أجرى موقع "الإصلاح" لقاء خاصا مع الأستاذ عبد الرحيم شيخي؛ رئيس حركة التوحيد والإصلاح، في حوار مفصل في موضوع "حركة التوحيد والإصلاح في ظل دينامية المجتمع المغربي"، نشر على القناة والموقع أمس الخميس.

وتناول اللقاء الخاص عددا من المحاور أبرزها الدخول الدعوي للحركة والاستعدادات الجارية لتنظيم المؤتمر الوطني السادس المزمع تنظيمه في شهر غشت من السنة المقبلة 2018، بالإضافة إلى تفاعل الحركة مع محيطها الوطني وعلاقة الحركة بشريكها الاستراتيجي في العمل السياسي.

الدخول الدعوي للحركة

واستهل الحوار المفصل بمميزات الدخول الدعوي لهذه السنة باعتبارها السنة الأخيرة للمرحلة الدعوية 2014-2018، ورهانات الجمع العام الوطني السادس وإقدام الحركة على مراجعة بعض وثائقها التأسيسية بالتحديد ميثاق الحركة والرؤية السياسية، حيث يعود الميثاق لسبب زمني بالنظر للمتغيرات التي حدثت منذ إصداره، في مقابل الرؤية السياسية التي ركز رئيس الحركة فيها على إبراز الحاجات التي تبرر وتجيز هذه المراجعة، مع إشراك القواعد في هذه المراجعة، وسبب وجود رؤية سياسية للحركة رغم أنها حركة تربوية دعوية.

اهتمام الحركة بالشباب

كما تطرق الأستاذ عبد الرحيم شيخي في الحوار إلى اهتمام حركة التوحيد والإصلاح بالشباب، خصوصا بعد إلحاق مجموعة من الطاقات الشبابية للمكتب التنفيذي كأعلى هيئة قيادية في الحركة ورمزية ودلالة هذا المنحى الذي سلكته الحركة في الاهتمام بالشباب.

إقحام التوحيد والإصلاح في نقاش الولاية الثالثة

وفي محور علاقة الحركة بشريكها الاستراتيجي نفى رئيس التوحيد والإصلاح أي إسهام للحركة في النقاش الدائر حول الولاية الثالثة بالحزب وتوجيهها لهذا الخلاف وأن آراء أعضاء الحركة بالحزب وغير الأعضاء ملزم لهم فقط ولمواقف الحركة رئيسها وبلاغاتها، وأنها ليس لها أي دور في الخلاف الدائر في الحزب، حيث أن التمايز بين الحركة والحزب يمارس حقيقة، والتصريحات التي تأتي من هنا وهناك لبعض قيادات الحركة لا تلزم الحركة.  كم نفى ما يروج في الإعلام وبعض مواقع التواصل الاجتماعي بأن الحركة لها خيار ثالث والمحاولة الحثيثة لإقحام الحركة في هذا الموضوع.

دينامية الإصلاح والمسار الديمقراطي في البلاد

وأدلى رئيس الحركة برأيه في دينامية الإصلاح في المغرب والمسار الديمقراطي عموما، كما ركز على المسألة التعليمية التي تعد من هذه القضايا التي أصدر المكتب التنفيذي فيها بلاغات وبيانات، وتوقف عند تفاعل ما وقع مؤخرا من اعتداء على بعض الأساتذة الذي استنكره الجميع بما فيها حركة التوحيد والإصلاح، ودور الحركة في المسألة التعليمية عموما.

ارتفاع وتيرة التطبيع بالمغرب في الآونة الأخيرة

وفي ملف التطبيع، تطرق رئيس الحركة إلى رأي الحركة كفاعل مدني في المجتمع في ارتفاع وتيرة موجة التطبيع التي عرفها المغرب في الآونة الأخيرة والتي أصبحت تتنامى وتتزايد وتتصاعد في الرياضة والفن والسياسة وفي كثير من القضايا التي أصبحت تطرح علامات استفهام أين يذهب المغرب في هذا الاتجاه.

 مؤتمر إسطنبول لعلماء المسلمين

كما استعرض شيخي أبرز ما تطرق إليه المؤتمر العالمي لعلماء المسلمين بتركيا، السياق الذي جاءت فيه هذه الدعوة في هذا النشاط العلمي الذي شارك فيه الأسبوع الماضي.

تأهل المغرب لكأس العالم

وتفاعل رئيس الحركة مع الإنجاز الذي حققه المنتخب الوطني في تأهله لإقصائيات كأس العالم روسيا 2018 والفرحة التي عبر عنها المجتمع المغربي لهذا الإنجاز الذي كان ينتظره المغاربة لسنوات.

رسالة إلى أعضاء الحركة ومتعاطفيها وعموم المواطنين

وفي نهاية الحوار وجه الأستاذ عبد الرحيم شيخي إلى أعضاء ومتعاطفي الحركة على ضرورة القيام بالواجب أولا وعدم التفريط في الأخلاق والأداب والقيم وتدبير الخلافات في فضائها المناسب. وإلى جميع المواطنين بإمكانية التعرف والتفاعل والانخراط في أنشطة الحركة التربوية والدعوية المفتوحة لوجه العموم سواء من خلال موقع الإصلاح أو من خلال فروع الحركة في جميع المدن المغربية.

الإصلاح

 

من المنتظر أن يجري "موقع الإصلاح" حواراً مفصلا مع الأستاذ عبد الرحيم شيخي؛ رئيس حركة التوحيد والإصلاح، حول مستجدات الحركة وعدد من القضايا وتفاعلها مع محيطها الداخلي والخارجي.

ومن المرتقب أن ينشر الحوار كاملا على "قناة الإصلاح".

الإصلاح

دعا أحمد عبادي؛ الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، إلى ضرورة التصدي للتطرف العنيف عبر العمل الجماعي المشترك وإبداع خطابات ووسائل بديلة لدحض خطابات الجماعات المتطرفة.

وجاءت دعوة الأمين العام للرابطة في مداخلة له يوم الإثنين 13 نونبر 2017م، بالرباط، خلال افتتاح أشغال مؤتمر تبادل الحلول حول "تحويل التطرف العنيف في المغرب العربي ومنطقة الساحل"، الذي تنظمه "منظمة البحث عن أرضية مشتركة" بتعاون مع "الرابطة المحمدية للعلماء" و"شبكة عمل المجتمع المدني الدولي".

كما دعا عبادي أيضا إلى إنتاج خطابات بديلة تراعي مختلف الأفهام والأذواق المجتمعية، بداية من الطفولة مرورا بفئة الشباب والقادة المجتمعيين المحتاجين لبناء القدرات وتأهيلهم للعب أدوارهم كاملة، وصولا إلى علماء الأمة الذين يتوجب عليهم الاضطلاع بأدوارهم كاملة من خلال إلمامهم بمستجدات العصر، وتقنيات التواصل الجديدة لاستخدامها للتصدي لخطابات الكراهية والعنف والاقصاء".

وأوضح الأمين العام للرابطة أن الحديث عن محاربة ظاهرة التطرف العنيف يستلزم رؤية وتقنيات وميكانيزمات يتم دمجها ضمن استراتيجية شمولية تأخذ بعين الاعتبار مختلف الجوانب التربوية، الأمنية، الثقافية، الإعلامية، الاقتصادية، والدينية من أجل القضاء على الظاهرة".

الإصلاح

أعلن ثلة من الباحثين عن تأسيس مركز "محمد المختار السوسي للدراسات والأبحاث ونشر التراث"، بغية جمع وصيانة تراث العلامة محمد المختار السوسي، وطبع ونشر تراثه المخطوط، وإعادة طبع ونشر ما نفذ من مؤلفاته المطبوعة مع مراعاة ذوي الحقوق (ورثته).

وفي هذا الصدد، انتخب عبد الوافي رضى الله بن محمد المختار السوسي، في جمع عام تأسيسي عقد نهاية الأسبوع المنصرم بالرباط، رئيسا للمركز، الذي يهدف أيضا إلى "إنشاء خزانة وأرشيف يوثقان المادة التاريخية المجمعة والمحققة ذات الصلة بتاريخ المغرب والمنطقة الجنوبية تضم الإنتاج الثقافي المغربي عامة، والسوسي على الخصوص".

ويهدف المركز، من خلال أعماله إلى " الإسهام في ترسيخ مبادئ الهوية المغربية ودعم مقومات الثقافة الوطنية المغربية"، إضافة إلى "تفعيل العمل الأدبي   والثقافي والعلمي المغربي، وتنشيطه على المستوى المحلي والوطني والدولي".

المصدر: بيجيدي.ما

أعلنت مديرية التعليم العتيق وبرنامج محو الأمية بالمساجد عن فتح باب الترشيح للدورة السادسة عشرة لجائزة محمد السادس للكتاتيب القرآنية برسم سنة 2017/1439، وذلك خلال الفترة الممتدة من  07 نونبر 2017 إلى غاية 20 يناير 2018.

وتتضمن الجائزة ثلاثة أصناف تبلغ القيمة المالية لكل صنف خمسون ألف درهم، حيث يخصص الصنف الأول لأفضل تسيير للكتاتيب القرآنية والصنف الثاني لمنهجية التلقين والصنف الثالث على المردودية.

وتمنح جائزة محمد السادس على التسيير؛ حسب بلاغ مديرية التعليم العتيق وبرنامج محو الأمية بالمساجد، للأشخاص الذين طبقوا نظما وأساليب تمكن من تطوير إدارة الكتاتيب القرآنية والمحافظة في نفس الوقت على خصوصياتها باعتبارها مؤسسات للتعليم العتيق.

كما تمنح جائزة محمد السادس على منهجية التلقين للأشخاص الذين أبدعوا مناهج وأدوات ووسائل تربوية جديدة وفاعلة في تلقين كتاب الله العزيز بالكتاتيب القرآنية وتحسين قدرة الأطفال على حفظ القرآن الكريم.

فيما تمنح جائزة محمد السادس على المردودية للكتاتيب القرآنية التي تثبت قيامها بتلقين القرآن الكريم لأكبر عدد من الأطفال في وقت قياسي، وتثبيت القيم الإسلامية وتنمية الوعي الديني لديهم، وخلق بيئة إسلامية نموذجية داخل الكتاب القرآني.

الإصلاح

الإثنين, 13 تشرين2/نوفمبر 2017 17:18

صحيح البخاري وبؤس الطاعنين

(النقد الحجاجي للأسس النظرية لمسالك الطعن في الحديث)

  1. مسلك الطعن المتفرق
  2. مسلك الطعن المنظم
  3. مسلك الطعن الأهوج
  4. مسلك الطعن الناعم

بقلم: محمد السائح

تختلف مسالك الطاعنين في الحديث النبوي، وخصوصا في أصح كتبه، وهو "صحيح البخاري"، لكنهم يصدرون من شبهة واحدة، وهي أن بعض الحديث الصحيح، يناقض العقل أو القرءان أو الواقع. وما منهم إلا وقد أفصح عن هذه الشبهة، وذكر أنه بدأ يبحث في هذا الموضوع، حينما فاجأته بعض النصوص الحديثية الصحيحة، بمعاني لم يتحملها عقله.

وجل هؤلاء الطاعنين، يلبس لباس النصيحة للدين، ويعيد ويكرر أن منطلقه في البحث، هو حماية السنة من الدخيل عليها، وتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم مما ينسب إليه. ويرتّب على هذه النصيحة نتيجة خطيرة جدا، وهي ضرورة مراجعة الفقه الإسلامي كله، لأنه مبني في كثير من تفصيلاته على الحديث، بل ومراجعة جملة من المقررات المعرفية والعقدية الإسلامية. بل ويتذرع بعضهم عن طريق إنكار المرويات، إلى التلذذ بذكر ما يعتبرونه طعنا في النبي صلى الله عليه وسلم،مستمتعين بسب المحدثين وتسفيههم،ومتهمين إياهم بقلة العقل ورقة الدين.

مقدمة لا بد منها: العقل المفصول:

وأحب أن أقول، قبل مناقشة هذه المسالك في الطعن، أن ما أحس به هؤلاء الطاعنون عند التعرف على أحاديث صحيحة مشكلة في الفهم، من حيرة وتعارض، ليس خاصا بهم فقط، بل أحس بذلك غير الطاعنين أيضا، لكنهم لم يطعنوا، فما السر في ذلك؟

هل يكون السبب هو قوة عقول الطاعنين وضعفها عند غيرهم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يعني أن قوة العقل تقاس باكتشاف التعارض فقط، فيكونغير الطاعن إذن، أحد شخصين: إما عاجز عن إدراك التعارض، وإما مدرك له ولكنه ساكت عنه على مضض. والافتراض الثاني باطل - أي سكوته على مضض- لأن واقع غير الطاعنين، شاهد بأنهم لم يسكتوا عنه، بل خاضوا فيه وأجابوا عنه بما يرفعه.

إذن، فليست قوة العقل خاصة بالطاعن، فما السر إذن؟

هل يكون السبب هو أن عقل غير الطاعن متهافت، أي يقبل الشيء وما يعارضه، وإذا كان الأمر كذلك، فهل يعني أن دعوى القدرة على الجمع بين المتعارضين في آن واحد، ضيق في العقل وتلبس بالوهم، فيكون الطاعن إذن، أحد شخصين: إما عاجز عن تصور إمكانات الجمع بين المتعارضين ظاهرا، وإما مستقيم العقل واسعه. والافتراض الثاني باطل، أي كونه واسع العقل، لأن واقع الطاعنين، شاهد بأنهم أضيق خاطرا وأعجل تفكيرا، من فتح إمكانات التأمل إلى مداها، حتى يأتلف في العقل ما يوحي ظاهره بالاختلاف.

نحن إذن بين أطروحتين: فما الأدلُّ على قوة العقل واستقامته؟ هل قدرته على النفي أو على الإثبات، عند تشابك الحقائق؟ أي هل يكون أقوى، حينما يقف حكما بين أمرين، فيقضي لأحدهما على الآخر، فيكون نفيُ المقضي عليه، هو نفسَالتعقل. أو هل يكون أقوى، حينما يقضي لكل الأمرين بما يستحقه كل منهما، فيكون إثباتُهما معا، هو نفسَ تعقله؟ وبمعنى آخر، هل فعل التعقل ألصق بالنفي الذي يشبه الهدم، أو ألصق بالإثبات الذي يشبه البناء؟

حينما نراجع الكتب المصنفة في مشكل القرءان ومختلف الحديث، وقد بدأ التصنيف فيها منذ أكثر من اثني عشر قرنا، نقف على القدرة البنائية الهائلة، في التوفيق بين ما يبدو متعارضا من النصوص، أو متعارضا مع دعوى العقل، بما يدل على أن أوْلَى الأطروحتين بالاعتبار عند المسلمين، هي الأطروحة الثانية، أي تتبع سائر الإمكانات العقلية في اعتبار المعارف والحقائق، بما يضع كل حقيقة في موضعها، فلا يُنفى منها إلا ما لا سبيل لإثباته مطلقا، وهو المستحيل الحقيقي كما هو معلوم في المنطق.

وهذه الأطروحة ذاتها، هي التي كانت حافزا لتطوير سائر العلوم. ألم يستقر في المنطق الأرسطي مبدأ الثالث المرفوع ومبدأ التناقض، حتى كان القبول بأحد المبدأين، قبولا بالحمق والجنون، إلى أن أتيح للعقل أن يوسع من مداركه، ويخرج من قبضة هذا المنطق، فصار القول بإثبات الثالث المرفوع، وبافتراض أن الكل ليس أكبر من الجزء، في حيز عقلي أرحب من حيز العقل الأرسطي، أولى بالتعقل ممن لا يزال يجذب الثورة العلمية إلى الوراء، وينتصر للمنطق الأرسطي العقيم. أو كما فعل بنو إسرائيل حين قالوا لموسى عليه السلام: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً)، فحصروا الموجود في المحسوس، وأراحوا أنفسهم من تعب التفكير.

فإذا علمنا أن المسلمين حركوا المنطق إلى الأمام، وابتكروا فيه أبحاثا غير مسبوقة، وقل مثل ذلك عن الرياضيات والطب والفلك وغيرها، فإن ذلك راجع إلى تبني الأطروحة الأمثل في تصور قدرات العقل الممكنة، وليس هذا التبني، إلا ثمرة من ثمرات الممارسة العقلية، في فك التعارض الظاهر بين نصوص الوحي المعصوم.

ولهذا فإن قيل: لم ورد في الوحي ما يوهم التعارض بين أجزائه؟ قلنا: أقل ما في ذلك من الحكمة، بيان فضل العلماء على العامة، وتمرين العقل على استثمار كل إمكاناته المخلوقة فيه.ولئن سلمنا للطاعنين في الحديث الصحيح، كونَ بعضه مخالفا للعقل أو للقرءان، فما قولهم في متشابه القرءان نفسه؟ هل نزيله من القرءان أو ماذا؟ فإن قيل لا نقول بإزالته، بل نفهمه في سياق محكمه. قلنا: وكذلك نقول في السنة، لا نطعن في متشابهها، بل نفهمه في سياق محكمها.

فلنستعرض الآن جملة من مسالك هؤلاء الطاعنين في الحديث الصحيح، بما يبرهن على أن قضية الطعن لا مسيس لها بالنصيحة للدين والقرءان، بل هي دالة على أزمة عقلية تعتور الطاعنين؛فتشابهت قلوبهم واختلفت مسالكهم.

1.   المسلك الأول: الطعن المتفرق: من الجزء إلى الكل:

تصوير الطعن:

قضية هذا المسلك، إثارة الشبه حول معاني جملة من الأحاديث في صحيح البخاري أو غيره، من أجل صنع حكم استقرائي من تتبع جزئيات الطعن، وهو إسقاط الصحة عن صحيح البخاري، بناء على قاعدة (ما جاز للشيء جاز لمثله)، أي إذا ثبت أن هذا الحديث في البخاري متهافت المعنى، وثبت كذلك في مثله، دل هذا أن الحكم بالصحة للبخاري منقوض، فيسري الشك في جميع أحاديثه. فإذا تقرر هذا الحكم في البخاري، سحبناه على غيره من المصادر التي هي دونه، فتكون النتيجة هي وجود الشك في جميع مصادر السنة.

ومدار هذا الطعن عند هؤلاء،على دعواهم أن المحدثين إذا رووا حديثا وصححوه، لا يعرضونه على العقل أو على القرءان، فيهملون هذا الشرط من شروط التصحيح في زعمهم، وهو التأكد من موافقة القرءان والعقل.

نقد الطعن:

فنقول: الجواب على هذا المسلك من وجوه:

الوجه الأول:

لا نسلم أن الحديث إذا توافرت فيه شروط الصحة الخمس المعروفة، يكون محتاجا لعرضه على العقل أو القرءان، لأن كونه صحيحا بتلك الشروط، يحيل كونه مخالفا، وإلا لزم الدور، فكونه سالما من قوادح الصحة، فمعناه أنه صحيح النسبة إلى قائله صلى الله عليه وسلم، ولا يكون مخالفا للقرءان أبدا.

الوجه الثاني:

سلمنا بوجوب عرضه، فما الدليل على أن المحدثين والفقهاء لم يعرضوه على العقل أو القرءان، فهل سكوتهم عن الطعن، دليل على عدم العرض.

الوجه الثالث:

سلمنا بوجود التعارض، فهل قبوله عند المحدثين والفقهاء، دليل على أنهم خالفوا العقل والمنطق أو خالفوا القرءان. فإذا كان الطاعن ميالا إلى أطروحة النفي لضيق عقله، فلِمَ يُلزِم واسعَ العقل بأطروحته؟

الوجه الرابع:

سلمنا بصعوبة فك التعارض، فهل يلزم من عجز أحد أو جماعة في زمن ما عن فكه، أن يستحيل فكه في زمن آخر، من قبل مجتهد آخر.

الوجه الخامس:

سلمنا باستمرار صعوبة الفك، فنطلب من الطاعن أن يُثبت هذا الاستمرار في الصعوبة، باستعمال الاستقراء في اجتهاد جميع العلماء قديما وحديثا، في مئات من مصنفاتهم. والحال أننا نظرنا في الشبه التي يثيرونها حول بعض الأحاديث، ثم فحصناها بعرضها على أصحاب الأطروحة الثانية، أعني من يوسعون أفق الإمكانات العقلية في التأليف بين الحقائق، فما وجدنا إشكالا ولا تعذرا في الفهم. فثبت أن لا استمرار في الصعوبة.

الوجه السادس:

سلمنا بثبوت الاستقراء في وجود هذه الصعوبة، فلمَ ترجيحُ النفي على الإثبات؟ فإن كان اللازم عن الإثبات هو الحيرة في جزئي من جزئيات الشريعة، فإن اللازم عن نفي هذا الجزء وإنكاره، هو البدعة أو الكفر. ولأن يموت المسلم متشوفاإلى فك الحيرة في هذا الجزئي، أولى من أن يموت منكرا له. بل من يتتبع واقع العلماء في تخصصات علمية مختلفة، يقف على وجود نماذج من هذه الحيرة في جزئيات من علومهم، بما لا يدفعهم إلى القدح في العلم من أصله.

وإنما تنزلنا في هذه الوجوه إلى هذه الافتراضات، تماشيا مع خيالات الطاعن، وإلا فإنا على يقين من تعذر وجود التعارض، بين حديث صحيح وعقل صريح.

الوجه السابع:

لا نسلم للطاعن نفيه الحديث بأطروحة النفي، خصوصا ونحن نتهمه في جملة من الطعون، أنه متأثر فيها بضغط الفكر الغربي والحداثي، بدليل دوران جملة هذه الطعون على القضايا التي يثيرها الغرب والحداثيون عادة، كحقوق المرأة والحريات والغيبيات. وكنا أولى بالطاعن مدافعا عن أصول مرجعيته الإسلامية، من أن يكون عضدا لمنتقدي هذه المرجعية.

الوجه الثامن:

لا نسلم للطاعن أنه يدافع عن القرءان، حين اعتراضه على بعض الحديث. ولذاك نقترح عليه جملة من الآيات القرءانية المثيرة للإشكال، وندعوه إلى القول فيها، دون اللجوء إلى أطروحة الإثبات، التي تقتضي إعمال الجمع أوالتأويل. ومنها: في الحقوق المعنوية للمرأة قوله تعالى: (واضربوهن) وقوله: (الرجال قوامون على النساء) وقوله: (أو ما ملكت أيمانكم) وقوله: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم)، وفي حق المناصفة قوله: (وليس الذكر كالأنثى) وقوله: (للذكر مثل حظ الأنثيين)، وفي الحريات قوله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) وقوله: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) وقوله: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله)، وفي العقوبات قوله: (فاقطعوا أيديهما) وقوله: (فاجلدوا كل واحد منها مائة جلدة) إلخ.

2.   المسلك الثاني: الطعن المنظم: من الكل إلى الجزء:

تصوير الطعن:

قضية هذا المسلك، إثارة الشبهة حول قواعد التصحيح عند المحدثين، للقول بأنها قاصرة عن حماية الحديث، من أن يدخل فيه ما ليس منه. فيقترح الطاعن قواعد جديدة، ليقوم بعد ذلك بعمل استنباطي؛ فكل حديث لا تتوافر فيه تلك القواعد الجديدة، يكون ضعيفا.

وهذا الطعن يعتبر أن ما وقف عنده المحدثون من أدق الشروط في الصحة، ليس كافيا للتصحيح، فوجود العدالة والضبط في الراوي، واتصال السند، وعدم الشذوذ وعدم العلة في السند والمتن، كل هذا ليس كافيا للقول بالصحة، وليس قاطعا في نفي احتمال الغلط والكذب في الرواية؛ فما المطلوب إذن؟

يجيب الدكتور الفيزيائي محمد عمراني حنشي في كتابه الهندسة الحديثية، بعد أبحاث عديدة حول جملة من الأحاديث ضمّنها هذا الكتاب، بأن القاطع في نسبة الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم نسبة صحيحة، بعد توافر الشروط السابقة للصحة، هو وجوب تعدد الرواة في كل طبقة من طبقات السند، بدءا من الصحابة فمن بعدهم، وهو ما يسميه بشرط "التعزيز" أي التقوية، ولعله أخذه من الحديث العزيز عند المحدثين، وهو ما لا يروى بأقل من اثنين.

ومدار هذا التعزيز عنده، على قاعدة التسوية بين الرواية والشهادة، فكما يطلب في الشهادة اثنان على الأقل، فكذلك يطلب في الرواية، فمهما كان الراوي متيقظا ثبتا، فلا يصدق في روايته، حتى يشهد له راو آخر.

نقد الطعن:

فنقول: الجواب على هذا المسلك من وجوه:

الوجه الأول:

لا نسلم أن قواعد المحدثين في التصحيح، غير كافية في دعوى الصحة، لأن في ذلك اتهاما لهم ولعامة الفقهاء والأصوليين، بالتهاون في حماية السنة من الدخيل عليها، وهو اتهام لا يصدر إلا من مجازف مكابر.

الوجه الثاني:

شرط "التعزيز" هذا سبقه إليه أبو علي الجبائي(303هـ) من المعتزلة، وليس هو من أهل الصنعة ولا من أهل السنة، وقال بهذا الشرط بعد استقرار المصنفات. قال ابن حجر في شرح النخبة في شرح الحديث العزيز: "وليس شرطا للصحيح خلافا لمن زعمه، وهو أبو علي الجبائي". ونقل ابن حجر أيضا، أن في كلام الحاكم النيسابوري، ما يومئ إلى هذا الشرط، ثم أجاب عن هذا الاحتمال في كلام الحاكم، بما يبرئه من هذا الاشتراط.قلت: ويكفي في تبرئة الحاكم من دعوى وجوب العزة في الحديث، صنيعه بنفسه في كتبه، خصوصا المستدرك الذي استدرك به على الصحيحين، فلو كان يقول بهذا الشرط، لعمل به في مستدركه، مع أن درجة أحاديث المستدرك، دون درجة الصحيحين قطعا.

الوجه الثالث:

لا نسلم بالتسوية بين الرواية والشهادة، لأن المقرر عند أهل السنة التفرقة بينهما، وقد أحصى السيوطي في تدريب الراوي واحدا وعشرين فرقا بينهما.وقال الشافعي رحمه الله في الرسالة (ص 369): "أقْبَلُ في الحديث الواحدَ وَالمَرْأَةَ، ولا أقْبل واحِداً منهما وحْدَه في الشهادة. وأقبلُ في الحديث: (حدَّثَنِي فُلانٌ عَنْ فُلاَنٍ)، إذا لم يكن مُدَلِّسًا، ولا أقبل في الشهادة إلا: (سَمِعْتُ) أو (رَأيْتُ) أو (أَشْهَدَنِي)".

الوجه الرابع:

لو سوينا بين الرواية والشهادة، لمنعنا الصحابي من رواية الحديث إذا سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم منفردا، لكن واقع الصحابة خلاف ذلك، فقد بلغوا ما سمعوه على أي حال كان، ولم يمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم من التحديث. فمِن قلة الأدب مع الصحابي أن يقول حنشي - عند تفرد الصحابي بالرواية (كابن عمر مثلا)، وتعدد من روى عنه على شرطه في التعزيز-: "صحيح إلى ابن عمر"، أي إن ابن عمر متهم، حتى يشهد له صحابي آخر. فإن قيل: ألم يفعل ذلك عمر رضي الله عنه مع أبي موسى الأشعري، فطلب منه من يشهد معه على حديث الاستئذان؟ قلنا: دل الاستقراء من فعل عمر وغيره، أنهم لم يجعلوا ذلك شرطا دائما، وإنما يلجأ إليه لمصلحة خاصة. ولا ينكر هذا، إلا قليل الاطلاع، أو مكابر.

الوجه الخامس:

لو سوينا بين الرواية والشهادة، لمنعنا النبي صلى الله عليه وسلم من التحديث، بمحضر صحابي واحد، أو بمحضر إحدى زوجاته، لأن صاحب التعزيز، يوجب هذا الشرط لحصول الصدق التام، فلا يجوز حينئذ للنبي صلى الله عليه وسلم، أن يخالف الشرط المؤدي للصدق. قلنا: فلما وجدناه صلى الله عليه وسلم يحدث بمحضر واحد من الناس، علمنا أن هذا الشرط عبث من القول.

الوجه السادس:

لو أجرينا شرط التعزيز في جملة من الأحاديث، لسقطت من الاعتبار، مع أنها من مشاهير الأحاديث، ولا نظن أن حنشي أو الجبائي يرفضانها، كحديث إنما الأعمال بالنيات، وحديث شعب الإيمان، لأنهما حديثان من أفراد الصحيح.

الوجه السابع:

لو جارينا شرط التعزيز في الحكم على الأحاديث بالصحة، لخرجنا عن جادة الوسط التي تشهد لها العقول بالاعتبار، فإذا كان إدخال ما ليس من الحديث فيه باطلا، فإن إخراج ما هو منه باطل أيضا. فما فوق البياض برصٌ، وما فوق الجعودة قطط، وما فوق القراءة ليس بقراءة، كما قال القارئ حمزة رحمه الله، لبعض المتقعرين في تجويد القرءان.

الوجه الثامن:

لا يليق بفيزيائي، تمرس بالنظريات المتجددة في هذا العلم، واستوى في عقله أن يكون الجزء مساويا للكل أو أكبر منه، وخصوصا في الفيزياء الحديثة، التي وسّعت من الإمكانات في النظر إلى طبيعة القوانين الجارية في الكون. فهل يليق بمن يخرج من مختبرات البحوث الفيزيائية بعقل متفتح، أن يدخل إلى البحوث الشرعية الحديثية، بعقل منغلق مقيد الحركة. فقد كنا أحوج إلى هذه العقول المتفتحة،في فك ما يبدو متعارضا في الظاهر، وفي شفاء النفوس الحائرة القاصرة عن الفهم، من عقول مستكبرة، تجيز التآلف في الماديات وتمنعه في المعنويات، مع أن التآلف في عالم المعنويات، أكبر منه في غيره قطعا.

3.   المسلك الثالث: الطعنالأهوج: الجزء والكل معا:

تصوير الطعن:

قضية هذا المسلك، الشك في المصادر الحافظة للحديث الموجودة بأيدينا الآن، وأنها ليست موثوقة في التعرف على السنة الصحيحة، فيدعي الطاعن، أن ما يشكل معناه من الأحاديث الصحيحة المتداولة في هذه المصادر، يستحيل صدوره من النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه مخالف للقرءان المنزل عليه، أو مخالف للعقل، فوجوده في تلك المصادر مع مخالفته، لا يفسَّر إلا بدخول التحريف عليها، وأنه زيد فيها ما لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم. فلا دليل على ثبوته فيها، حتى نعثر على النسخ الأصلية لتلك المصادر، كنسخة صحيح البخاري مثلا بخط بيده.

فإذا تعذر الحصول على تلك النسخ، فيسقط الاحتجاج بما في أيدينا من المصادر المتفرعة عنها، فتصير مجرد أساطير منسوجة، منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، عبر مؤلفين، لا يبعد أن يكونوا هم مجرد أساطير أيضا.

هكذا يدعي بعض الطاعنين في الصحيح مشرقا ومغربا، منهم رشيد أيلال في كتابه "صحيح البخاري نهاية أسطورة"، وهو يكرر التحدي للمسلمين جميعا، أن يعثروا على نسخة البخاري بخط يده، ويعلن في دروسه وتصريحاته الصحفية، أنه وصل إلى هذه النتيجة بعد سنوات من البحث، في مصادر علوم الحديث نفسها، ويحشد في سياق طعنه، نصوصا منتقاة من كلام نقاد الحديث القدامى، كالباجي وابن حجر وابن القيم وابن حزموالجياني وغيرهم، لإثبات علمية النقد.

وكأن هذا الطاعن، استبطأ المسلكين السابقين في الطعن؛ فإن الأول يطعن في عشرات من الأحاديث، والثاني في مئات، ولكنهما يقران بالباقي -ظاهرا على الأقل. فإذا هو طعن في الكل، فسنستريح من شغب الفقهاء بالحديث، وسينتحر هؤلاء الفقهاء، حاملين معهم حديثهم الذي به يعملون ويصدقون.

ثم يتوعد باقي مصادر السنة،بعد القضاء على البخاري، بالتشكيك نفسه، لتلقى المصير نفسه، أي الدخول في عالم الأساطير.يقول في كتابه ص 243: "وللإشارة فقط فما قلناه حول مخطوطات صحيح البخاري ينطبق على كل كتب الحديث بلا استثناء ونحن اتخذنا صحيح البخاري نموذجا فقط لباقي هذه الكتب المسماة كتب الحديث".

نقد الطعن:

فنقول: الجواب على هذا المسلك من وجوه:

الوجه الأول:

لو افترضنا عثور الطاعن على نسخة البخاري بخط يده، فهل سيصدق ما فيها، ويزول عنه الإشكال في الأحاديث التي يطعن فيها؟ أو أنه سيستعير أحد المسلكين السابقين في مواصلة الطعن؟ الظاهر من كلامه أنه مصر على الطعن، بدعوى مخالفة العقل والقرءان، وهذا يبين أن منطلق الطاعنين واحد، كما قررناه في المقدمة. وما أشبه إلحاحه في هذه القضية، بما حكى الله تعالى عن الطاعنين في القرءان بقوله في سورة الأنعام: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ).

الوجه الثاني:

ينقل الطاعن نصوصا من كلام نقاد الحديث وغيرهم، في سياق مناقشاته لصحيح البخاري، فهل وقف على نصوص كلامهم بخطوط أيديهم، أو أنه يسلّم بما وجده مطبوعا منها، فإن كان الواقع هو الثاني، فلمَ لا يسلم بصحيح البخاري الموجود الآن بأيدي الناس؟

الوجه الثالث:

كيف يستقيم أن يستخرج من كلام بعض المحدثين والعلماء المنقول عنهم، ما يساعد على دعوى الأسطورة، في حين يشهد واقع هؤلاء العلماء، أنهم يعترفون بجدارة صحيح البخاري بين كتب الحديث بعلو المنزلة، وإن صدر منهم بعضُ انتقادٍ له، كالدارقطنيوالجياني والباجي وابن القيم وأضرابهم من أذكياء العلماء. وما أشبه من يجلب بعض أقوال المحدثين والأصوليين، في سياق دعوى الأسطورة، ودون فهم كلامهم في قضية قطعية الصحة وظنيتها، بمن يحتج من اليهود والنصارى على عقائدهم من القرءان نفسه، كاحتجاج اليهود بقوله تعالى فِي سورة الْمَائِدَة:(إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى)، وكاحتجاج النصارى بقوله تعالى في سورة البقرة: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ ءامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). فهل ينفعهم الاحتجاج على صحة دينهم، بآيات مفصولة عن سياقها العام؟ (راجع حجج القرءان لابن المختار الحنفي ص 86).

الوجه الرابع:

يدعي الطاعن أن القضاء على صحيح البخاري،هو قضاء على الفقه المستنبط من الحديث، فكأن الفقه نشأ بعد تأليف البخاري لصحيحه. وهذا قلبٌ للحقيقة تماما، فإن الفقه الإسلامي بمعظم مذاهبه، استقر قبل أن يولد البخاري (194هـ/256هـ)، أو قبل أن ينشأ في الطلب؛ فأبو حنيفة توفي سنة 150هـ، ومالك سنة 179هـ، والشافعي سنة 204هـ فكان عمر البخاري 10 سنوات،وأما الإمام أحمد (241هـ) فهو من شيوخ البخاري، هذا فضلا عن أصحاب المذاهب الأخرى غير المنتشرة، ومعظمهم كان في المائة الثانية.

الوجه الخامس:

يصر الطاعن أن يفصل صلة المغاربة بصحيح البخاري، ناسبا الاهتمام به إلى الوهابيين، وهذا من أشد المكر في كتابه، وهو أن يحمّل صحيح البخاري جريرة الوهابيين، ليظهر بمظهر الناصح للدين، والمشيع لفكر الوسطية. ونحن نفيده فائدة، وهي أنه لولا جهود المغاربة في حفظ صحيح البخاري وروايته، وكذا جهود غيرهم من المشارقة قبل زمان الوهابية بقرون، لما عرف الوهابيون طريقة للحصول على صحيح البخاري؛ فلا يشغب علينا بهذه الحيلة المكشوفة.

الوجه السادس:

يوهم الطاعن أن صحيح البخاري، هو مستمسك الوهابيين في مذهبهم دون غيرهم، مع أن الواقع يشهد بأن أكثر من اشتغل بالبخاري رواية ودراية، هم غير الوهابيين، كالمذاهب الأربعة والصوفية والأشاعرة. بل إن أحد عُمَد رواية البخاري عند المغاربة، كان مالكيا صوفيا أشعريا، وهو أبو ذر الهروي(434هـ) رحمه الله. فليعْلم الطاعنُ، أنه جرح معظم المسلمين وسبهم وسفههم، ولم ينهج أبدا نهج العلم والحجة الرزينة، وأوّلُ المجروحين منهم، هم العلماء في حظيرة الدولة العثمانية، التي شرفت بإخراج أول نسخة لصحيح البخاري، إلى عالم المطبوعات، وكان الوهابيون وقتئذ، في حرب معلنة مع هذه الدولة.

الوجه السابع:

كنا نظن أن الطاعن اعتمد على نفسه، في استخراج الاختلافات بين نسخ البخاري، وأنه استقرأها من النسخ السبعين، التي نقل معلوماتها "باردة" من الأنترنيت، وطوَّل بها الفصل الخامس، فإذا هو يعتمد في ذلك على العلماء الذين ينتقدهم ويسفههم. ولا يقولن أحد إنه أراد أن يلزمهم بما يعترفون به من الاختلافات؛بل لو كان مجدا في البحث، لتجول في الخزائن بنفسه، وقرأ تلك المخطوطات وتحمل مشقة ذلك، ثم ليستخرجْ منها ما يريد؛ ولكنه خيّب ظنّنا فيه.

الوجه الثامن:

لميسكت نقاد الحديث، عن ذكر الاختلافات الموجودة بين نسخ البخاري، عند تلامذته وتلامذتهم ومن بعدهم، ولم يستنبطوا من وجود هذا الاختلافات بين تلك النسخ، أن الصحيح أسطورة، ولم يخافوا من الطاعن أن يذكروا تلك الاختلافات،بل برعوا في المقارنة والجمع والترجيح والضبط والتحرير،بما يقدَّم به الوجه الصحيح. وفي ذلك مع الدربة على التحرير، متعة علمية لا توصف.ولولا ذكرهم لتلك الاختلافات لما وجد الطاعن ما يشغب به. وليعلم القارئ، أن وجود الاختلافات بين نسخ البخاري، لا يخرج معظمه عما لا مسيس له بمعنى الحديث، كإبدال واو بفاء، أو قول الراوي (قال الله تعالى) عوض (قال الله عز وجل)، أو (غفر الله له) عوض (غفر له)، أو (إن ربكم) عوض (إن الله)...إلخ. وأمّا ما يؤثر في المعنى، فهنا مجال الترجيح أو الجمع، ولم يعجز شراح الحديث عن ذلك؛ فلا داعي للتهويل أيها الطاعن.

الوجه التاسع:

لو قال طالبُ العلم الحائرُ: فلم اختلفت نسخ البخاري؟ أليس لو وجدت نسخته بخط يده، لكانت مرجعا لرفع الاختلاف؟ قلنا: أولا، لا تظنن أن الاختلاف كبير أو خطير كما سبق. وثانيا: بعض الاختلاف موجود في ترتيب بعض الأحاديث والأبواب، فلا يضر. وثالثا: بعض الاختلاف سببه أن البخاري نفسه، زاد في صحيحه ما سمعه منه بعض التلاميذ دون غيرهم، قال ابن حجر في "الفتح"(8/56) في شأن رواية: "سقطت من رواية النسفي، فلعل البخاري ألحقها، فكتبت مؤخرة عن مكانها". ورابعا: اعلمْ أن وجود الاختلافات، دليلٌ- بمفهوم المخالفة - على وجود المجمع عليه في الصحيح من الأسانيد والمتون، وهو معظم الكتاب، وأما المختلف فيه، فهو مجالٌ للمقارنة للجمع أو الترجيح بالدليل.

الوجه العاشر:

لو وجدت نسخة البخاري اليوم، وأعطيناها لرشيد أيلال وعمراني حنشي وعدنان إبراهيم، كل على حدة، وقلنا لهم:انسخوها بأيديكم، فنسخوها، ثم قارنا بينهم، لوجدنا بعض الاختلاف في الترتيب أو بعض النقص والزيادة؛ والسبب في ذلك ما قاله الباجي في "التعديل والتجريح"(1/310)، عند الكلام على تبويب البخاري لصحيحه: "أخبرنَا أَبُو ذَر عبد بن أَحْمد الْهَرَوِيّ الْحَافِظ رَحمَه الله، ثَنَا أَبُو إِسْحَاق الْمُسْتمْلِي إِبْرَاهِيم بن أَحْمد، قَالَ: انتسخت كتاب البُخَارِيّ من أَصله، كَانَ عِنْد مُحَمَّد بن يُوسُف الْفربرِي، فرأيته لم يتم بعد، وَقد بقيت عَلَيْهِمَوَاضِع مبيضة كَثِيرَة، مِنْهَا تراجم لم يثبت بعْدهَا شَيْئا (أي البخاري نفسه)، وَمِنْهَا أَحَادِيث لم يترجم عَلَيْهَا (أي البخاري)، فأضفنا بعض ذَلِك إِلَى بعض (أي الأحاديث إلى التراجم). وَمِمَّا يدل على صِحَة هَذَا القَوْل، أَن رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْمُسْتَمْلِي وَرِوَايَة أبي مُحَمَّد السَّرخسِيّ وَرِوَايَة أبي الْهَيْثَم الْكشميهني وَرِوَايَة أبي زيد الْمروزِي، وَقد نسخوا من أصل وَاحِد، فِيهَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، وَإِنَّمَا ذَلِك بِحَسب مَا قدر كل وَاحِد مِنْهُم، فِي مَا كَانَ فِي طرة أَو رقْعَة مُضَافَة أَنه من مَوضِع مَا، فأضافه إِلَيْهِ. وَيبين ذَلِك أَنَّك تَجِد ترجمتين وَأكْثر من ذَلِك مُتَّصِلَة، لَيْسَ بَينهمَا أَحَادِيث".

قلت: فلا علاقة إذن لهذا الاختلاف بنصوص الأحاديث، كما أوهمنا الطاعن عندما نقل نص الباجي، بل الأمر متعلق بتبويب الحديث وترجمته. والسر في هذه المسألة، أن صحيح البخاري فيه صنعتان: الأولى: رواية الحديث الصحيح، والثانية: تبويبه. والنص أعلاه، يبين أن الاختلاف وقع في بعض التبويب. وقال ابن حجر في "الفتح"(4/300): "تقدم النقل عن أبي ذر الهروي، أن أصل البخاري كان عند الفربري، وكانت فيه إلحاقات في الهوامش وغيرها، وكان من ينسخ الكتاب، يضع الملحق في الموضع الذي يظنه لائقا به، فمن ثم وقع الاختلاف في التقديم والتأخير، ويزاد هنا أن بعضهم احتاط، فكتب الملحق في الموضعين، فنشأ عنه التكرار".

الوجه الحادي عشر:

وإذن فليس صحيحا ما يهول به الطاعن، من أن الاختلاف دليل على الزيادة والافتراء، قال ابن حجر في "الفتح"(6/26): "وادعاء الزيادة في مثل هذا الكتاب مردود على قائله".وقال أيضا (7/161): "وأما تجويزه أن يزاد في صحيح البخاري ما ليس منه، فهذا ينافي ما عليه العلماء، من الحكم بتصحيح جميع ما أورده البخاري في كتابه، ومن اتفاقهم على أنه مقطوع بنسبته إليه، وهذا الذي قاله تخيل فاسد، يتطرق منه عدم الوثوق بجميع ما في الصحيح، لأنه إذا جاز في واحد لا بعينه، جاز في كل فرد فرد، فلا يبقى لأحد الوثوق بما في الكتاب المذكور، واتفاق العلماء ينافي ذلك".

الوجه الثاني عشر:

سلمنا بوجود الاختلاف في بعض ألفاظ الروايات، فهل ذلك موجود فيما يشكل معناه فقط، أو موجود فيما لا يشكل أيضا، وإذا لم يكن موجودا في الجميع، فلمَ الحكم على الجميع بالأسطورة؟ مع أن بعض ما أشكل معناه على الطاعن، لا خلاف في لفظه ألبتة.

الوجه الثالث عشر:

إذا كان ما يشكل معناه على الطاعن، ثابتا في عشرات من الكتب الحديثية المشهورة، فلمَ يحمّل البخاري وحده "جريرة" روايته، كحديث (أمرت أن أقاتل الناس) مثلا، وهو حديث متواتر. فثبت أن الطاعن يريد "رأس" السُّنَّة كلها، لا رأس البخاري وحده. بل لا يكاد يوجد حديث مما يهول به الطاعنون، قد انفرد به البخاري وحده.

الوجه الرابع عشر:

سلمنا أن مجرد هذا الاختلاف، يضر بسمعة الكتاب الذي بين أيدينا، فطلبنا من الطاعن أن يعيد كتابة صحيح البخاري، فماذا يفعل، هل يستقرئ صنيع النقاد في الترجيح بين الروايات والجمع بينها، فيُخرج أصح نسخة بعد المقابلة الدقيقة، وقد يقتصر على فتح الباري مثلا لابن حجر، لأنه قارن بين أصول البخاري الصحيحة التي كانت بين يديه. أو أنهسيصفف الأحاديث وراء جدار، كهيئة المنتظر للدخول، ثم يعرضها حديثا حديثا على عقله، فما أجازه منها أدخله في الكتاب، وما لا فلا.

الوجه الخامس عشر:

لو جرت العادة في نقل العلم، بأن كل من صنف تأليفا، فإن وراثة ذلك العلم عنه، متوقفة على بقاء مصنفه بخط يده على مر العصور، ولا ينوب عن ذلك، أن تنسخ منه نسخٌ وعنها نسخٌ أخرى، يكتبها جيل بعد جيل. فلو توقفت الوراثة على ذلك، لما بقي من العلم القديم، شيءٌ يعول عليه؛ فأين كتب الفلاسفة القدماء، وأين كتب الرياضيين والفلكيين والأطباء بخطوط أيديهم؟ فلما وجدنا هذا العلم يُنقل، علمنا أنه قد حمل في معظمه، في غير المصنفات الأصلية، خصوصا عند اشتهار المصنفين وكثرة تلاميذهم. وهكذا وقع في المصنفات الحديثية أيضا. بل نزيد فنقول: إن المسلمين منعوا الاكتفاء بما يوجد من المصنفات الأصلية بخطوط أصحابها، حتى نستيقن بالرواية المتصلة عنهم، أنها لهم، فلا يكفي أن يجدوها دون رواية لها، متصلة بأصحابها.

الوجه السادس عشر:

لو وجدت اليوم مخطوطة من البخاري في مكتبة من مكتبات العالم، وأثبت المتخصصون في دراسة المخطوطات، أنها مكتوبة في زمان البخاري، لمَا كان ذلك دليلا على نسبتها للبخاري رحمه الله، ولو كُتب فيها أنها نسخته، إلا إذا كان لهذه المخطوطة لسان ناطق يقول عند فتحها: كتبني البخاري بيده. وإذن فلا يعوِّل المحدثون على ما يُهيّج به الطاعن عوام الناس، من حاجة صدقِ كتب الحديث، إلى النسخ الأصلية بخطوط مؤلفيها.

الوجه السابع عشر:

فإن قيل: فكيف وثِق المسلمون عبر قرون متلاحقة، بأن ما وصلهم من كتب الحديث المشهورة، هي لأصحابها، علما أن بين نسخها بعض الاختلاف؟ قلنا: هنا تكمن عبقرية المسلمين في الحفاظ على العلم المنقول؛ إذ هناك طريقان لحفظه: فإما أن يكون المعول عليهفي الحفظ،هو بقاء النسخة الأصلية، وإما أن يكون المعول عليه، هو كتابة نسخ عن الأصلية ومقابلتها بها، مع احتمال أن يتطرق بعض الاختلاف عند تعدد النسخ. فأما الاحتمال الأول فهو ضعيف في حفظ العلم لجملة موانع، منها: تعرض النسخة الأصلية للتلف في أي لحظة، ومنها: عدم اليقين بأنها لصاحبها عند وجادتها. وأما الاحتمال الثاني فهو معول العقلاء في الحفظ، لجملة شواهد منها: إثبات صحة نسبة الكتاب لمؤلفه عبر الرواية المتصلة من متعددين، ومنها: استبعاد تلف متن الكتاب لو بقي في مخطوطة واحدة.

فنحن إذن بين خيارين: إما أن نعوّل في الحفاظ على النص الأصلي بحروفه،على مخطوطته الأصلية، ونلغي ما عداها من النسخ، فتكون النتيجة هي ضياع كل ما في المخطوطة عند ضياعها، فتعظم المفسدة.وإما أن نعول في الحفظ، على النسخ المروية المقابلة في كل جيل، مع تحمل مفسدة قليلة - على فرض تسميتها مفسدة - وهي تطرق بعض الاختلافات إليها، مع وجود منهجية لمعالجة تلك الاختلافات، فتثبت المصلحة العظيمة في بقاء ما في هذه المخطوطة متوارثا.

الوجه الثامن عشر:

كان أولى بالطاعن أن يدرس بتواضع علوم الحديث على أصحابها، وأن يتجول في خزائن المغرب دارسا لمخطوطات الحديث، ولا نطلب منه أن يرحل إلى المشرق، ولا أن يتصل بعلمائه، خصوصا الوهابيين منهم ولا بأتباعهم في المغرب. بل يكتفي بمحدثي بلده المغرب من المالكية الأشاعرة، أصحاب الأسانيد المتصلة، والعارفين بتاريخ كتب الحديث، وطريقة نقلها وتوثيقها. أليس عيبا أن تكون معظم أبحاثه، تكرارا لما نعلمه من الطعون الصادرة قبله، من لدن مسلمين مفتونين أو مستشرقين حاسدين؟ فليس في الكتاب إلا التقليد المحض، وأما الإبداع ففي تنويع أساليب الشتم والقذف والتهكم.

الوجه التاسع عشر:

كان الأولى بالطاعن أن يسمي كتابه: "الأحاديث النبوية، نهاية أسطورة"، لا أن يلصق التهمة بالبخاري وحده؛ فغرض الكتاب بالنظر إلى فصوله الخمسة، هو الطعن في الحديث كله، ولا مفهوم لصحيح البخاري، وإنما تصدى له بالطعن كعادة المستشرقين والعلمانيين وغيرهم، لأنه رمز للصحة عند المسلمين، كما يتصدون بالطعن لأبي هريرة رضي الله عنه، لأنه رمز للصحابة المكثرين، كما فعل مصطفى بوهندي، الذي أنعشه كتاب رشيد أيلال، ورد عليه شباب الطعن والتهجم.

فالحيلة إذن مكشوفة، ولا جديد فيها على الإطلاق. وإذا أراد ناشر الكتاب في دار الوطن، أن تكثر مبيعاته، فلا ينفعه أن يمدح هذا الكتاب، بأنه لا يتطرق الشك إلى حججه؛ نعم لم يتطرق إلينا الشك في أن جميع حججه، هي صياغة ركيكة لشُبه من سبقه من الطاعنين، منفعلةٌ بمشاعر الغضب والكراهية والاستكبار. ولمْ نشك في نتيجة قلناها قبل أن نقرأ كتابه، فتأكدت لنا بعد قراءته، وهي أن أقوى ما في كتابه وأشده، هو عنوانه الوقح.

4.   المسلك الرابع: الطعن الناعم: من الأصل إلى الجزء والكل:

تصوير الطعن:

قضية هذا المسلك، إثارة الطاعنين الشبهة حول تعريف السنة ووظيفتها، فضلا عن ثبوتها، كما عليه باقي المسالك الأخرى، غير أنهم لا يكابرون في مسألة الثبوت، لأن مناقشة التعريف والوظيفة، يغني عن التضعيف في حصول المقصود، وهو الانفكاك عن وجوب الاتباع للسنة، والتعبدِ بها شارحةًللقرءان، في سائر مجالات الحياة. فمدار الشبهة، على مناقشة حجية السنة النبوية.

ويزعم هؤلاء، أن السنة النبوية (وهي المدونة في مصنفات الحديث والسيرة)، ليست مصدرا للتشريع المتصف بالعموم والدوام، في الأزمان والأماكن، بل هي "تجربة محمد".هكذا يقول امحمد جبرون في كتابه (مفهوم الدولة الإسلامية ص 80)، تجربةٌ تاريخية في زمان محدد ومكان محدود. وبكفاءة عالية من الأصوليين، انتقلت هذه التجربة التاريخية للرسول، من نص تاريخي، إلى نص من الوحي. (المصدر السابق ص 82).

ولهذا يستوجب علينا اليوم، أن نعاكس الأصوليين، الذين عزلوا السنة عن التاريخ لتأبيد دلالتها، فنعمل على ربطها بتاريخها الذي نشأت فيه، بغية التحرر في قراءة القرءان، من حجية موهومة للسنةعلى مر الأزمان.

ويعيب أصحاب هذا المسلك، لجوء المحدثين والأصوليين، إلى الجمع بين النصوص المتعارضة،وهو ما نسميه نحن بأطروحة الإثبات، مما يدل على شَبَههم الواضح بأصحاب المسالك الأخرى. ومع أنهم لا يصرحون بالطعن في صحيح البخاري أو غيره كالآخرين، فقد أدرجناهم في النقد في هذه المقالة، لأن مآل مسلكهم، إلى جعل صحيح البخاري وكتب الحديث عامة، بغير فائدة، فتكون النتيجة واحدة.

نقد الطعن:

فنقول: الجواب على هذا المسلك من وجوه:

الوجه الأول:

إن دعوى أن السنة النبوية لا حجية مطلقة فيها، بل هي تجربة نبوية تاريخية، مجرد تخيل محض لا دليل عليه، إلا ما يريده الطاعن، بل القرءان الكريم مناقض لهذه الدعوى تماما، خصوصا في الآيات التي تأمر المؤمنين بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي كثيرة جدا.

الوجه الثاني:

إن دعوى وجوب عزل السنة عن القرءان، لارتباطها بالتاريخ دونه، ثم الطعن في الوقت ذاته في المنهجية الأصولية المنتجة لفهم القرءان، هو رميٌ بالمكلفين إلى المجهول، وإحالتُهم على الحيرة التامة في تنزيل القرءان الكريمفي الواقع؛ فبأي منهجية سنفهم القرءان، بعد نفي السنة، ونفي أصول الفقه القائم على جعل السنة المصدر الثاني للوحي. والغالب على الطاعنين في الحديث، الطعن أيضا في أصول الشافعي ونحو سيبويه.

الوجه الثالث:

لقد أدخل الطاعن نفسه في ضيق شديد، حينما أراد أن يؤسس فهماً للدولة الإسلامية الحديثة، منفصلا عن وقائع السنة النبوية، فأداه هذا المسلك، إلى رمي السنة في التاريخ، وليس عنده ما يضمن أن يتوقف الاستغناء عنها، فقط في تأسيس فهم للدولة، بل سيمتد ذلك إلى كل مجال، سواء كان في المعاملات أم في العبادات. ولهذا كان سعد الدين العثماني أذكى منه، حينما سلك مسلك فصل تصرفات الرسول بالإمامة، عن وصف التشريع العام، ووسّع في ذلك الخرق على الراقع، لكنه لم يعبث عبثه في تعريف السنة. ومسلك العثماني هذا يحتاج إلى نقد، ليس هذا محله الآن.

الوجه الرابع:

لا نسلم للطاعن قوله بعدم الحاجة للسنة النبوية فقط، في بناء فهمٍ للدولة الإسلامية في العصر الحاضر، ونلزمه بما يزعمه في كتابه، من امتلاك الحق في رمي جملة أحكام مذكورة في القرءان نفسه إلى التاريخ، كحد السرقة والزنا وغيرهما (المصدر نفسه ص 14 و69). فالقضية إذن لا تتوقف عند السنة، لأنه حينما يبني تصورا حداثيا للدولة و"يُدَيّنُه" ببعض المصطلحات كالعدل والمعروف، ثم يرى جملة أحكامٍ شرعيةٍ نابيةٍ عن وصف الحداثة، فإنه يُعمل فيها دعوى التاريخية، ولو كانت في القرءان نفسه.

الوجه الخامس:

كيف ساغ للطاعن أن يسمي السنة النبوية تجربة؟ فهذا يعني، بعد نزع خاصة الاستمرارية منها، مساواته صلى الله عليه وسلم في صنع تجربة أخرى لفهم القرءان. فبعد "تجربة محمد"، يمكن لأي أحد أن يصنع تجربته الخاصة به، كتجربة "امحمد" مثلا، بل ستكون تجربة "امحمد"، أقدر على فهم القرءان في هذا الزمان من "تجربة محمد"، لأن "امحمد" يعيش في زمان الحداثة، حيث بلغت "الحكمة الإنسانية" مداها، وانفتح المسلمون على العالم الواسع، في حين كانت "تجربة محمد" تمتاح فقط من عالم العرب الضيق، وما حوله من الأقاليم غير البعيدة.

الوجه السادس:

كيف ساغ للطاعن أن يدعي، أن جعل السنة مصدرا للتشريع، مرتبط بزمان تدوينها على عهد عمر بن عبد العزيز؟ هل يعني بذلك أن الصحابة وكبار التابعين لم يستندوا إلى السنة النبوية في فهم القرءان، تخصيصا وتقييدا وتبيينا وتفسيرا،وغير ذلك من أوجه خدمة السنة للقرءان؟ هل يستنبط من غياب تعريف اصطلاحي للسنة في عهدهم، أنهم لم يكونوا يستعملون السنة كما قرره الأصوليين بعد ذلك، بناء على النظر في تصرفاتهم؟ وما أشبه من يقول هذا الكلام، بمن يزعم أن الخليل بن أحمد الفراهيدي، وزن شعر العرب، على غير ما كانوا ينظمونه بسليقتهم.

الوجه السابع:

أراد الطاعن أن يستثني سنة النبي صلى الله عليه وسلم من الشأن السياسي، فارتكب من أجل ذلك عبثا في تعريف السنة كلها، حتى يستقيم له التحرر من لزومها لنا اليوم في بناء فهم للدولة الإسلامية. ونحن نقلب عليه القضية رأسا ونقول: لا انفكاك لنا من استحضار جميع النصوص الحديثية المتحدثة عن الشأن السياسي، تشريعا، وممارسة، وإخبارا، من أجل بناء هذا الفهم. ولا ينفع الطاعنَ أن يهرب إلى القول، بأن السنة قوانين كلية للتعامل مع الواقع، لا جزئيات واجبة الاقتداء، لأن القول بذلك يلزم عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس أصلا في الهداية، بل الأصل في ذلك هو ما يمليه الواقع عليه، فتصير الحكمة موجودة في الواقع المزعوم، المجهول التفصيلات، لا في السنة الثابتة، المعلومة التفصيلات.

الخاتمة: التفريق بين الله ورسوله:

هذه هي خلاصة الحيلة التي يريد بها الطاعنون، إحداثَ اضطراب كبير في منهجية التلقي عند المسلمين، بأن يحيطوا السنة بسياج من الشكوك من جهة ثبوتها ودلالتها، ليسقط اعتبارها من النظر، عند إرادة فهم القرءان الكريم.

وبعد أن جهد المستشرقون أن يشككوا في ثبوت القرءان ذاته، تبين لهم أن الاكتفاء بالتشكيك في الحديث، كاف في حصول المقصود، لأنهم أدركوا أن فصل الحديث عن القرءان، هو تعطيل للقرءان نفسه، فإذا رسخ هذا التشكيك بين المسلمين، سهل حينئذ فصل القرءان عن الحياة العامة، لأنه سيغدو كتابا مستغلقا عن الفهم، في جملة من أحكامه. في حين، يقول الله تعالى في سورة النحل، لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). ولا يخفى أن البيان هو شيء زائد عن مجرد تبليغ القرءان، فإذا كان الله تعالى قد أوكل هذه الوظيفة لنبيه صلى الله عليه وسلم، فليزم من ذلك أنه سيحفظ بيانه من الضياع، كما تكفل سبحانه بحفظ ألفاظ كتابه من الضياع.

ثم تسلّم الطاعنون المشعل من المستشرقين، عن علم أو بغير علم.

إن من يصرُّ مِنَ الطاعنين،أن يلغيَ الحديث كله أو معظمه أو حتى بعضه، بدعوى التعارض أو عدم الثبوت، يَلزمُ من إلغائه، تعطيلُ الوظيفة البيانية للسنة النبوية، فيلزم من ذلك دعوى أن تكليف الله تعالى نبيه بالبيان، هو مجرد لغو من الكلام، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

ويجتهد الطاعنون بموازاة التشكيك والإلغاء، في تأسيس شبهتين أخريين في أذهان المسلمين:

الأولى: استغناء القرءان عن السنة في الفهم.

والثانية: استقلال العقل بالقدرة على فهم القرءان.

فإن سلمنا بهاتين الشبهتين، فما الحاجة إذن لوجود الرسول المبلغ الهادي إلى صراط الله المستقيم. وهل الرسول مكلف فقط بقراءة القرءان على أصحابه، ولا مزيد؟ لماذا نمنع الرسول من الكلام، بعد قراءة القرءان وتبليغه؟ وإذا لم يكن كلامه حاسما في فهم القرءان على سبيل الدوام، فما الفرق بينه وبين غيره من الناس؟ وهب أن العقل كاف في فهم القرءان، أفليس رسول الله صلى الله عليه وسلم أعقلَ الناس وأذكاهم وأحكمهم؟ فلِمَ يحبس الطاعنُ كلامَ الرسول في زمانه فقط، ولا يجيز له أن يتعداه إلى ما بعده؟ ولمَ يستشكل الطاعنُ كلامه ويزعم أن عقله لا يقبله؟ فهل يحاكم كلامَ أعقل الناس إلى عقله هو، خصوصا والطاعن من أصحاب أطروحة النفي؟

هل يريد الطاعن أن يعيدنا إلى مربع النقاش الأول، فيقول مكابرا: أنا لا أستشكل كلامه وإنما أتهم الراوي عنه؟ لو سلّمناللطاعن بهذا المهرب الذي يلجأ إليه، وهو اتهام الراوي، لكان طعنا في الرسول نفسه، لأننا سنتهمه صلى الله عليه وسلم، بأنه عجز عن تربية أصحابٍ أمناء على كلامه، ولانْجرّ الطعنُ إلى الله جل جلاله، أنه أحاط رسوله بقوم ضعاف العقول، قليلي الأمانة.

وهكذا يستمر الطاعن في اتهام الناس بضعف العقل وقلة الأمانة، في جيل التابعين ومن بعدهم، لتبقى نظريته هو قائمة، وهي معارضة الحديث الصحيح للقرءان، واستقلال العقل بالفهم. ولا يريد أن يعترف بأن ما يخشاه من الغلط والكذب في حديث رسول الله صلى الله وسلم، قد تكفل المحدثون بأمره، فأنشأوا علوم الحديث لهذا الغرض، وابتكروا أدق منهجية لتصنيف الرجال والأحاديث، مما يحسدنا عليه المستشرقون؛ فيظل منكرا لهذا الفضل، بل ومشككا فيه، وكل هذا من أجل أن تبقى الكلمة العليا لعقله؛ بل للعقل الغربي المفصول عن الوحي، وهذه هي الحقيقة المُرّة، التي على الطاعنين أن يقروا بها، بل هم يقرون بها عندما تعتريهم الوقاحة أحيانا.

إن المعركة الفكرية اليوم مع هؤلاء الطاعنين، هي في الحقيقة معركة مع سطوة الفكر الغربي على العقول، وادعائه النهائية في كل شيء: في السياسة والاقتصاد والحقوق والحياة الاجتماعية وهلم جرا.

فلم يبق في العالم اليوم – إلا القليل - من يستطيع أن يواجه صلف الفكر الغربي، ويثبت تناقضاته وتهافت نتائجه، حتى في أشهَرِ ما يختال به على الناس، في الأنظمة السياسية والاجتماعية وغيرها.

لكننا مستيقنون أن مواجهة هذا الفكر متيسرة، إذا تسلح العالِمُ بهدي القرءان، وبيان السنة، وأصول العلم الصحيح المتوارث بين العلماء جيلا بعد جيل، بشرط أن يُفرغ هذا العالِمُ قلبه من الإعجاب بالغرب الفاتن، الذي أذكى الشهوات، وأشاع الشبهات، وعوّق العقول.

هل عجز الطاعنون عن مواجهة الفكر الغربي بالحجة والدليل، بما يثبت تهافته وشروده؟ هل يتذرعون بأن شرط منافسة الغرب، تبدأ من نقد الذات، كما فعل الغرب نفسه حينما تمرد على ذاته، فوُلد من جديد!؟ هل يقيسون دينهم وتاريخهم وتراثهم على الغرب؟ أليس هناك خصوصية حضارية، تقتضي اختلافا في الشروط والأسباب والموانع؟ هل ضاق فكر الطاعنين أن يتصوروا عالما دنيويا، أرحب من العالم الذي مكن الله تعالى الغرب من صنعه، ابتلاء لهم ولغيرهم؟ هل صدقت توقعات فوكوياما، حينما غمز العالم الإسلامي في كتابه نهاية التاريخ (ص 56)، بأنه لن يستطيع مفكروه أن يأتوا بأفضل مما جاء به الغرب؟ هل صار الغرب هو منتهى أمل الحالمين، في الوقت الذي يؤول أمره إلى موت محتوم باعتراف عقلائه؟

هل بلغ البؤس مداه بهؤلاء الطاعنين، حينما انحصر عندهم طريق الخلاص من تخلف الحاضر، في الصورة البئيسة الآتية:

تكذيب السنة،

ولعن أسلافهم الأولين،

وزعم الاهتداء بالقرءان.

السبت, 11 تشرين2/نوفمبر 2017 10:50

عن حفل العضوية أتحدث

يحرص مسؤولو حركة التوحيد والاصلاح في مناطقهم وفروعهم على إعطاء لقاء ترسيم العضوية للأعضاء الجدد نكهة خاصة، بحيث يستشعر العضو الجديد وقع التحول الذي يحدث عنده من متعاطف يحظى بالتاطير التربوي والفكري إلى عضو له حقوق وعليه واجبات. فتجد المسؤولين يبذلون جهدهم لإخراج هذا اللقاء في أحسن حلة وإبداع وسائل جديدة حتى يكون هذا اللقاء مختلفا عن سابقيه، فيتم استدعاء رموز الحركة وقيادييها في مثل هذه اللقاءات للتعريف بها وبأدبياتها وبمسيرتها التاريخية وباهم مكاسبها وإنجازاتها، كما يتم تقديم صورة عن نظامها الداخلي وهيكلتها وشروط وواجبات العضوية حتى تكون الصورة واضحة وجلية عند العضو الجديد. وقد يعرض في هذا اللقاء شريط تعريفي بالحركة، ومع التطور الذي عرفته الحركة أصبح التعبير عن الانتماء للحركة يتم في بعض المدن من خلال ملء استمارة تتضمن تعريفا بها مع بعض بنود النظام الداخلي لأن الانتماء للحركة هو انتماء إرادي حر ويحتفى بالأعضاء الجدد. فالأمر خاضع لإبداع المسؤولين واجتهادهم. إنه تتويج لمسار تربوي للشروع في مسار آخر.

تدوينة منقولة من الصفحة الرسمية للأستاذ محمد عليلو - مسؤول جهة الشمال الغربي وعضو المكتب التنفيذي للحركة

السبت, 11 تشرين2/نوفمبر 2017 10:47

بيعة جبرون

في رسالة استقالته من حزب العدالة والتنمية، والتي وجهها إلى الكاتب الإقليمي لحزب العدالة والتنمية بطنجة، قال محمد جبرون، حسب نص الرسالة التي نشرها على صفحته في الفايسبوك: (الأخ الفاضل الأستاذ محمد خيي، لقد انتميت لهذا المشروع وأنا تلميذ أواخر الثمانينيات، وبشكل قانوني يوم 01/01/1992م بين يدي الداعية الفاضل الكبير الأستاذ عبد الله شبابو، وكان الانتماء آنذاك يقتضي «بيعة» وألفاظا خاصة، ولا يتم فقط من خلال تعبئة أوراق. ومن العبارات التي أذكرها في هذا السياق والتي رددناها بين يدي الأستاذ عبد الله، ونحن نؤدي طقوس البيعة للحركة آنذاك: “وعيا مني بمسؤولياتي الحضارية…”)، انتهى.

وفي هذه الفقرة التي قدم بها الفاضل جبرون رسالة استقالة أمر غريب، فقد زعم أن الإنتماء”آنذاك”، يقتضي بيعة وألفاظا خاصة وطقوسا، وهو كمتخصص في التاريخ، وكباحث أكاديمي وناقد سياسي لا يعذر أبدا في الخطأ في اختيار المصطلحات والمفاهيم المناسبة التي يقدم بها مرحلة تاريخية من تاريخ مكون من مكونات الحركة الإسلامية تميز بتوثيق أدبياته.

وكشاهد على تلك المرحلة (انخرطت في عمل الشبيبة بين 1980 و1983، والتحقت بأسرة الجماعة (العدل والاحسان حاليا) خلال سنة 1984، وانتميت لجمعية الجماعة الإسلامية التي غيرت الاسم إلى حركة الإصلاح والتجديد منذ سنة 1985، وعايشت الوحدة الاندماجية التي أعطت حركة التوحيد والإصلاح الحالية، وانخرطت في حزب “الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية”، التي ستغير الإسم إلى حزب العدالة والتنمية، منذ لحظات إعادة هيكلته بدخول الإسلاميين إليه، إلى أن استقلت منه سنة 2008، ومن خلال هذا المسار الذي تدرجت خلاله في جميع المسؤوليات بما فيها المسؤولية الوطنية في التنظيم الطلابي لحركة الإصلاح والتجديد، وعضوية مجلس شوراها، بالإضافة إلى المشاركة في إعداد مشاريع أوراق المؤتمرات والتي كنت دائما في لجان المشاريع المتعلقة بالقوانين والمساطير، … لم أقف أبدا لا في أدبيات حركة الإصلاح والتجديد ولا في أدبيات التوحيد والاصلاح ولا في أدبيات الحزب، عن شيء اسمه البيعة لا تنظيرا ولا ممارسة. لذلك فالحديث عن البيعة كقاعدة في تنظيم الانتماء إلى حركة الإصلاح والتجديد زعم كاذب، لأنه نسب أمرا غير واقع لهيئة قائمة، وهنا ينبغي التمييز بين نسب الكذب للزعم من نسبه لجبرون، لأن هذا الأخير نستبعد أن يقصد اختلاق ذلك، والراجح أنه توهمه.

والخلاصة أن جبرون إذا كان يتحدث عن انتمائه لحركة الإصلاح والتجديد، فزعمه وجود بيعة بطقوس وألفاظ خاصة زعم كاذب، كما أشرت. أما إذا كان يتحدث عن ممارسة تخص الأستاذ شبابو في طنجة، فهذا شيء آخر لا يمكن بناء عليه تعميمه على الحركة.

لكن ماذا لو كان ذ عبد الله اشبابو قد انفرد في منطقته بمنهج خاص يعتمد البيعة؟

ذ. عبد الله اشبابو لم يتأخر في الرد على مزاعم جبرون، وكتب توضيحا في النازلة نفى فيه الواقعة التي أشار إليها، ونفى وجود البيعة سواء بطقوس أو بغيرها، ومما جاء في توضيحه الذي نشره على صفحته في الفيسبوك: “… وهنا لابد أن أعلن للرأي العام ولكل قارئ لنص الاستقالة أن ما ذكره الأخ الكريم (جبرون) عن “الطقوس” و”البيعة” لا علم لي به أبدا، ولا أذكر أنني طيلة مسؤوليتي التنظيمية في الحركة منذ انفصال رافدها “جمعية الجماعة الإسلامية عن “الشبيبة الإسلامية” سنة 1983 قد اشترطت على أحد عند عرض العضوية عليه تقديم البيعة لأحد، ولا كان عرض العضوية على الأفراد يجري في إطار طقوس معينة، بل كان يعتمد على التعريف بالحركة و مبادئها وأهدافها، ويجري في لقاء عادي لهذا الغرض مع المتعاطفين، … وأخيرا أؤكد مرة أخرى أنني وجميع من عرفته من مسؤولي الحركة لم نتداول مفهوم “البيعة” في جلساتنا التربوية ولقاءاتنا التنظيمية وعند عرض العضوية منذ تقلدنا المسؤولية، وأن الحركة قطعت منذ سنة 1983 مع أي مفهوم أو مصطلح تربوي أو تنظيمي قابل للتأويل المغرض. وعلى ذلك الأساس غيرت اسمها، قبل الوحدة المباركة من اسم “جمعية الجماعة الإسلامية” إلى “حركة الإصلاح والتجديد” سنة 1992، وظلت تراجع وثائقها باستمرار منذ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا”.

وكلام ذ عبد الله شبابو واضح في نفي واقعة البيعة وما يرتبط بها لا بالنسبة له ولا بالنسبة للحركة ككل. فما الذي وقع لجبرون؟ وكيف نفسر ما ذهب إليه من مزاعم كاذبة؟ خاصة وأنه يتحدث عن واقعة وليس عن توصيف قد يخفق في اختيار المصطلحات التي تناسبه. الجواب الشافي هو عند السيد جبرون وحده.

لكن من باب تحمل المسؤولية فجبرون بحديثه عن وجود بيعة بألفاظ وطقوس خاصة، قدم الحركة التي انتمى لها كما لو تعلق الأمر بإحدى المنظمات السرية، وقد تلقفت فعاليات فايسبوكية منفلتة ومنابر إعلامية مغرضة زعمه الكاذب ذلك وجعلت منه المشرط الذي تفننت به في “شرملة” حركة التوحيد والإصلاح، وقد يُتخذ “شهادة من أهلها” في تغذية أطماع الضاربين على وثر أسطورة ربط تلك الحركة وحزب المصباح بتنظيم الإخوان المسلمين الذي يعتمد البيعة بشكل مؤسس ومقعد، تشهد على ذلك أدبياتهم. وهذه أضرار مجانية تسببت فيها تلك المزاعم الكاذبة، فهل يصحح جبرون خطأه؟

تعتزم حركة التوحيد والإصلاح افتتاح الموسم السابع من سلسلة دروس سبيل الفلاح بمحاضرة للعلامة المقاصدي الدكتور أحمد الريسوني؛ نائب رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين وعضو المكتب التنفيذي للحركة، في موضوع "الاختيارات المغربية في التدين والتمذهب"، يوم الجمعة 5 ربيع الأول 1439هـ/ 24 نونبر 2017م، على الساعة الخامسة والنصف مساء، بالمقر المركزي لحركة التوحيد والإصلاح بالرباط.

وتعتبر مبادرة الحركة الدعوية التي وصلت موسمها السابع مبادرة وطنية نوعية بالنظر لتنوع وتعدد هذه الأعلام والتي شملت مختلف علماء المغرب ومفكريه ودعاته في العصر الحديث.

وتهدف هذه المبادرة إلى التعريف بالأعلام الوطنية وإعادة الاعتبار لهم وإبراز البعد الوطني والأصالة المغربية للحركة الإسلامية المعاصرة وتقديم جزء من تاريخ المغرب والذي يعد الأكثر تعرضا للتفريط والنسيان.

الإصلاح

رحل إلى دار البقاء، الحاج محمد العيساوي المسطاسي؛ آخر الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال الذي كان على قيد الحياة، أمس الخميس 09 نونبر 2017، أحد أعلام مدينة مكناس، عن سن يناهز 93 سنة.

وأقيمت مراسيم جنازة الفقيد، اليوم الجمعة بعد صلاة الظهر بمسجد الأنوار، وووري جثمانه بمقبرة سيدي مسعود قدماء المحاربين، حسب ما أورده أحد أبناء مكناس المهتمين برجالاتها وتاريخها وتراثها الثقافي الاستاذ الباحث علي زيان.

وقد شارك المقاوم المسطاسي الذي التحق بصفوف الحركة الوطنية سنة 1934 في المظاهرات الاولى ضد الوجود الفرنسي كما كان من بين الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال “التي تم إعدادها في سرية تامة” وقدمتها الحركة الوطنية إلى المغفور له محمد الخامس في 11 يناير 1944. رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته وألهم ذويه الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الإصلاح

سيرة المناضل محمد العيساوي المسطاسي