الثلاثاء, 05 حزيران/يونيو 2018 14:55

رمضان شهر الإنتصارات.. (5) فتح مكة

شهر رمضان المبارك هو شهر الخير والبركات، شهر الجهاد والانتصارات والفتوحات، شهر تجلت فيه الملاحم والبطولات الإسلامية في أبهى صورها على أيدي رجال المسلمين أبطال اتّبعوا نبيهم اتباعًا كاملاً وأحبوه، رجال صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه، نصروا دين الله تعالى وطبقوا شرعه الحنيف فنصرهم الله وأيدهم بجُندٍ من عنده وأعزّهم، رجال أبطال مجاهدين كانوا يخافون الله عزّ وجلّ ويُطيعونه فإذا أشرقت شمس الصباح كانوا أسودًا فرسانًا يصومون ويصلون ويتقون الله عز وجل حقّ تقاته وإذا ما جنّ عليهم الليل كان لهم دويّ بقراءة القرءان كدويّ النحل فنصرهم الله سبحانه وتعالى على أعدائهم وأعزَّهم في دنياهم.

وإنَّ المتتبع للانتصارات العظيمة التي أحرزها هؤلاء المسلمون الأبطال في الماضي يجد أن كثيرًا منها ما كان في شهر رمضان المبارك شهر الخير والبركات؛ فغزوة بدر الكبرى كانت في شهر رمضان قال الله تعالى :{ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلّة فاتقوا الله لعلكم تشكرون}، والفتح العظيم فتح مكة كان في شهر رمضان، قال الله تعالى :{إنَّا فتحنا لك فتحًا مبينًا}، وفتح الأندلس على يد القائد العظيم المظفّر "طارق ابن زياد" كان في رمضان، ومعركة عين جالوت التي قضى فيها المسلمون على الزحف التتاريّ البغيض وانكسار الروم في تبوك كل ذلك كان في شهر رمضان المبارك شهر الجهاد والفتوحات والبركات شهر الخير والبركات ومن أبرز هذه الملاحم فتح مكة.

في العشرين من شهر رمضان المبارك في السنة الثامنة للهجرة كان فتح مكة، وكان عدد جيش المسلمين الفاتح عشرة آلاف مقاتل، يقودهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.

• سببها:

أنَّ قريشًا نقضتْ ما كان بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية، وقد كان في بنود الصُّلح: أنه مَن أحَبَّ أن يدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده فليدخل فيه، ومَن أحبَّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه، فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده.

وحدث أن اقتتلتْ بكر مع خزاعة واعتدَتْ عليها، فساعدت قريش سرًّا بني بَكر بالسلاح؛ كما قاتل رجال من قريش ليلًا مع بني بكر؛ وعليه، فقد نقضوا الصُّلحَ بهذا العمل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث لا يَحِق لهم أن يفعلوا ذلك، فانطلق بديل بن ورقاء مع نفر من خزاعة حتى قَدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه بما أُصيبوا منهم، وبمساعدة قريش لبني بكر، ثمَّ عادوا.

قدوم أبي سفيان للمدينة:

وقَدِم أبو سفيان إلى المدينة ليَستطلِع الخبرَ، وليُصحِّح خطأ قريش ويُوثِّق صُلْح الحديبية ويَزيد في مدته، فكلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يَرُد عليه، وذهب إلى أبي بكر ليُكلِّم له رسول الله، فقال أبو بكر: ما أنا بفاعل، وقابله عمر بأشد مما قابله أبو بكر، وذهب إلى عليٍّ فكلَّمه أن يشفع له عند رسول الله، فقال له علي: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمرٍ ما نستطيع أن نُكلِّمه فيه، ثَمَّ وجد أبو سفيان أنَّه غير مرغوب فيه بالمدينة، فخاف على نفسه، وانطلق عائدًا إلى مكة خائبًا.

رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالاستعداد:

وتَجهَّز رسول الله صلى الله عليه وسلم للغزْو، وأمر المسلمين بذلك دون أن يُحدِّد لهم وِجهةَ سيره، ثمَّ أخبر الناس بعد ذلك بأنه ذاهب إلى مكَّة، وقال: ((اللهمَّ خذ العيون والأخبار عن قريش؛ حتى نبغتها في بلادها))، وأرسل حاطبُ بن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش يُخبِرهم بالذي أجمَع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطاه امرأةً، وجعل لها أجرًا على إيصاله، فوضعَته في رأسها، ثمَّ فتلت عليه شعرها وخرجت به، وأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الخبرُ من السماء بما فعله حاطِب، فبعث عليَّ بن أبي طالب والزبير وقال لهما: ((أدرِكا امرأة قد كَتَب معها حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى قريش يُحذِّرهم ما أجمعنا عليه في أمرهم))، فخرجا فأدركاها واستخرجا منها الكتابَ، واستدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبًا فقال: ((يا حاطب، ما حملك على هذا؟!))، فقال حاطب: يا رسولَ الله، إنِّي لمؤمن بالله ورسوله، ما غيَّرتُ وما بدَّلتُ، ولكن كنتُ امرأ ليس لي في القوم من أصل ولا عَشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقَه؛ فإنَّ الرجلَ قد نافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وما يدريك يا عمر، لعلَّ الله قد اطَّلَع على أصحاب بدر يومَ بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم)).

وخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لعشر مضين من رمضان، فصام وصام معه الناس حتى إذا كان بالكَديد[1] أفطر، ثمَّ مضى حنى نزل في مرِّ الظهران قريبًا من مكة.

أبو سفيان يستطلع حول مكة:

وخرج أبو سفيان في نفر يَستطلِع حول مكَّة، فقد كان به هاجس لا ينام ورأى نيرانًا كثيرة، فاقترب فلقيه العبَّاس وأخبره بأنَّ هذا جيش المسلمين، فخاف أبو سفيان، ثمَّ إن العباس أجاره وأردفه وراءه على بَغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل به إلى النَّبي، ثمَّ أسلم أبو سفيان في الصباح، وشهِد استعراضَ النبي صلى الله عليه وسلم لجيشه، فقال أبو سفيان: لا طاقة لقريش به، فأسرع إلى مكَّة، وأخبرهم بذلك وقال لهم: مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمِن، ومن دخل المسجد فهو آمِن، ومَن أغلق عليه بابَه فهو آمن، ووزَّع النبيُّ صلى الله عليه وسلم الجيشَ ليَدخُل مكَّة من أربعة مداخل، وعلى رأس كلِّ جيش قائد، وهم: الزبير بن العوام، وأبو عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، وسعد بن عبادة، وشهِد جيش خالد قتالًا مع المشركين، فقَتَل منهم ما بين اثني عشر رجلًا وثلاثة عشر، ثمَّ انهزموا.

وفيها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل أُناسٍ من المشركين وأهدر دمَهم ولو تعلَّقوا بأستار الكعبة، فقد آذَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.

ولما اطمأنَّ الناس بمكَّة خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وطاف بالبيت سبعًا على راحلته، ثمَّ حطَّم الأصنامَ ومسح صورًا داخل الكعبة وطهَّرها من رجس الشرك.

الإصلاح