الإثنين, 29 أيار 2017 09:56

مزالق الاشتغال المقاصدي المعاصر

أظن أن الإمام الشاطبي(790هـ) غير راض عما آل إليه البحث في المقاصد اليوم.

ذلك أنه ألف كتابه الموافقات، ليرشد المجتهدين إلى طريق رد الفروع إلى كلياتها، والأفعال إلى مقاصدها، كي يُعلم الراجح من المرجوح، وكي يؤول الخلاف بين الفقهاء إلى الانحصار فيما هو محتمل غير منكر، وكي يمتنع المكلف عن طلب الحيل فرارا من الأحكام.

في حين، صار معظم البحث اليوم في المقاصد، يهدف إلى النظر في ملاءمة الأحكام والنصوص، بالفكر المتغلب أصحابه اليوم، أعني الفكر الغربي، ملاءمةً يشتغل بها بعض المعاصرين، تحت مسمى الاستفادة من الحكمة البشرية، كي لا تنعت الشريعة في ظنهم، بالتخلف عن مواكبة المستجدات.

وهكذا اعتبر بعضهم أن المعمول به من القوانين الغربية المترجمة، في الدول الإسلامية، مندرج في ما تطلبه الشريعة من المكلف، ولم يستثن من ذلك إلا القانون الجنائي.

ثم صار يطمع هذا القائل في إلغاء بعض أحكام الجنايات من الشريعة، كحد الرجم أو حد الردة أو عقوبة الإجهاض أو بعض تفصيلات الدية، بل جرؤ بعضهم على رد الحدود المنصوصة في القرءان، وكل هذا بذريعة تعارض هذه العقوبات مع الكليات.

وبعضهم سهُل عليه باستعمال المقاصد، الاعتراض على تعدد الزوجات، وبعضهم يحوم حول نظام الإرث ليغيره بالدعوى نفسها، أي النظر في مقاصد الأحكام، بل قد صرح بعضهم بجواز أن يرث المسلم من الكافر مطلقا، خلافا للنص الصريح في المنع.

وفي السياسة، شجع كثير منهم الثورات لتحقيق مقصدي العدل والحرية، لكن تحقق عوضهما سفك الدماء وخراب البلاد، ولم يتحقق عدل ولا حرية، فكان الشأن كقول القائل: "لا ماءَكِ أَبْقَيْتِ ولا دَرَنَكِ أَنْقَيْتِ"، أو قول الآخر: "أردت عمرا وأراد الله خارجة".

قلت: وما ذكرناه أعلاه هو أمثلة من جزئيات الأحكام. ولكنهم تجاوزوا الجزئيات، بهذا النظر "المقاصدي" ذاته، إلى مراجعة بعض أصول الاستدلال:

فمنهم من يسارع إلى رد النصوص الحديثية بأدنى تعليل فقهي، أو شبهة متوهمة.

ومنهم من يقلل من شأن الإجماع، ولهذا ردوا حكم الردة وهو مجمع عليه عند الفقهاء.

ومنهم من ينكر النسخ مطلقا، ويدعي أن النص المنسوخ يمكن العمل به إذا تحققت علته.

1 -     طوفيون في عباءة الشاطبي:

إن ما يقوم به هؤلاء المشتغلون بالمقاصد اليوم، لا يعدو في نظرنا، أن يكون توسيعا لما بدأه نجم الدين الطوفي(716هـ)، حين صرح بتقديم المصلحة على النص، في شرحه لحديث (لا ضرر ولا ضرار). وقد عاب عليه العلماء حينئذ، وردوا عليه، بل زندقه بعضهم، لأنه تجرأ على رد النص الشرعي بدعوى معارضة المصلحة.

أما الشاطبي، فهو بريء من أبحاث معظم هؤلاء المعاصرين، وإن ادعوا أنهم منه. فإن الشاطبي، وقد جاء بعد الطوفي بقليل، لم ينكر عليه أحد من العلماء، ولا بدّعوه، ولا رأوا في أبحاثه اجتراء على النص، لأنه لم يفعل أكثر من توسيع الكلام في أبحاث المقاصد، وتجميع المتفرق منها، ففهم العلماء كلامه، ورأوه مندرجا في سياق تحرير الكتابة في أصول الفقه.

فمن الظلم البالغ للعلماء وقتئذ، أن يقال فيهم إنهم لم يقدروا للشاطبي قدره، ولا استثمروا موافقاته، بل ولا فهموه، حتى مر على وفاته خمسة قرون أو تزيد، فاكتشفه محمد عبده(1323هـ) أو غيره، وجعله تكأة لما ينبغي أن يلاءم من أحكام الشريعة بالفكر الغربي الغازي.

فصدق إذن ظن الشاطبي في هؤلاء المكتشفين الجدد لكتابه، وهو أن يصير لهم فتنة بالعرض، وإن كان حكمة بالذات.

2 -     لسانُ من لا لسان له:

لو نظرت في المتكلمين في مقاصد الشريعة اليوم، لوجدتهم خليطا من الناس؛ فمنهم طلاب الشريعة، ومنهم متخصصون في القانون أو التاريخ أو الفلسفة أو الطب أو اللغة أو غير ذلك. بل منهم العلمانيون القائلون بفصل الدين عن الحياة.

كل هؤلاء وغيرهم، يجري على ألسنتهم لفظ المصالح والمقاصد، وبه يصولون فيما يكتبون أو يناظرون.

وهناك عبارة تلخص عموم هذا اللسان عند هذا الخليط من الناس، وهي وصف أحدهم الاهتمام بالمقاصد بـ"التوطين"، ويعني به تأسيس الفكر الإسلامي المعاصر على هذه الأبحاث المقاصدية، أو استقرار الاهتمام بالمقاصد في ديار الفكر الإسلامي استقرارا تاما.

ولهذا بدأت تنتشر بعض اللقاءات العلمية، التي يقول أهلها إن غرضها هو تخريج طلبة علم مقاصديين، قادرين على الاجتهاد؛ فيعقدون لهم دورات تدريبية من أيام أو ساعات، من أجل هذا التخريج.

ولا يخفى عليك أن هؤلاء المتدربين وقت الاختيار أو التدريب، لا يشترط فيهم ما شرطه العلماء في المجتهد، من معرفة جيدة بعلوم اللغة وبأحكام الشريعة وبقواعد أصول الفقه، ومن قدرة على استحضار النصوص المستدل بها على الأحكام ومعرفة صحيحها من سقيمها وناسخها ومنسوخها، ومن معرفة بمواقع الإجماع والاختلاف وغير ذلك من الشروط.

فنخشى أن ينشأ جيل من المتحدثين في الشريعة – وقد بدأ ينشأ – يحسب أنه بمعرفة المقاصد تنجمع له علوم الشريعة، فيكون قد طوى في وقت قصير ما كان العلماء يجمعونه في زمن، أو يحسب أنه قد انكشف له الغطاء فصار يغرف من عين الشريعة بغير دلاء أو حبال. والله المستعان.