الجمعة, 09 آذار/مارس 2018 11:32

ثقافة الاستشارة تواضع وحضارة

الحمد لله العَزِيزِ العَلِيمِ، فَاضَلَ بَيْنَ خَلْقِهِ فِي مَرَاتِبِ العِلْمِ وَالتَّعْـلِيمِ، وَتَفَرَّدَ هُوَ بِكَمَالِ الجَلاَلِ وَالتَّكْرِيمِ، القَائِلِ سُبْحَانَهُ: "وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ"(يوسف 76).

والصلاة و السلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد أَمَرَهُ رَبُّهُ بِمَشُورَةِ أَصْحَابِهِ، وَالأَخْذِ بِمَا وَافَقَ هَدْيَ كِتَابِهِ،فقال عز شأنه: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) آل عمران 

وَأَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ العَظِيمُ، وصف فِي الذِّكْرِ الحَكِيمِ عباده المؤمنين بأنهم يعملون فيما بينهم بِالاستِشَارَةِ وَسُؤَالِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ فقال سبحانه: وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38) الشورى

وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، القائل-صلى الله عليه وسلم : (المستشير مُعان، والمستشار مؤتمن، فإذا استشير أحدكم فليشر بما هو صانع لنفسه) فصلى الله عليه و سلم من نبي أمين، ناصح حليم  وعلى آله وصحابته، وعلى من حافظ على دينه و شريعته واستمسك بهديه وسنته إلى يوم الدين .

أما بعد، من يطع الله ورسوله فقد رشد و اهتدى، و سلك منهاجا قويما  وسبيلا رشدا ومن يعص الله ورسوله فقد غوى  واعتدى، وحاد عن الطريق المشروع ولا يضر إلا نفسه ولا يضر أحدا، نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يطيعه ويطيع رسوله، حتى ينال من خير الدارين أمله    و سؤله، فإنما نحن بالله و له،

عباد الله لا يخفى عليكم أن عصرنا هذا قَدْ أَبَانَ عَنْ عُلُومٍ كَثِيرَةٍ لاَ يُستَغْنَى عَنْهَا فِي الحَيَاةِ، لأنها أَضْحَتْ ضَرُوراتٍ لِقِوَامِ أُمُورِ النَّاسِ، فَلاَ يُمْـكِنُ لِلإِنْسَانِ بِمُفْرَدِهِ أَنْ يُحِيطَ بِهَا عِلْمًا وَفَهْمًا، فَكَانَ التَّخَصُّصُ في كل مجال وكان لكل مجال مُتَخَصِّصُونَ فيه، ففِي القَانُونِ وَفِي الطِّبِّ وَفِي الهَنْدَسَةِ عُلَماءُ وَفِي تَقْنِيَةِ المَعْـلُومَاتِ وَفِي الفَلَكِ عُلَمَاءُ ، وَفي النَّفْسِ وَالاجتِمَاعِ، وَالسِّيَاسَةِ وَالاقْتِصَادِ عُلَمَاءُ، وَ في الشُّؤُونِ الفِكْرِيَّةِ وَالعَسْـكَرِيَّةِ، وَغَيْرِهَا مِنَ المَجَالاَتِ الكَثِيرَةِ علماء، فَعَلَى المسلم أَنْ يَكُونَ متربيا في مَنْهَج حَيَاتِهِ على قَاعِدَة رَئِيسَة هُي اللُّجُوءُ إِلَى استشارة المُتَخَصِّصِينَ فِي أَيِّ مَجَالٍ يَحْـتَاجُ إِلَيْهِ، وَأَلاَّ يَكُونَ عَشْوَائيًّا فِي أُمُورِهِ، مُتَخَبِّطًا فِي أَحْوَالِهِ، لاَ يَدْرِي مَا يَأْتِي وَمَا يَذَرُ، يَعِيشُ فِي عَتَمَةٍ وَالعَالَمُ مِنْ حَوْلِهِ مُضِيءٌ، وإنَّ عصْرًا كَثُرَتْ فِيهِ التَّخَصُّصَاتُ وَتَبَايَنَتْ فِيهِ العُلُومُ تَبَايُنًا كَبِيرًا لَيَستَدْعِي مِنَ المُسْـلِمِ أَنْ يَعِيَ حَقِيقَةً فِي غَايَةِ الأَهَمِّيَّةِ، وَهِيَ أن عليه أَنْ يَسْـأَلَ وَيَستَشِيرَ أَهْـلَ كُلِّ مَجَالٍ فِي مَجَالِهِ، وَبِالمُقَابِلِ عَلَى العَالِمِ المتخصص في مجال معين أَلاَّ يَقْتَحِمَ مَا لَيْسَ مِنَ اختِصَاصِهِ.

وفي زماننا تعددت أنواع الاستشارات حسب المجال فهناك الاستشارات الفقهية وهناك الاستشارات القانونية وهناك الاستشارات في الأحوال الشخصية والزوجية وهناك الاستشارات العائلية وهناك الاستشارات النفسية والطبية وهناك الاستشارات المهنية وهناك الاستشارات المالية وهناك الاستشارات الإدارية وهناك الاستشارات السياسية و الحربية وهناك  وهناك فالقائمة طويلة. فَالإِسْلاَمُ يَحْـتَرِمُ العِلْمَ وَيُقَدِّرُ العلماء ويقدر لأَهْلِ الاختِصَاصِ اختِصَاصَهُمْ الذِي هُمُ الأَعْـلَمُ بِهِ وَالأَعْرَفُ بِتَفَاصِيلِهِ،

وَلَكِنْ وَلِلأَسَفِ نجد بَعْض النَّاسِ بل أحيانا الكثير يَقْصِدُون غَيْرَ المُتَخَصِّصِينَ؛ فَيَسأَلُونَ فِي الفِقْهِ غير الفقيه عَنِ الحَلاَلِ وَالحَرَامِ، وَيَسأَلُونَ في الطب غير الطبيب عَنْ عِلاَجِ كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرَاضِ، ويسألون ويسألون لكن يتركون التوجه لأهل الخبرة والاختصاص الأَمْرُ الذِي يَزِيدُ القَضَايَا تَعْـقِيدًا، فكم من حقوق ضاعت في ساحات المحاكم، وكم من الناس أهدروا أعمارهم في السجون بسبب خطأ واحد كان يمكن تداركه لو أنهم قاموا باستشارة أهل الخبرة والاختصاص قبل الإقدام على أي عمل أيا كان نوعه فالقوانين أصبحت تتدخل في كافة مناحي الحياة وما من مسلك إلا ويحكمه قانون أو أكثر.

وَهُنَا يَقَعُ اللَّوْمُ عَلَى المُجِيبِ والسَّائِلِ، فَالأَوَّلُ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ وَبَيِّنَةٍ، وَبِلاَ هُدًى وَلاَ رَشَادٍ، وَالآخَرُ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى غَيْرِ ذِي الاختِصَاصِ وَعَمِلَ بِمَشُورَة غير متخصص، وَيَتَحَمَّـلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِصَّـتَهُ مِنَ المَسْؤُولِيَّةِ الدِّينِيَّةِ وَالقَانُونِيَّةِ وَالأَدَبِيَّةِ، أَلَمْ يَنْهَ سُبْحَانَهُ عَنْ هذا السلوك حِينَ قَالَ: "وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً"(الاسراء 36)، أَلَمْ يُحَذِّرِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم  مِنْ ذَلِكَ حِينَ قَالَ: (مَنْ فَسَّرَ رُؤْيَا أَو أَفْتَى مَسْأَلَةً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ كَمَنْ خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَصَادَفَ بِئْرًا لاَ قَعْرَ لَهَا وَلَوْ أَنَّهُ أَصَابَ الحَقَّ)( مسند الربيع بن حبيب).

 أَيُّها المُؤمِنونَ : لَقَدْ ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ أَمثِلَةً مِنَ الذِّينَ أَخَذُوا بِمَبْدَأِ الشُّورَى مَعَ أَقْوَامِهِمْ؛ فَهَذِهِ مَلِكَةُ سَبَأٍ استَشَارَتْ قَوْمَهَا فِي قَضِيَّـتِها مَعَ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ-، فَقَالَتْ لَهُمْ: " يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ"(النمل)، وهذا مَلِكُ مِصْرَ أَخَذَ رَأْيَ قَوْمِهِ فِي رُؤْيَا رَآهَا فَقَالَ:" يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ" (يوسف32)، كَمَا أَخَذَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم-  بِالشُّورَى حتَّى قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-  لأَصْحَابِهِ)(الترمذي في سننه)، نعم أيها المؤمنون لقد كَانَ- عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ- يَلْجَأُ إِلَى المُتَخَصِّصِينَ وَيَأْخُذُ بِآرَائِهِمْ، فَفِي مَعْرَكَةِ الأَحْزَابِ أَشَارَ سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ عليه بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ المُشْرِكُونَ قَالُوا: (وَاللهِ إِنَّ هَذَهِ لَمَكِيدَةٌ مَا كَانَتِ العَرَبُ تَكِيدُهَا) ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-  بِرَأْيِ الخُبَرَاءِ بِأُمُورِ الحَرْبِ وَهُوَ أَكْمَلُ النَّاسِ عَقْلاً، فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ نَصْرًا، فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-  فَكَيْـفَ بِبَقِيَّةِ النَّاسِ؟ لاَ شَكَّ أَنَّ الأَمْرَ فِي حَقِّهِمْ أَكْثَرُ تَأْكِيدًا، وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ وَاصِفًا المُؤْمِنِينَ:(وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى)، وَيَقُولُ سبحانه مخاطبا رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم : (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (آل عمران 159)، وَيَقُولُ سبحانه لعموم المسلمين: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النحل 43)، فَالاستِشَارَةُ وَالسُّؤَالُ عَنِ المَجْهُولِ فِي الشَّأْنِ العَامِّ وَالخَاصِّ مَطْلَبٌ أَسَاسِيٌّ، وَضَرُورَةٌ دِينِيَّةٌ وَدُنْيَوِيَّةٌ، عَلَى المُسْـلِمِ أَنْ يَكُونَ أَولَى النَّاسِ لُجُوءًا إِلَيْهَا، عَنْ طَرِيقِ الأُمَنَاءِ الصَّالِحِينَ مِنَ المُتَخَصِّصِينَ، وَبِذَلِكَ يَسْعَدُ المُسْـلِمُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَيَبْـتَعِدُ عَنِ التَّخَبُّطِ وَالعَشْوَائِيَّةِ، وَعَنْ سُوءِ التَّخْطِيطِ وَالإِدَارَةِ لأَيِّ شَيءٍ، فَالاستِبْدَادُ بِالرَّأْيِ وَالتَّكبُّرُ عَنْ أَخْذِ الحَقِّ وَالصَّوَابِ هُمَا صِفَةُ العُتَاةِ الطَّواغِيتِ، وَالاستِشَارَةُ هِيَ حِلْيَةُ الرَّأْيِ وَزِينَتُهُ، تَزِيدُ الرَّأْيَ جَوْدَةً حَيْثُ يَشْتَرِكُ جَمْعٌ مِنَ النَّاسِ فِي صِنَاعَتِهِ فَيَنْشَطُونُ لِتَنْفِيذِهِ،

وهناك نقطة مهمة غابت عنا، أن القائد إذا استشار،( نأخذ مثلاً مدير مدرسة، مدير مستشفى، مدير مؤسسة، رب أسرة، رب عمل، تاجر،) لو استشار من حوله ما الذي يحدث غير تطييب قلوبهم وغير التقوِّي برأيهم وغير أن تعلي مكانهم؟ ففي استشارتهم هدف تربوي كبير وهو أنك حينما تستشير مَن حولك تتعرف على عقولهم، وعلى وجهات نظرهم، تعرف صاحب العقل الراجح من صاحب العقل المحدود، تعرف بعيد النظر من قاصر النظر، تعرف المخلص من غير المخلص، أنت حينما تستشير تمتحِن من دون أن يدري هؤلاء أنك تمتحنهم. 

ولهذا قال العلماء: المشورة أن تستخلص حلاوةَ الرأي وخالصَهُ من خبايا الصدور، كما يشور العسل جانيه، كأنك تأخذ العسل من الخلية، أنت حينما تستشير مؤمناً صادقاً خبيراً كأنما تأخذ العسل من صدره، تأخذ الرأي السديد. وفي بعض الآثار: " نقِّحوا عقولكم بالمذاكرة واستعينوا على أموركم بالمشاورة "، أي أن أجمل جلسة هي مذاكرة العلم، عليك قضية، خذ رأي الآخرين، اسألهم عن دليلهم، عن حجَّتهم، وازن بين رأيك ورأيهم، نقَّحت عقلك بالمذاكرة، واستعينوا على أموركم بالمشاورة، لكن ليس لك حق أن تستشير أي إنسان، فاعرف مَنْ تستشير يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ- أَنَّهُ قَالَ: (الاستِشَارَةُ عَيْنُ الهِدَايَةِ، وَقَدْ خَاطَرَ مَنِ استَغْنَى بِرَأْيِهِ)، وَالإِنْسَانُ مَهْمَا بَلَغَ مِنْ غَزَارَةِ العِلْمِ وَوَفْرَةِ العَقْلِ يَظَلُّ قَاصِرًا أَنْ يُحِيطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا، أَو يَسْـتَوعِبَ طَبَائِعَ الأَشْيَاءِ فَهْمًا، فَالاستِشَارَةُ تَوَاضُعٌ؛ إِذْ هِيَ اعتِرَافٌ بِهَذَا القُصُورِ، وَهِيَ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ فَضِيلَةٌ وخُلُقٌ عَظِيمٌ وَنَبِيلٌ، يَزِيدُ مِنْ قَدْرِ المَرْءِ وَلاَ يَنْقُصُهُ، وَيَزِينُهُ وَلاَ يَشِينُهُ

أَيُّهَا المُسْـلِمُونَ : إِنَّ الاستِشَارَةَ طَلَبًا لِلرَّأْيِ مِنْ أَهْـلِهِ ثَقَافَةٌ لَهَا أُصُولُهَا وَجُذُورُهَا فِي الفِكْرِ الإِسْلاَمِيِّ، وَلَكِنَّ المُتَأَمِّـلَ فِي الوَاقِعِ يَرَى بَعْضَ النَّاسِ يَقَعُونَ فِي أَخْطَاءٍ لِعَدَمِ سُؤَالِهِمْ، وَاستِبْدَادِهِمْ بِرَأْيِهِمْ، وَمَا ضَرَّ هَؤُلاَءِ لَوْ سَأَلُوا المُتَخَصِّصِينَ عَمَّا فَاتَهُمْ عِلْمُهُ، سَيَكُونُونَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ وَأَهْدَى سَبِيلاً، وَكَمْ مِنَ المَعْـلُومَاتِ وَالقَنَاعَاتِ الدِّينِّيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ يَتَنَاقَلُها النَّاسُ عَلَى أَنَّهَا حَقَائِقُ ثَابِتَةٌ، وَلَكِنْ بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى الرَّاسِخِينَ مِنَ العُلَمَاءِ بَانَ مَا بِهَا مِنْ خَطَأٍ، فَاستَبَانَ السَّبِيلُ الوَاضِحُ وعُلِمَتِ الحَقَائِقُ، وَبَطَلَ مَا كَانَ عَالِقًا فِي الأَذْهَانِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ صَوَابًا، وَقَدْ يَتَّخِذُ الإِنْسَانُ رَأْيًا مِنْ غَيْرِ استِشَارَةٍ بِدَعْوَى أَنَّ المَوْضُوعَ ذُو خُصُوصِيَّةٍ شَخْصِيَّةٍ، وَلاَ يُحِبُّ أَنْ يُطْلِعَ الآخَرِينَ عَلَى خُصُوصِيَّاتِهِ، أَلاَ فَلْتَعْـلَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-  قَدْ شَاوَرَ فِي مَسْـأَلَةٍ مِنْ أَكْثَرِ المَسَائِلِ خُصُوصِيَّةً، فَعِنْدَمَا شَاعَ حَدِيثُ الإِفْكِ فِي السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- شَاوَرَ -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ- أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وعَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ -، وَكِلاَهُمَا قَالَ خَيْرًا، هَكَذَا يُعَلِّمُنَا -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ- كَيْفَ يَجِبُ عَلَيْنَا إِشْرَاكُ الإِخْوَانِ المُخْلِصِينَ وَالعَارِفِينَ بِأَحْوَالِنَا فِي مُشْكِلاَتِنَا وَقَضَايَانَا، وَعَدَمُ الاستِبْدَادِ بِالرَّأْيِ مَهْمَا كَانَ خَاصًّا، فَالإِنْسَانُ ضَعِيفٌ بِنَفْسِهِ، قَوِيٌّ بِإِخْوَانِهِ.

سعيد منقار بنيس