المغاربة الواقع والمجاور للمسجد الأقصى والذي هدمته سلطات الاغتصاب الصهيوني ، كما عرض للتواجد المغربي على أرض القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين ، ولفت النظر إلى مغاربة اختاروا الهجرة إلى هناك في معارك التحرير مع جيش صلاح الدين الأيوبي، وهذا ما أكده محمد صلابي في كتابه القيم عن صلاح الدين الأيوبي ، كما أبرز أملاك العائلات المغربية المهاجرة هناك ، ويؤكد الفيلم ارتباط المغاربة بالقضية الفلسطينية عبر التاريخ. والفيلم على النقيض من فيلم تنغير ــــ جيرزاليم لصاحبه هشكار، الذي عالج مغادرة اليهود المغاربة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة ، والعلاقة التي تربطهم بموطنهم الأصلي المغرب. وقد حاول أغلب الأفلام التطبيع مع الكيان الصهيوني، في تسويق مجاني لمشروع استيطاني عنصري وإقصائي

مسار مخرج :

كانت البدايات الأولى لعبد الرحمان لعوان منذ أن كان رائدا من رواد النخيل السينمائي بالراشيدية سنوات الثمانينات وبداية التسعينات ، وفي إطار جمعية "شباب وعلم" المهتمة بالأفلام العلمية في تنسيق مع بعض السفارات الأجنبية بالمغرب ، وكانت سنة 2008 منعطفا في مساره حيث اهتم بالتوضيب والتصوير  وحصل على شهادة الإخراج السينمائي من معهد cinécours بكندا والذي تزامن مع تأسيس شركة للإنتاج السمعي والبصري بمدينة الرشيدية (أسطرلاب) ، وساهمت في إخراج عدد من الأعمال الفنية وكان لها شرف إنتاج شريط "الأقصى يسكن الأقصى".

المغاربة ودعم صلاح الدين الأيوبي :

أبرز الفيلم بشكل متميز دور المغاربة المجاهدين المرابطين الذين وقفوا إلى جانب صلاح الدين الأيوبي في حربه ضد الصليبين، وكيف استقروا واستوطنوا بكثافة بجوار المسجد الأقصى إلى أن أصبحوا جزءا من سكان بيت المقدس. فتركوا بصماتهم الحضارية المتعددة والمتنوعة في القدس الشريف من خلال تدريسهم للعلوم وتوقيفهم للأراضي ، ودفاعهم عن ممتلكاتهم ، ووقوفهم في وجه الاحتلال ، وتربيتهم لأبنائهم ليبقوا مرتبطين بجذورهم وحبهم لأولى القبلتين وثالث الحرمين.

المغاربة والتضامن اللامشروط مع القضية الفلسطينية:

لا يختلف اثنان في حب المغاربة للأقصى والمسجد وكل شبر من فلسطين السليبة كبارا وصغارا ، نساء ورجالا ، أطفالا وشيوخا ، بل إن جلهم يعتبرها موطنه الثاني ، والفيلم جاء ليؤكد على روابط الأخوة والمحبة الدائمة بين الشعبين ، ويرتقي بآصرة العقيدة ويقدمها على غيرها من الأواصر. كما أنه أكد لمشاهديه أن التضامن مطلق وغير مشروط شعبيا ورسميا ، وناتج عن قناعات ترسخت عبر الزمن وحفرت في الذاكرة المغربية ، بحيث أصبحت القضية جزءا من الكيان الوطني.

سياق الفيلم والتنويه :

لقد أبرز لعوان عن سياق الفيلم وأهدافه ، فالشريط جاء جوابا على كيفية تأسيس العلاقة بين المغاربة والقدس الشريف ، والسر في دوامها واستمرارها إلى الآن ، وقد تعرض للتضييق ، لكنه خلف أصداء إيجابية حين عرضه في حفل تكريم المؤرخ ع الهادي التازي ، ونوهت به فعاليات مشهود لها بالكفاءة والموضوعية . وقد أثر في الشاعر الفلسطيني سليم النفار أيما تأثر عندما شاهده خلال عرضه بالمهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بخريبكة السنة الماضية ، إلى درجة أنه بكى ، وأصر على اصطحابه معه إلى غزة لعرضه على الإخوة الفلسطينيين هناك. بدأت فكرة الشريط تنضج عند مخرجه إبان الاعتداء الصهيوني الجبان على قطاع غزة. وبقدر ما اهتز العالم لهول الجرائم الصهيونية المرتكبة واستنكاره لها بالقول وبالمواقف، بقدر ما لفت انتباه العالم المسيرات المليونية النوعية التي خرج إبانها المغاربة بجميع تلاوينهم السياسية والإيديولوجية وفئاتهم الاجتماعية ، من شباب ونساء ورجال لنصرة إخوانهم بأرض فلسطين وتثبيت أقدامهم بالتأييد والدعاء والشعارات المؤازرة والمشجعة. هذه المسيرات الشعبية التي ازدانت بها كل مدن المغرب طرحت عند المخرج سؤالا مركزيا هو نواة فكرة الشريط وهو : ما هو السر في تأييد المغاربة غير المشروط لقضية فلسطين وجعلها قضية وطنية مركزية وهم الذين يعيشون في أبعد بلد عربي عن المسجد الأقصى المبارك؟! ما هو السر إذن في قوة هذا الارتباط؟! والجواب على هذا السؤال كان هو شريط "الأقصى يسكن الأقصى".

وقد كانت أول مشاركة في المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بخريبكة في نسخته الرابعة سنة 2012،  واختير الشريط مع 11 شريطا من أصل 72 شريطا قدم للجنة التحكيم، وحظي بتنويه من طرف اللجنة الدولية للمهرجان برئاسة المخرج التركي حلمي إيتيكان، وعضوية كل من الدكتور عبد الله أبو عوض وروان الضامن مخرجة إعلامية بقناة الجزيرة الإخبارية ، والدكتور عبد الله جودت رزق الله مستشار إعلامي ومؤسس لعدة قنوات فضائية.

فوائد الأفلام الوثائقية :

الاهتمام بالأفلام الوثائقية له مبرراته حيث يحفظ للأمة تاريخها وحضارتها ، وهو أقرب إلى الواقع من الخيال ، ويضيف إضافات نوعية على المشهد السينمائي المغربي ويغني خزانته . وقد شهد المغرب في السنوات الأخيرة زخما وغنى مقدرا منح الأفلام الوثائقية مساحة للوجود والتواجد والتعيير ، ولا أدل على ذلك من العدد المحترم  للمهرجانات المخصصة للأفلام الوثائقية بكل التراب الوطني ، كما أن المركز السينمائي التفت إلى الشريط الوثائقي واهتم به .

إن المهتمين بالفن السابع يدركون أهمية هذه الأفلام لاسيما في الدول المتقدمة ، وعلى دربها تحاول الدول النامية إثبات ذاتها وخوض غمار التجربة ، وركوب مخاطرها وتحدياتها . وقد تم تطوير المجال دراسة وبحثا ، وتطويرا صناعيا. وسيكون لهذا الصنف الفعل في المحافظة على هوية وحضارة الأمم ، والقدرة حسب تعبير المخرج على تربية وتنشئة المواطن

عبد الرحيم مفكير/عضو جمعية مغرب الفن