السبت, 21 تشرين1/أكتوير 2017 14:56

خطورة زواج القاصرات عليهن وعلى المجتمع

الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد "خاتم الانبياء وز المرسلين و نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدا عبد الله ورسوله فصلى الله عليه وسلم من نبي أمين، ناصح حليم، وعلى آله وصحابته  و التابعين، وعلى من حافظ على دينه وشريعته واستمسك بهديه و سنته إلى يوم الدين

أما بعد ، من يطع الله ورسوله فقد رشد واهتدى، وسلك  منهاجا قويما وسبيلا رشدا ومن يعص الله ورسوله فقد غوى واعتدى، وحاد عن الطريق المشروع ولا يضر إلا نفسه ولا يضر أحدا، نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يطيعه ويطيع رسوله، حتى ينال من خير الدارين أمله وسؤله، فإنما نحن بالله وله .

عباد الله : نخصص حديثنا اليوم لموضوع اجتماعي مثير، وخطب كبير خطير، خصوصا في وقت تعالت الأصوات في مختلف المنتديات، عبر مختلف وسائل  النشر والبث والإعلام والاتصالات، متحدثة ومستنكرة  ظاهرة آخذة في التوسع والانتشار، وهي ظاهرة تعرض النساء خصوصا الفتيات وخصوصا منهن القاصرات لشتى أنواع العنف المتعدد الأشكال : كتشغيل البنات في سن مبكر، وكزواج القاصرات، والعنف الجنسي،  والعنف الجسدي واللفظي، والاغتصاب والتحرش الجنسي، بشكل يثير القلق داخل المجتمع المغربي كما هو الشأن في العديد من المجتمعات التي تعاني من هذه الآفات، موجهة أصابع الاتهام إلى القانون الذي يعرف تقصيرا في تأطير و محاصرة هذه الظواهر المخربة للمجتمع و المثيرة الانتقاد علينا من المجتمع الدولي، ثم موجهة أصابع الاتهام أيضا إلى أهل العلم من الفقهاء  والخطباء الذين من واجبهم الأمر بالمعروف والنهي المنكر، ومن واجبهم توعية الناس وتعريفهم بموقف الشرع الإسلامي الحنيف من هذه الأنماط السلوكية المرفوضة دينيا وأخلاقيا وتوضيح ما يلتبس على الأفهام في أذهان كثير من الناس خصوصا عندما يظنون وهم يمارسون بعض ما ذكرنا من الانتهاكات أنهم لم يخرجوا عن تعاليم الدين بل في نظرهم من ينكر عليهم هو من خرج عن تعاليم الدين.

إذن كما سمعتم من هذا التقديم أن الأمر المثير و الخطير ليسا هينا ويستحق أن نخصص له خطبا عديدة و ليس خطبة واحدة لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله أو جله لهذا سنخصص الحديث اليوم عن موقف الشرع من زواج القاصرات، فقد تحول زواج القاصرات إلى ظاهرة تثير القلق في المجتمع المغربي، بالنظر إلى النتائج الاجتماعية الخطيرة التي يخلفها هذا النوع من الزواج، فالإحصائيات الرسمية منذ سنوات و هي تذكر أن عدد القاصرات اللواتي يتم تزويجهن رغما عنهن يفوق31 ألف كل سنة، رغم كل الترسانة القانونية التي تسعى إلى محاصرة هذا النوع من الزواج و تضييق الخناق عليه إلا في حالات جد خاصة مع توظيف سلطة القاضي الشرعي التقديرية للسماح به،

فما هي الأسباب التي تدفع الآباء إلى تزويج بناتهم في سن صغيرة جدا ؟

ينبغي أولا أن نعرف أن هذه الظاهرة تنتشر في القرى أكثر منها في المدن، وهنا يمكن القول إن الأمر يرتبط بالدرجة الأولى بالثقافة والتقاليد أكثر من ارتباطه بالدين، لأن الفتاة عندما تكون منقطعة عن الدراسة وليس لها هدف في الحياة، تكون محط أنظار الجميع وخاصة والديها الذين يفضلون تزويجها للتخلص من العار، الذي يمكن أن يلحق بالأسرة إذا ما استمرت الفتاة بالعيش داخلها، لأنها بالنسبة إليهم تمثل خطرا على شرف العائلة. ومن جهة أخرى تعتبر الأسر المغربية أن الزواج هو رزق من عند الله لا يجب أن يضيع برفضه، كما أن ضعف الإمكانيات والفقر الذي تعيشه الأسر المغربية من بين الأسباب التي تدفع الآباء للتخلص من بناتهم بتزويجهن، ففي البادية نجد الأسر تلد الكثير من الأطفال الذين لا يستطيعون توفير مصاريفهم ومتطلباتهم، فعندما يأتي أحدهم لطلب الزواج من إحدى البنات لا يتردد الأب في الموافقة للتخلص من عبئها ومصاريفها. هذا فيما يتعلق بالأسر التي تزوج بناتها في سن صغيرة، أما فيما يتعلق بالأسر التي تزوج أبناءها فهناك أسباب أخرى من بينها أن بعض الأمهات يعملن على تزويج أبنائهن، من أجل جلب من تساعدهن على القيام بأعمال البيت، لأن المرأة في البادية تقوم بالكثير من الأعمال الشاقة وعندما تفكر بتزويج ابنها يكون همها الأول هو جلب من تساعدها وتخفف عنها أعبائها، والسبب الثاني يتجلى في رغبة الأم في الحفاظ على مال ابنها وصحته وتحصينه بدل تلبية رغباته الجنسية خارج الإطار الشرعي ويكون اختيار زوجة صغيرة السن من أجل السيطرة عليها من طرف أم الزوج التي تقوم بتربيتها على الطريقة التي تريدها، ولا تترك لها مجالا للتعبير عن رغباتها، لكن هذا يتم دون عمل أي حساب للمآسي والانعكاسات الاجتماعية التي تنتج عن زواج القاصرات، فقد تبين من الدراسات الواقعية أن هناك عددا كبيرا من الأمهات العازبات كن من الفتيات اللواتي تم تزويجهن وهن في سن صغيرة جدا بدون عقد، وفي حال حدوث مشاكل في الزواج قد تقرر والدة الزوج طرد الفتاة وهي حامل، وعندما يولد الطفل ذكرا كان أو أنثى لا يتم الاعتراف به من طرف الزوج وبذلك يصبح لها نفس وضع الأمهات العازبات، لأن الطفل في هذه الحالة يعيش حياته وهو مجهول الهوية، إلا في حالات نادرة يقوم فيها والدها بتسجيله في دفتر الحالة المدنية الخاص به، فيصبح الطفل شرعيا من الناحية الدينية، لكن من الناحية الاجتماعية والقانونية ينظر له على أنه مجرد لقيط. هذا دون أن ننسى أن هناك مشاكل كثيرة أخرى فالبنت عندما تتزوج وهي صغيرة يمارس عليها الكثير من العنف الجنسي والجسدي والنفسي من طرف الزوج، في وقت مازالت فيه في حاجة لحضن والدتها ودفء وحنان أسرتها.كما أن هناك فتيات يتزوجن ويطلقن وهن قاصرات لذلك لا يمكننا الحديث عن زواج و طلاق، بل عن استغلال جنسي  و استغلال عائلي في أعمال البيت ثم بعد ذلك يرمون بهن في الشارع، وهكذا عندما تفقد الفتاة القدرة على تحمل الوضع تهرب من بيت الزوج، وتعود لبيت عائلتها وتجد نفسها غير مرغوب فيها ببيت الأسرة، فتضطر للبحث عن أي عمل، لتجد نفسها ونفسيتها مازالت مهزوزة تعمل كخادمة أو نادلة في مقهى أو عاملة في مصنع أو متشردة في الشوارع منبوذة من المجتمع، فينتج عن ذلك فقدانها لكرامتها وثقتها بنفسها واحترامها لنفسها، وينتج عن ذلك أن تسلم نفسها لأي كان لتجد نوعا من التوازن في العلاقة العاطفية التي كانت تغيب في علاقتها بزوجها وأسرتها

ولهذا نجد من يطرح هذا التساؤل :هل يمكن اعتبار تزويج القاصرات بمثابة تفاعل مع ما أنتجه التراث الإسلامي حول الجنس في الإسلام؟ لأن هناك ممن ينسبون أنفسهم للفقه يبيحون زواج القاصرة بل حتى من هي دون البلوغ و العياذ بالله.

الحقيقة أيها المؤمنون أن زواج القاصرات في المغرب هو نتيجة تقاليد وثقافات أكثر منه نتيجة ديانة، لأنه كانت هناك تقاليد قبل وجود الإسلام في المغرب، ولا أرى أن هناك تأثيرا كبيرا للدين بقدر ما هو تأثير للتقاليد المحلية، انما من جهة أخرى لا نقدر أن ننفي أن يكون تأثير للدين بصفة غير مباشرة من خلال بعض من يُنسبون إلى الفقه يحثون الناس على تزويج بناتهم في سن صغيرة للحفاظ على شرف الأسرة من خلال الفتاوى التي يصدرونها بشكل عشوائي، مع أنه ليس هناك فكر سليم و لاعقل راشد يمكن أن يتقبل تزويج البنت في سن الطفولة في سن التمدرس واللعب والحاجة الى حضن الاسرة، وهنا يكمن دورنا بصفتنا نخاطب عموم الأمة في توعية الآباء وتحسيسهم بعواقب ما يقدمون عليه، و ننادي بأن أي رجل ثبت أنه زوج ابنته في سن غير قانونية أو شخص تزوج من قاصر يجب أن يعاقب، و أن علينا وجوبا إعادة النظر في التقاليد والثقافة وكل ما يشجع هذه الظاهرة و يحتال بشكل او بآخر على الحصول على الترخيص بتزويج القاصرات،

عباد الله اعلموا أنه يجب أن يراعى عند طرح هذه القضية أن حكمها مما يتغير بتغير الأعراف وأحوال الناس وأن ما كان سائغا في زمان قد يكون منكرا في غيره، وعليه فلا يجوز إقحام الدين وجعله سيفا مسلطا على أفعال الناس وعاداتهم في مثل هذه القضية و إلا اعتبر متاجرة به. نعم نحن لا نقول أن اجدادنا الذين كانوا يزوجون القاصرات او يتزوجون الصغيرات كانوا يفعلون الحرام و لكن نقول إن الزمان تغير و الظروف تغيرت وبالتبعية فالفتوى ينبغي ان تتغير، إذ يجب أن يفهم أن الإسلام ليس دينا يدفن رأسه كالنعامة في الرمال كما أنه لا يتنكر لتراثه وتاريخه ولكنه يضعهما في موضعهما ويعتبر لهما اعتباراتهما.

الخطبة الثانية

الحمد لله على نواله و إفضاله، والصلاة  والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد النبي الأمي، الصادق الزكي، وعلى آله ، وعلى جميع من تعلق بأذياله ، ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وبعد :

 أيها المؤمنون هناك أمور ثلاثة ينبغي توضيحها :

أولا : علينا أن نعلم أن هناك مبادئ خاصة بزواج القاصرات: فقد اتفق الفقهاء على أن  الزواج مطلقًا من حيث مشروعيته جائز ومشروع بالكتاب و السنة و الإجماع فمن الكتاب قول الله- عز وجل- : {فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ} [النساء:3].وقوله - سبحانه وتعالى-  { وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } [النور: 32] . ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: {يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج }رواه البخاري . وأجمع المسلمون على أن النكاح مشروع، وهو سنة من سنن المرسلين، شُرِعَ من عهد آدم عليه السلام إلى خاتم النبيين - صلى الله عليه وسلم-,قال-تعالى-{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً}.) 2ثانيا: إن هناك فرق بين الزواج كعقد والزواج كدخول. فالزواج كعقد: لا يجوز للرجل أن يعاشر هذه الصغيرة التي عقد عليها حتى تبلغ وتستطيع تحمل تبعات هذه العلاقة. والزواج كدخول :أي الدخول بالزوجة ومعاشرتها معاشرة الأزواج وتحملها تبعات هذا الزواج ويعبر عنه أيضا بلفظ البناء. وبالتالي فإن الفقهاء كانوا أسبق في عملية تنظيم التعامل مع الصغيرة فبينما كانت الأمم تزوج الصغيرة وتمكن منها زوجها يفعل بها ما يشاء جعل الفقهاء الاستطاعة شرطَ التمكين فلا يجوز لرجل أن يدخل بصغيرة ما لم تكن تستطيع تحمل تبعات هذه العلاقة الزوجية. يقول الامام ابن عابدين الحنفي – رحمه الله - : }وَقَدْ صَرَّحُوا عِنْدَنَا بِأَنَّ الزَّوْجَةَ إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تُطِيقُ الْوَطْءَ لَا تُسَلَّمُ إلَى الزَّوْجِ حَتَّى تُطِيقَ{. حاشية ابن عابدين (3/ 204). وقال شهاب الدين الرملي الشافعي -رحمه الله- في نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج:}فَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً – أي الزوجة - لَا تَحْتَمِلُ الْوَطْءَ لَا يَجِبُ تَسْلِيمُهُ -التمكن منها- حَتَّى تُطِيقَهُ { نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (7/ 203) ومما استدلوا به من الكتاب والسنة .

ثانيا : قوله تعالى } وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ {(النساء : 6). أن المقصود من قوله:-  عز وجل- } بَلَغُواْ النِّكَاحَ{ أي بلغ كل من الزوج و الزوجة الصلاحية للزواج، وتحمل مسؤولياته وتبعاته، كما ذهبوا إلى أن البلوغ كما يكون بالعلامات الطبيعية، فكذلك يكون بالسن وفقا لظروف البيئة والعرف.

ثانيًّا : قوله صلى الله عليه وسلم:}لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ , وَكَيْفَ إذْنُهَا ؟ قَالَ : أَنْ تَسْكُت} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. دل الحديث على أنه لا بد من أخذ إذن البنت البكر عند الزواج، وهذا يتطلب أن تكون بالغة راشدة، حتى يتسنى أخذ إذنها ومشورتها، وهو ما لا ينطبق على من لم تبلغ خمس عشرة سنة.

ثالثا: لولي الأمر تقييد المباح: .فعملاً بالقاعدة الفقهية: "تَصَرُّفُ الإمام على الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ"؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:}كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ{متفق عليه. يعني أن لولي الأمر سلطة سن قوانين يمنع الناس فيها مما كان مباحا لهم في وقت سابق ولنا في صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأسوة الحسنة فها هو عمر بن الخطاب يمنع من رجوع الرجل لامرأته إذا طلقها ثلاثا في مجلس واحد رغم أنه كان من الجائز أن يعود إليها في السابق وذلك حفاظا منه على مصلحة الرعية إذ رأى كثرة تلاعب الناس بالطلاق فأراد أن يؤدبهم وأن يحافظ على كيان المرأة والأسرة فلا يتلاعب الرجل بطلاق زوجته كلما عنّ له، وكذلك فإنه أسقط حدا من حدود الله تعالى عام المجاعة اعتبارا لأحوال الناس ومصالحهم ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك. وبالتالي  فلا ينبغي مخالفة أمر ولي الأمر ما دام يصب في مصلحة الناس، وأنه له الحق في اتخاذ ما يراه من إجراءات تصلح شأن الرعية، وتشريع ما هو أدعى لحفظ المصلحة العامة، بشرط ألا يتعارض ذلك مع نص صريح في الكتاب أو السنة، إذن يحق له إصدار قانون بتحديد سن معينة للزواج، متضمنا عدم تزويج الصغيرات؛ لانعدام المصلحة في زواجهن وهن قاصرات غالبًا, بل قد يترتب على زواج القاصرات أضرار في حقهن, وأخطار في حق المجتمع فكان تدخل ولي الأمر مطلوبًا باعتبار تصرفه منوطًا بتحقيق مصلحة الرعية.

ذ. سعيد منقار بنيس