الثلاثاء, 19 حزيران/يونيو 2018 13:19

حالنا بعد رمضان

تمنينا جميعًا الفوز بكنوز رمضان وسعى كل منا للاجتهاد قدر طاقته وظروفه، وخرجنا من رمضان وبعضنا يشعر بالتقصير البالغ والبعض الآخر يحس بالرضا عن النفس، وليتنا نتذكر المقولة الصادقة رُبّ طاعة أدت إلى اغترار، ورُبّ معصية أدت إلى انكسار..

إذا تولَّى ربيعُ الطبيعة، خلَّف وراءَه في الأرض الخصْبَ والنماء، والخضرةَ والنضارة والأنداء، والأنسامَ اللطيفة، فيرتع في خَيْره الإنسانُ والحيوان سائرَ العام كُلِّه، لقد كان رمضان بحق ربيعًا وواحة خضراء، وحديقة غنَّاء، يتمتَّع فيها الصائم بملذَّات الحس، ومسرَّات النفس، وكان ذخيرةً للنفوس المؤمنة، تتزوَّد فيها بوقود الطاعة، وتتغذى بزاد التقوى زادًا يقويها ويبلغها بقيةَ العام، حتى يعودَ إليها.

يقول الله - تعالى -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [فصلت: 30]، هكذا يكونُ المسلِمُ مستمرًّا مداومًا متابعًا، لا يَروغُ روغانَ الثعالب.

يسارع معظمنا بعد رمضان إلى إعادة ترتيب أوراقه الدنيوية التي قد تكون تعرضت لبعض الخلل؛ بسبب ظروف الصيام وتدريجيًّا تنسحب الطاقات الروحانية من قلوبنا ومن عقولنا، وتخفت أنوار رمضان وتتلاشى بداخلنا؛ لنكون بذلك مثل من قام بشحذ معظم طاقاته لتكوين ثروة وبعد نجاحه في ذلك إذا به لا يسعى لا للاستفادة منها ولا لزيادتها، ويسمح بتسربها من بين يديه وهو غافل عنها.

مراقبة النفس:

لا نتوقع بالطبع أن نتحول إلى ملائكة تسعى على الأرض بعد رمضان، فسنظل بشرًا نخطئ ونصيب، ونضع نصب أعيننا الحديث الشريف "كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون"، ونبتهل إلى العزيز الحكيم أن نعمل بالآية الكريمة "وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ".

وحتى لا تتراكم الأخطاء علينا فتأكل الرصيد الرائع الذي حصلنا عليه من رمضان لا بد لنا من وقفة أسبوعية تكون بمثابة استراحة محارب نجلس فيها مع أنفسنا، بعيدًا عن أية مؤثرات دنيوية، ونختلي فيها مع ذواتنا بكل الاحترام لطبيعتنا البشرية، وأيضًا مع عظيم الرغبة في السمو بها، وأن نكون جميعًا من الذين إذا أساءوا استغفروا وإذا أحسنوا استبشروا.

ننمي في أنفسنا طاقات مجاهدة النفس، ونتذكر أننا كما تحملنا مشقة الصيام؛ لأننا ندرك تمامًا عظمة الثواب والأجر الديني فإننا نستطيع مجاهدة النفس والانتصار على منافذ كل من الشيطان اللعين والنفس الأمارة بالسوء؛ حتى نفوز بخيري الدين والدنيا معًا..

وقد يتبادر إلى الذهن أننا نقصد بهذه المراجعة الأسبوعية زيادة الحصص من العبادات والأذكار وما شابه ذلك، والحقيقة أن الأمر لا يجب أن يقتصر على أولئك فقط، وإنما يتسع ليشمل كل ما فيه خير دنيوي لنا ولمن حولنا ولأمتنا الإسلامية ككل..

ولنتذكر الحديث الشريف الذي أخبرنا فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم.. أن قضاء حاجة لأخينا المسلم أفضل من اعتكاف شهر في مسجده صلوات الله وسلامه عليه.

لقد ختمْنا شهرَ الصيامِ والقيامِ والدعاء، والسؤالُ الذي يستأهلُ التوقفَ والتأمُّل: هلْ قُبِلَ مِنَّا ذلك؟ إنَّ التاجرَ إذا دخلَ موسِمًا أو صفقةً تجاريةً، فإنَّه بعدَ انتهاء الموسمِ والصفقةِ يُصفِّي حساباتِهِ ومعاملاتِهِ، ويقلِّبُ كَفيهِ وينظرُ مبلغَ ربحِهِ وخسارتِهِ، ينظرُ هلْ رَبِحَ أمْ خَسِر؟ هلْ غَنِمَ أم غَرِم؟ هذا الاهتمامُ البالغُ نراه في تجارةِ الدُّنيا وعَرَضِهَا الزائلِ.

لقد كان الشَّهرُ الراحلُ ميدانًا لتنافُسِ الصالحين بأعمالهم، ومجالاً لتسابُقِ المحسنين بإحسانهم، وعاملاً لتزكية النفوس وتهذيبها وتربيتها، لكن بعض الناس ما أن خرجوا من رمضان إلى شوَّال حتى خرجوا من الواحة إلى الصحراء، ومن الهداية إلى التِّيه، ومِن السعادة إلى الشقاوة؛ لذا كان الناس بعدَ رمضان على أقسام، أبرزها صِنفان، هما جِدُّ مختلفَيْن:

صِنف تراه في رمضان مجتهدًا في الطاعة، فلا تقع عيناك عليه إلاَّ ساجدًا أو قائمًا، أو تاليًا للقرآن أو باكيًا، حتى ليكاد يُذكِّرك ببعض عُبَّاد السلف، وحتى إنَّك لتشفق عليه من شِدَّة اجتهاده وعبادته ونشاطه.

وما أن ينقضيَ الشهرُ حتى يعودَ إلى التفريط والمعاصي، فبعدَ أن عاش شهرًا كاملاً مع الإيمان والقرآن وسائر القُربات، يعود إلى الوراء مُنتكسًا أو مرتدًّا - والعياذ بالله - وهؤلاء هم عبادُ المواسم، لا يَعرفون الله إلاَّ عند المواسم، أو عندَ نزول النِّقم بساحتهم، فإذا ذهبتِ المواسم أو زالت النقم، وحُلَّتِ الضوائق، ذهبتِ الطاعة مُولِّيةً، ألاَ فبِئسَ قومٌ هذا دِيدنهم".

لا للغفلة:

نتوقف عند الجملة الرائعة التي كنا نقولها أثناء الصيام "اللهم إني صائم"، حيث نكظم غيظنا ونمنع أنفسنا من التصرف السيئ ضد أي استفزازات لا تخلو منها الحياة اليومية، ونذكر أنفسنا أن رب رمضان هو رب باقي السنة، وأن علينا التمسك بالسعي لتحسين أخلاقنا قدر الاستطاعة طوال العام حتى نستقبل رمضان القادم بمشيئة العزيز الحكيم ونحن أفضل حالاً، وألا نبدد رصيدنا الأخلاقي الذي حصلنا عليه ونبدأ من رمضان القادم مفلسين..

وكما اغتنمنا أيام رمضان في الصيام ولياليه في القيام وشعرنا بقيمة الوقت علينا أن نتذكر قيمة العمر طوال السنة فلا نبدد يومًا واحدًا دون أن يكون لدينا إضافة في الدين والدنيا، ونتذكر قول الإمام علي كرم الله وجهه: "من تشابه يوماه فهو مغبون، ومن كان أمسه أفضل من يومه فهو ملعون"..

ومن منا لم يشعر بالحاجة إلى المأكل أو المشرب أثناء الصيام وكان بوسعه أن يفعل ذلك بعيدًا عن أعين الناس، ولكنه لم يفكر في ذلك خشية العزيز الحكيم؛ ولأنه يثق في أنه عز وجل يراه وإن تخفى عن الناس.

مما يدفعنا للتساؤل: ولماذا لا نحتفظ بهذا الشعور الرائع بمعية الله لنا دائمًا، فلا نعصاه ولا نجعله أبدًا أهون الناظرين إلينا، فنختبئ من الناس لنفعل ما نكره أن يروه ونؤذي أنفسنا بالغفلة، وتناسي أن العزيز الحكيم يرانا.. ما أحوجنا جميعًا إلى تدبر الآية الكريمة "وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَه"، والابتهال إلى العزيز الحكيم بكل قوانا وطاقاتنا الروحانية والنفسية والذهنية والعاطفية أن يلهمنا القوة على أن نعيش كما يحب ويرضى، وأن نتجنب كل ما يغضبه، وأن نجد المتعة الخالصة في رضاه عز وجل.

لقد كانَ السَّلفُ الصالح - رحمهم الله - حينما ينتهي رمضانُ يُصيبهم الهمُّ، ولِسانُ حالِهِم لسانُ الوَجِلِ الخائفِ أَنْ يُرَدَّ: هلْ تُقبِّلَ منَّا؟ فهمْ كما وصفَهم الله بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ [المؤمنون: 60 - 61]، يعملونَ الأعمالَ، ويخافونَ أنْ تردَّ عليهم، قالت عائشة - رضي الله عنها -: يا رسولَ اللهِ، ﴿ الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ هو الذي يسرِقُ ويَزنِي، ويَشربُ الخمر، وهوَ يَخافُ الله - عزَّ وجلَّ؟ قال: ((لا يا ابنةَ الصِّدِّيقِ، ولكنَّهم الذينَ يُصلُّون ويصومونَ ويتصدَّقون، وهمْ يخافونَ أَلاَّ يُتقبَّلَ منهم))؛ رواه أحمد والترمذي.

أولئكَ الذينَ يعبدونَ اللهَ شهرًا، ويهجرونَ العبادةَ أشهرًا، أو يعبدونَ اللهَ في مكان، ثُمْ يَقلِبونَ العبادَةَ إلى معصيةٍ في مكانٍ آخرَ، أو يعبدونَ الله مع قومٍ، وإذا رَحلوا معَ قومٍ آخرين، أو خَالطوا أقوامًا آخرين، تركوا العبادة، بلِ المسلمُ يعبدُ ربَّه في رمضانَ وفي سائرِ الشُّهور، وفي مكَّة وفي بلادِ الإسلامِ وغيرِها، ومعَ المسلمينَ، ومعَ غيرِهم، فرَبُّ الأزمنةِ واحدٌ، وربُّ الأمكنةِ واحدٌ، وربُّ الأقوامِ واحدٌ.

الإصلاح