Wednesday, 25 January 2017 12:37

من الحداثة إلى الحداثات

كتبه

اتصل بي صديق قبل 10 سنوات  وطلب مني أن أزوده ببعض الأفكار حول الحداثة لأنه كان سيشارك في برنامج متعلق بالحداثة. وأخبرته أنذاك  ليس هناك حداثة واحدة بل هناك حداثات. ولكل حداثته. فالدول الأسيوية لها حداثتها والأوربية كذلك... وفي هذا الإطار لا بد من التمييز بين الحداثة والتغريب. لأن الحداثة تدفع إلى النمو والتطور والتغريب يؤسس للتبعية والتقليد، والنمو البطيئ لأن المنطلق كان خاطئا. فرد علي قائلا إذا كانت الحداثة تساعد على النمو والرقي.فإن الحداثة هي التجديد الذي هو سنة شرعية وكونية. فأجبته بإنه لا مشاحاة في المصطلح المهم هو الوعي بعمق المصطلح وتفعيل مضمونه بدل الانشغال بالدفوعات الشكلية.

اعتمادا على هذا التمهيد نكون قد توافقنا مع  مايجري اليوم على مستوى أكاديمية المملكة التي ستناقش مواضيع تهم الشعار التالي : من الحداثة إلى الحداثات. في دورتها 44 ما بين 24 و 26 يناير. بمشاركة 12 دولة. و22 خبيرا. ومضمون هذا النقاش يتمحور حول مساءلة الحاضر بإضاءة الماضي. وإيجاد الخيط النابض بين التجديد والحداثة.

ورغم أن الحداثة ثقافة كونية رغم بعض التناقضات. لأن الإشكال ليس تحضير نموذج واحد يقتدى به من قبل الجميع، ولكن هناك معطيات يجب استحضارها واهمها الأخذ بعين الاعتبارة التنوع المرجعي المولد لتباين وتنوع المعايير وبذلك يتم التناغم لإنه تنوع تكامل وليس تنوع تضاد. وإن لم يحترم هذا المنحى فسيحصل الاضطراب وعدم الثقة في الاختيارات الفكرية لأنها بعيدة عن الموضوعية وغارقة في الذاتية.

ومساهمة في هذا النقاش يمكن أن أؤكد على أن نجاح الحداثة  أو الحداثات مرتبط بالقضايا التالية:

1/ ليس هناك حداثة مثالية بل هناك حداثات تتكامل من أجل رسم معالم منظومة الرحمة  التي يجب أن تسود بين الأفراد والجماعات.

2/ انطلاقا من الواقع المعيش المزري حيث الإرهاب والقتل والماسي المتكررة. فإن تأهيل العقليات لمنطق التعايش المعرفي واجب حضاري ومنهجي واجتماعي . هذا التطور ينمو وهو دينام وليس ميكانيكيا.

3/ الاستفادة من الدراسات التاريخية والانتر بولوجية أثناء التنظيرالواقعي.  والإيمان القوي بالتنوع، وربط الحداثة بالقيم التي تشكل معيارا للسلوك البشري. إذن هل نحن قادرون على نسج مثاقفة بنيوية.

4/ الحداثة ليست وجبة جاهزة وإنما هي نضال فكري ورسالة مستمرة وتفاعل مع الجميع في إطار الإنسانية والحكامة وخدمة الصالح العام.

5/ اعتماد الحداثة على المعرفة وجيل من الإصلاحات ومواجهة التحديات والترقية الدائمة للتيمات الواقعية. والتي تتطلب الإرادة القوية غير المنهزمة.

6/ الحداثة سياسة فكرية مفتوحة ومستوعبة وغير منغلقة تسعى إلى عقلنة الاختيارات وتنظيم المعارف وترشيد الأولويات عن طريق حسن اختيار التيمات والانفتاح على اللغات والثقافات  والهويات من أجل التنوع والغنى...

7/ الحداثة ورش يعتمد على قواعد تتحكم فيها جدلية الثابت والمتحول، والمأسسة، والجمع بين البيئة الوطنية والدولية، ودعم البحث العلمي، والتوقان إلى عالم رقمي وذكي غير منفصل  عن القيم الكونية..

8/ الحداثة استئناس بالماضي وبناء للحاضر وتوقان للمستقبل، في إطار حسن تهيئة البنية التحتية للإبداع والتجديد والمعرفة والاكتشاف، واستثمار كل الطاقات والكفاءات والنخب بعيدا عن العطالة ولغة لعن الظلام وغرس روح إشعال النور.

9/ الحداثة وسطية واعتدالية تعتمد منطق التدرج  والتيسير والعدل من أجل بناء دفتر تحملات كوني أهم بنوده التعايش و الحرية والعدل والخير والكرامة والانسانية بناء على الثلاتي الازرق الحب والتعليق والتقاسم.

نخلص من هذه الدردشة التي ولدتها الندوة المنظمة من قبل أكاديمية المملكة مشكورة، أؤكد على أن كثيرا من الناس يتبنى الحداثة والديمقراطية لكنه غارق في عكس ذلك، لأن المصطلحيين يتطوران بتطور الزمان والمكان والأحوال والجغرافية والتاريخ ، والأهم أن الأمر متعلق بسلوك حضاري إنساني يعتمد المودة والرحمة. وليست شعارات منفلتة.