الأربعاء, 21 آذار/مارس 2018 15:48

فصل الربيع فرصة للتدبر في آيات الله

إننا نتقلب في نعم تترا، وبركات من المولى تتوالى، فبعد غيث الشتاء ورحمة الماء المنزل من السماء، اهتزت الأرض وربت وأخرجت من أصناف النبات، واخضرت وأمدت الخلق بالبركات (مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا) [البقرة:61].

كما ازدادت الأرض بهاء وجمالا، إذ ازدانت بألوان الزهر والورد وتزينت، إننا نعيش الربيع، إننا نعيش في عز ومنتصف فصل الربيع، وفصل الربيع آية من آيات الله تعالى.

إن آيات الله تعالى علامات ودلائل على وجوده وتفرده في الخلق والربوبية، وهي قسمان:

القسم الأول: آيات الكتاب المسطور، وهي آيات الله المتلوة، المقروءة، المكتوبة والمسطورة في كتابه الحكيم، يقول عز من قائل: (حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [فصلت:1-3].

القسم الثاني: آيات الكون المنظور، وهي كل ما يستدعي التدبر والتأمل في الكون, كالسماوات والأرض واختلاف ألسنة الناس واختلاف ألوانهم، وتعاقب الليل والنهار، وتعاقب الفصول، والرعد والرياح والمطر.

قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ) [الروم:22].

وقال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [فصلت:37].

آيات الله تعالى هي آيات الكتاب المسطور… وكلها للتدبر والتذكر. يقول الله تبارك وتعالى:

"كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ" [ص:29].

ومن آيات الكون المنظور التي تتطلب التوقف للتأمل والتدبر واستخلاص الدروس والعبر فصلكم هذا: فصل الربيع.

قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [فصلت:39].

" آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً"، خشوعها: قال ابن عاشور: هو التذلل، وَهُوَ مُسْتَعَارٌ لِحَالِ الْأَرْضِ إِذَا كَانَتْ مُقْحِطَةً لَا نَبَاتَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ حَالَهَا فِي تِلْكَ الْخَصَاصَةِ كَحَالِ الْمُتَذَلِّلِ، وَهَذَا مِنْ تَشْبِيهِ الْمَحْسُوسِ بِالْمَعْقُولِ. اهـ.

إن فصل الربيع نعمة من نعم الله تعالى، وآية من آياته تتطلب التوقف والتدبر والتأمل، وكل تفكر لأجل الله بكتابه المسطور، أو عجائب كونه المنظور، للوصول إلى حقيقة الإيمان، وسكينة اليقين، والرقي في درجات العبودية، هو عبادة.

ومن عبر فصل الربيع أن هذا الكون يسير وفق قواعد دقيقة من خالق واحد عليم، على كل شيء قدير.

سأل الْأَصْمَعِيّ أعرابيا: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: الْبَعْرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ، وَآثَارُ الْأَقْدَامِ يَدُلُّ عَلَى الْمَسِيرِ، فَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، وَأَرْضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ، أَلَا تَدُلُّ عَلَى اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ؟.

كم أن فصل الربيع يدل على البعث، البعث من عالم الغيب، ونحن أمرنا أن نؤمن بالغيب، وقد جلّاه الحق جل وعلا بمثال من عالم الشهادة، فالأرض التي ظلت هامدة خاشعة لما أنزل الله عليها ماء من السماء أنبتت من كل زوج بهيج.

عن أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: "أَمَا مَرَرْتَ بِوَادٍ لَكَ مَحْلًا ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا؟ ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ مَحلًا ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا؟" قَالَ: بَلَى. قَالَ: "فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى، وَذَلِكَ آَيَتُهُ فِي خَلْقِهِ" رواه الحاكم في المستدرك.

بيّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدة الفاصلة بين النفختين, النفخة الأولى التي تنتهي بها الحياة على الأرض يوم القيامة، والنفخة الثانية نفخة البعث، كما في قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) [الزمر:68].

كما بيّن للصحابيّ الجليل أبي رزين العقيلي الذي كانت أغلب رواياته مساءلات أن الله تعالى سيحيي الموتى كما يحيي الأرض بعد موتها، وفي ذلك يقول المولى سبحانه وتعالى: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) [ق:7-11].

ويقول: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) [الزخرف:11].

ويقول: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) [الروم:19].

فالإسلام العظيم فينظر إلى الربيع على أنه بستان آخر للطاعة عن طريق التدبر والتأمل والتفكر في حقيقة البعث، وتوحيد الخالق اللطيف العليم الخبير.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الشتاء ربيع المؤمن" رواه أحمد. وإذا كان الشتاء ربيع المؤمن؛ لكون ليله طويلا للقيام ونهاره قصيرا للصيام، فالربيع محراب المؤمن لعبادة الله بالتدبر والتأمل والشكر.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إذا دخلت البساتين فأطل تأملها، فإن فيها جلاء للبصر، وارتياحا للهمّ والفكرة، وتكرمة للطبائع، وتسكينا للصداع".

في هذا الكلام الحث على الترويح عن النفس، والتمتع بالنظر، والتأمل في البساتين وما تخرجه الأرض من ألوان النبات.

وإن الترويح عن النفس في الإسلام أمر مشروع، ومما يؤكده حديث حنظلة الأسيدي، قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْي عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا.

فَانْطلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- :"وَمَا ذَاكَ؟"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ، تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْي عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنْكم لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. رواه مسلم.

وفي الأثر قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: "أَجِمُّوا هَذِهِ الْقُلُوبَ، وَاطْلُبُوا لَهَا طُرَفَ الْحِكْمَةِ؛ فَإِنَّهَا تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الْأَبْدَانُ".

إن الترويح في الإسلام له ضوابط وشروط، وهو وسيلة وليس غاية، ومن أهم ضوابطه وشروطه ألّا يشتمل على مخالفة شرعية، كالاجتماع على محرم من الأكل والشرب والقول، وألّا يكون فيه ضرر للبيئة والخلق؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- :"لا ضرر ولا ضرار"، وألا يشتمل على اختلاط.

منقول (بتصرف)