الجمعة, 19 تشرين1/أكتوير 2018 09:51

من معوقات السير إلى الله

يذكر شيخنا الجليل إبن قيم الجوزية رحمه الله في كتاب الفوائد:"أن الهمم العالية والمطالب السامية، وكيفية الوصول إليهما إنما يكون بالنية الصحيحة وبقطع العوائد  والعلائق والعوائق ".

أولا: احذر غائلة العوائد

ما المقصود بالعوائد ؟

العوائد هي ما اعتاده المرء من الأمور التي تحجبه عن الله والدار الآخرة.

العوائد هي الأحوال التي بدل أن تكون طريقا موصلا إلى الله، تصير مانعا من الوصول إليه.

من العوائد أن تصير عند المرء الدعوة إلى الله روتينا وعادة، عوض أن تحيا بها قربة وعبادة.

من العوائد أن تطمئن النفس إلى التوسع في المباحات وترفعها مكان الضروريات، فتضحى هذه العوائد فخا منصوبا من الشبهات، والشهوات، والمحرمات، وما أفنى أمما، وأباد حضارات، وزج في المهالك أفرادا، إلا فناؤهم في الركض خلف المباحات.

من العوائد أن تألف النعمة، وكأنها حق مكتسب، وكسب مستحق. والصواب أن يعتاد العبد الحمد، والشكر على النعمة، لا أن يألف النعمة ويتعود عليها حتى تصير عطاء مطغيا، ورزقا منسيا.

يقو ل إبن قيم الجوزية عن العوائد:"وهذه أعظم الحجب والموانع، بين العبد والنفوذ إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم".

ثانيا: إذا علمت العوائد فاحذر العوائق.

ذكرنا شيئا من معنى العوائد. فما هي كلمة العوائق التي ذكرها إبن القيم رحمه الله ؟

العوائق في اللغة هي الحواجز، الشواغل، الموانع، العقبات، والمثبطات... ولقد أشار كتاب الله لهذا المعنى في قوله تعالى في سورة الأحزاب " قد يعلم الله المعوقين منكم.."، أي المثبطين منكم، والمانعين لإخوانهم من الخروج في سبيل الله.

الطريق إلى الله، طريق طويلة، وهي تقطع بالقلب لا بالقدم، بالجنان لا بالأبدان، طريق سار فيها المصطفون الأبرار من أفضل خلق الله على مر الأزمان والعصور، يقول إبن رجب رحمه الله ( فأفضل الناس من سلك طريق النبي صلى الله عليه وسلم، وخواص أصحابه في الاجتهاد في الأحوال القلبية في سفر الآخرة، إذ يقطع بسير القلوب لا بسير الأبدان ).

وإذا كانت العوائد تمنع السائر من الطريق إلى الله،  وتحبسه عن الوصول إلى مرضاته، نتيجة إلفه لعادات سفلية دنيئة...، فإن العوائق تثبط العبد وتشغله كذلك عن السير إلى الله. وهذه العوائق على اختلاف مسمياتها، وتعدد صورها، فمردها إلى أصلين: الشبهات والشهوات. فانظر معي- حفظك الله- إلى انحرافات الناس ومخالفاتهم، تراهم إما فتنوا ببريقهما الخادع - أي الشبهات والشهوات- ، أو سحبوا إليهما بمساحب الغفلة والضعف....،  فكل شرك أو بدعة أو معصية، أصلها إما شبهة أو شهوة. والطريق إلى الله محفوف بعوائق الشهوات، وحواجز الشبهات.

الاغترار بالعمل

وهو من أخفى العوائق التي تترصد السائر إلى الله،  إذ يغتر العبد بعمله، فبدل أن يكون العمل عونا لصاحبه في سيره، يصير عائقا في طريقه، فالمطلوب ألا يرى العبد عمله...، بل عليه أن يدرك منة التوفيق الرباني تحيطه، ويستحضر معها في الوقت نفسه، قصور عمله وعيوب نفسه، مهما اتقى وأصلح، فمازال العبد متهما لنفسه بالضعف، ناعتا إياها بالتفريط بقدر ما هو سائر إلى الله، فإن كان غير ذلك، فهو جاهل بلوازم الزاد وحقيقة الطريق السائر فيها.

ثالثا: تعلق بالله لا بسواه

إن أشد أنواع التيه، أن يتعلق قلب العبد بالأشياء التافهة،  والأعراض الزائلة، ولنجملها في أوجز عبارة، إنها التعلق بما سوى الله. وهي حالة قلبية شاردة وشاذة عما فطر عليه هذا الإنسان، وتجل لواقع النفس المأسورة بسلاسل العوالق الوهمية والزائفة.

لقد سجل البيان الإلهي، والمدونات التاريخية، في مسيرة الإنسانية العديد من حوادث الإصرار والإمعان في التعلق بغير الله، على الرغم من بعثة الرسل والأنبياء إلى العديد من الأمم والحضارات، لكنها ذلت بعد عز، وهلكت بعد تنعم، وبادت بعد تشييد وعمران.

لكن ومع كل هذه الشواهد والشهادات القرآنية والتاريخية، يغفل الإنسان -وإلى اليوم- عن هذه الحقيقة ويمعن هو الآخر في التعلق بمن صفته الفقر، وحاله العوز، فقد كذب- والله -من ادعى أنه ماض في طريق العبودية لله، لكنه علق قلبه بما سواه، حبا ورجاء، خوفا وطمعا، دعاء وطلبا..

إن العوالق هي القواطع...، لأنها تقطع العبد عن الله والدار الآخرة...

إن العوالق هي التي تنسي العبد الحكمة من وجوده؟والسر في خلقه؟ والمصير الذي ينتظره...

العوالق عذاب في الدنيا قبل الآخرة، وحسرة ما بعدها حسرات، يقول إبن القيم:"كل من أحب شيئا غير الله عذب به ثلاث مرات في هذه الدار،  فهو يعذب به قبل حصوله حتى يحصل، فإذا حصل عذب به حال حصوله بالخوف من سلبه وفواته، فإذا سلبه اشتد عذابه عليه، فهو ثلاثة أنواع من العذاب لهذه الدار".

ما علاج هذا الداء المركب من العوائد والعوائق والعوالق؟ إنه عقار واحد لا ثاني له، اسمه وعنوانه "حب الله ". فهو العلاج الأوحد لهذا الداء والذي نتج عن محبة غير الله والاعتماد على ما سواه، ولا يحصل الشفاء إلا بمغالبة حب بحب، وبقهر حب الأغيار بحب الله تعالى.

أسال الله جل جلاله ان يجعل قلوبنا اوعية لنوره، وأن يملأ قلوب المحبين بمزيد من محبته

بنداود رضواني