الأربعاء, 01 تشرين2/نوفمبر 2017 12:38

لماذا يجب على بريطانيا الاعتذار عن وعد بلفور

حتى هذه اللحظة؛ لا يبدو أن الحكومة البريطانية تميل إلى مراجعة سلوكها الاستعماري في فلسطين، الذي أدى إلى إنشاء الكيان الصهيوني على أرضها وإلى الكارثة التي أصابت شعبها، فاقتُلع من معظم أرضه ودُمّر نسيجه الاجتماعي، وأصبح غالبية أبنائه من اللاجئين. وما تصريحات رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي المتعجرفة والتي تفخر فيها بوعد بلفور وإنشاء "إسرائيل" إلا دليلا على ذلك.

حاولت السياسة البريطانية طوال عقود ادعاءَ أنها سعت أثناء احتلالها لفلسطين 1917-1948 إلى عدم الإضرار بالشعب الفلسطيني...، وأن سياق الأحداث هو الذي أدى إلى تلك النهاية المأساوية لهذا الشعب.

وسنورد فيما يلي عشرة أدلة ومؤشرات على العقلية السياسية الاستعمارية البريطانية التي لم تكن تأبه لإرادة الشعب الفلسطيني، وأن السياسة البريطانية تعمدت الخداع والكذب، وتنكرت لعهودها للفلسطينيين والعرب، ومارست على الأرض إجراءات تعلم أنها ستؤدي إلى نتائج كارثية للفلسطينيين، وتعمدت قمع الشعب الفلسطيني، وحرمته من تطلعاته للحرية والاستقلال:

1 - بالإضافة إلى مراسلات الحسين/مكماهون التي تمت خلال 1915-1916، وفهم منها الشريف حسين والعرب أن فلسطين ستكون تحت الحكم العربي بعد جلاء العثمانيين عنها؛ فإن بريطانيا قدمت ثلاثة وعود أخرى صدرت كلها بعد وعد بلفور، وفهم منها العرب أنها جاءت مُلغية لوعد بلفور ومُطمئنة لهم بشأن مستقبل فلسطين.

أولها كان "تأكيدات هوغارث" في يناير/كانون الثاني 1918. وثانيها "التصريح البريطاني للسوريين السبعة" في يونيو/حزيران 1918. وثالثها "التصريح البريطاني الفرنسي" في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1918، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى مباشرة، وبعد استكمال احتلال فلسطين. وفيها التزمت بريطانيا بالحقوق السياسية والاقتصادية للفلسطينيين والعرب وبعدم الإضرار بها.

2 - التزمت بريطانيا -أثناء احتلالها لفلسطين- بتطبيق الشق الأول من وعد بلفور بإنشاء "وطن قومي لليهود في فلسطين"، لكنها لم تلتزم بشقه الثاني الذي يتضمن عدم الإضرار بحقوق الفلسطينيين الذين كانوا يشكلون في ذلك الوقت نحو 92% من السكان، وفق التقديرات البريطانية نفسها.

3 - تنكرت بريطانيا لجوهر مهمتها كقوة انتداب وفق ميثاق عصبة الأمم؛ فقد حصلت بريطانيا على غطاء دولي في 24 يوليو/تموز 1922 يُعيّنها منتدبة على فلسطين.

وجوهر فكرة "الانتداب" -وفق ميثاق عصبة الأمم- ينص على أن تقوم القوة المنتدبة بمساعدة الشعب الواقع تحت الانتداب على بناء مؤسساته السياسية والاقتصادية والمجتمعية، وتهيئته للحصول على الاستقلال، وهو ما لم تلتزم به بريطانيا إطلاقاً تجاه شعب فلسطين. ورغم أن بريطانيا أدخلت وعد لفور ضمن وثيقة الانتداب؛ فإن ذلك لم يُعفها من مسؤوليتها تجاه شعب فلسطين.

4 - تعمّدت بريطانيا تبنّي سياسات تعلم أنها ظالمة تجاه الفلسطينيين مع سبق الإصرار: فرغم الدعاية البريطانية، فإن تطلعات الشعب الفلسطيني لم تكن تستحق الاهتمام بالنسبة للزعماء البريطانيين.

فمثلا، كتب بلفور إلى اللورد كيرزون (الذي أصبح وزيراً للخارجية بعده) في 11 أغسطس/آب 1919 قائلاً إنهم في فلسطين لا يرغبون في استشارة الناس حول تطلعاتهم، إذ إن القوى العظمى -على حدّ تعبيره- ملتزمة تجاه الصهيونية، "وأياً تكن الصهيونية حقاً أم باطلاً، جيدة أم سيئة، فإنها أهم بكثير من رغبات ومظالم السبعمائة ألف عربي المقيمين الآن في هذه الأرض القديمة".

أما وزير المستعمرات ونستون تشرشل فذكر في مجلس العموم البريطاني في 9 فبراير/شباط 1922 أن السياسة البريطانية في فلسطين "معتدلة"!! فهي "تسعى من جهة لإقناع طرفٍ ]العرب[ بالإذعان، وإقناع الطرف الآخر ]اليهود[ بالصبر".

أي أن ما كان يسميه الساسة البريطانيون اعتدالاً هو عملية إخضاع منهجي للفلسطينيين، لكنها عملية متأنية متدرجة تستدعي الصبر وعدم العجلة من اليهود الصهاينة. كان المطلوب إنشاء "الوطن اليهودي" بطريقة ذكية متدرجة لتتجنب قدر الإمكان ثورات الفلسطينيين والعرب التي قد تعطل المشروع، والتي قد تزيد تكاليف الاحتلال البريطاني لفلسطين.

ولذلك، عندما قرر رئيس الوزراء البريطاني رامزي ماكدونالد سنة 1931 تعيين مندوب سامٍ جديد لفلسطين؛ قال لرئيس الحركة الصهيونية العالمية في ذلك الوقت حاييم وايزمن إنه يريد أن يُعيّن "جنرالاً يقوم بتنفيذ الأمور برأسه (بعقله) وليس بقدمه"!!

ويتسق هذا السلوك مع إصرار الحكومة البريطانية على رفض توصيات لجنة كنغ/كرين الأميركية الرسمية سنة 1919، والتي قالت إن إنشاء دولة لليهود في فلسطين لا يمكن أن يتم دون إحداث أخطر انتهاكٍ للحقوق المدنية والدينية لغير اليهود في فلسطين.

كما تجاهلت الحكومة البريطانية تصويت مجلس اللوردات البريطاني ضد السياسة البريطانية في فلسطين -بأغلبية 60 عضواً مقابل 29 عضواً- في 21 يونيو/حزيران 1922، لأنه وجد أن سياستها الانتدابية مرفوضة بشكلها الحالي، لأنها تنتهك بشكل مباشر تعهدات الحكومة البريطانية تجاه شعب فلسطين.

5 - تعمّد تعيين مسؤولين وموظفين بريطانيين مؤيدين للصهيونية في فلسطين. وقد أشار إلى هذا السلوك مثلاً رونالد ستورز الحاكم البريطاني للقدس (1917 - 1926) مؤكداً أن الذين يظهرون تعاطفاً مع العرب "كان يُتخلص منهم" (were eliminated).

6 - اتباع سياسة الحكم الاستعماري المباشر: فرغم أن السياسة الاستعمارية البريطانية العامة كانت تميل إلى الاستعمار غير المباشر عبر حكام محليين يتبعون سياستها ويعملون تحت سقفها، فإنها في فلسطين عمدت إلى الحكم المباشر؛ فكان المندوب السامي هو "الملك غير المتوَّج" الذي يملك صلاحيات تكاد تكون مطلقة.

وفي الوقت نفسه؛ رفضت بريطانيا بإصرار تشكيل حكومة فلسطينية ولو تحت إشرافها، كما رفضت عقد انتخابات برلمانية تمثّل بشكل صحيح سكان فلسطين. وتحكمت في كافة الوزارات والمؤسسات السياسية والاقتصادية والتعليمية والقانونية بفلسطين.

7 - تعيين مندوبين سامين بخلفيات عسكرية عالية: فقد كانت فلسطين تحت الحكم العسكري البريطاني المباشر في الفترة 1917-1920، حيث حكمها موني ثم واتسون ثم بولز، وكلهم جنرالات في الجيش البريطاني. وعندما تحولت إلى الحكم المدني تولت منصبَ "المندوب السامي" شخصياتٌ متقاعدة من السلك العسكري في أغلب الأحيان.

فاللورد بلومر (1925 - 1928) وصل إلى مرتبة فيلد مارشال، وجون تشانسلور (1928 - 1931) كان ضابطاً بقسم الاستخبارات في وزارة الحرب، وآرثر واكهوب (1931 - 1938) كان جنرالاً، وكذلك جون جورت (1944 - 1945)، وآلان غوردون (1945-1948) كلاهما كان جنرالاً.

وبالنسبة لهربرت صمويل (1920 - 1925) فكانت تكفيه خلفيته كيهودي صهيوني وكوزير داخلية سابق في الحكومة البريطانية، أما هارولد مكمايكل (1938 - 1944) -الذي كان مستشرقاً- فإن معظم فترة حكمه كانت فلسطين فيها تحت الأحكام العسكرية العرفية، بسبب الثورة الفلسطينية ثم الحرب العالمية الثانية.

8 - إعادة تشكيل وبناء النظام القضائي والقانوني بما يتوافق مع سياسة بريطانيا في فلسطين، وبما يعطيها الغطاء لقمع الثورات والانتفاضات، وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم، وتسهيل الهجرة والاستيطان اليهودييْن، وتحويل ملكية الأراضي وإعطاء الجنسية "الفلسطينية" لكل المهاجرين اليهود.

وقد تولى المهمة في العشرينيات اليهودي الصهيوني نورمان بنتويش الذي تولى منصب المدعي العام، حيث أشرف على إصدار أكثر من 350 قانوناً ونظاماً. وكان الفلسطينيون يشتكون دائماً من مظالمه في الوقت الذي كان مكلفاً بحراسة "العدالة" في فلسطين!!

وأجازت السلطات البريطانية قوانين للعقوبات الجماعية، والاعتقال الإداري دون تهمة، وللمحاكم العسكرية، وللعمل بالإكراه.. وغيرها.

9 - رغم أن بريطانيا التزمت -من الناحية الرسمية- بإنشاء "وطن قومي لليهود"، وهو مصطلح فضفاض لا يعني بالضرورة إنشاء دولة، إلا أنها عملياً كانت تشتغل لإنشاء دولة لليهود. فمثلاً؛ عندما سُئل بلفور في 7 فبراير/شباط 1918 عن ذلك قال إن رغبته الشخصية هي أن يستخدم اليهود الفرصة لإنشاء "دولة يهودية"، مضيفاً أن الأمر يتعلق بهم "لقد أعطيناهم فرصتهم العظيمة".

كان فتح المجال لليهود لبناء مؤسسات الدولة وتقوية أنفسهم، ومنع الفلسطينيين من ذلك، هي السياسة المعتمدة وغير المعلنة أو غير المكتوبة التي تم تنفيذها. فأنشأ الصهاينة الوكالة اليهودية التي كانت تقوم بمهام مشابهة لمهام الدولة في فلسطين، ومن خلالها تم تطوير البنى الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية اليهودية.

وفي الوقت الذي سحقت فيه بريطانيا الثورات والانتفاضات الفلسطينية، خصوصاً في 1920، و1921، و1929، و1933، والثورة الكبرى 1936-1939؛ فإنها دعمت أو سمحت أو سكتت عن إنشاء قوات عسكرية وشبه عسكرية يهودية صهيونية، مثل الهاغاناه التي وصل عديدها سنة 1948 إلى نحو 64 ألف مجند (وهو أكثر من ضعفيْ الجيوش العربية التي دخلت فلسطين في مايو/أيار 1948).

وتشير الدلائل إلى أن المخابرات العسكرية البريطانية (MI4) ومعها فرع مخابراتي اسمه "العمليات الخاصة" (EX, SOE)، كان لهما دور مهم في إنشاء وتدريب الوحدات العسكرية الضاربة (قوات النخبة) في الهاغاناه المعروفة بالبالماخ سنة 1941.

كما أن الحكومة البريطانية سمحت في سنة 1944 للصهاينة اليهود بإنشاء وحدات عسكرية خاصة، بحجة دعم البريطانيين والأميركان في الحرب العالمية الثانية؛ ومع نهاية الحرب كان الصهاينة قد جندوا ودربوا 32 ألف جندي يهودي.

وهكذا، زاد عدد اليهود في فلسطين -تحت الاحتلال والإشراف البريطاني- 12 ضعفاً، من 55 ألفاً سنة 1918 إلى 650 ألفاً سنة 1948 (من 8% إلى 31.7% من السكان)، وتضاعفت ملكيتهم للأراضي من نحو 1.8% إلى 6% من أرض فلسطين.

10 - تجاهل أو إلغاء توصيات لجان التحقيق البريطانية: ومن ذلك تجاهل توصيات جون هوب سمبسون والكتاب الأبيض الذي صدر بناء عليها في تشرين الأول/ أكتوبر 1930، بإصدار "الكتاب الأسود" في شباط/ فبراير 1932 ملغياً هذه التوصيات التي أعطت بعض الروح الإيجابية للفلسطينيين.

ومن ذلك "الكتاب الأبيض" الذي صدر في مايو/أيار 1939، وتعهدت فيه بريطانيا بإنشاء دولة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنوات، وبمنع الهجرة اليهودية بعد خمس سنوات إلا بموافقة الفلسطينيين، وبحيث لا يزيد عدد اليهود على ثلث السكان، وبوقف بيع الأراضي لليهود إلا في أضيق نطاق. غير أنها ألغت هذا التعهد في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 1945 عندما أصدرت ما يُعرف بـ"تصريح بيفن" الذي كان حينها وزير خارجية بريطانيا.

إن النقاط العشر السابقة تثبت أن الحكومة البريطانية قامت بدور متعمد وبشكل واعٍ تماماً وعن سبق إصرار، بجعل فلسطين تحت أوضاع لا يمكن إلا أن تؤدي إلى أضرار كارثية بالشعب الفلسطيني. وتفتح المنطقة على سلسلة من الحروب والصراعات وسفك الدماء والمعاناة. وهي مسؤولية تاريخية لا يمكن التهرب منها، وعلى بريطانيا كخطوة أولى أن تقدم اعتذارها لشعب فلسطين عما تسببت فيه من كوارث لهم.

من الناحية النظرية، يبدو أن الاعتذار البريطاني عن وعد بلفور أمر ممكن، إذ سبق لبريطانيا أن اعتذرت عن دورها في تجارة العبيد في الحقبة الاستعمارية، كما اعتذرت عن تسببها في المجاعة بإيرلندا خلال القرن التاسع عشر.

غير أن هذا الأمر يبدو بعيد المنال في الواقع المعاصر لأسباب عديدة، أبرزها أن الطبقة السياسية الحاكمة (محافظون، عمال، ليبراليون) لا تميل إلى تقديم اعتذار كهذا للشعب الفلسطيني، لخلفيات سياسية أو دينية أو ثقافية أو مصلحية... وغيرها.

ولا تزال قطاعات بريطانية واسعة تؤمن بما يسمى "الحق التاريخي لليهود في فلسطين"، وتتعاطف مع الرواية الإسرائيلية ومع ما عاناه اليهود من مظالم تاريخية (معظمها على أيدي الأوروبيين أنفسهم).

كما لا يزال النفوذ الصهيوني أكثر حضوراً وقوة في أدبيات السياسة البريطانية. ورغم الحضور المتزايد للحق الفلسطيني في الأوساط البريطانية؛ فإنه ما زال أمامه شوط طويل للوصول إلى القطاعات الأوسع في الشارع البريطاني وإقناعها.

ثم إن هناك خشية كبيرة من أن يفتح الاعتذار البريطاني للشعب الفلسطيني الباب لمطالبات ضخمة تنوء بها الموازنات البريطانية، تعويضاً للشعب الفلسطيني. والوضع الحالي القوي لـ"إسرائيل"، والضعف والتشرذم العربي يسهمان أيضاً في إضعاف أوراق الضغط على بريطانيا.

كما أن الاعتذار البريطاني يفتح الباب على ملفات بالغة الخطورة في العقلية الغربية، مثل شرعية وجود الكيان الإسرائيلي نفسه، وواجبات المجتمع الدولي تجاه إعادة الحقوق للشعب الفلسطيني. وهو ما يجعل الاعتذار البريطاني مرتبطاً بحسابات لا تخص البريطانيين وحدهم، وتثير غضب الحلفاء الأميركيين واللوبيات الصهيونية في العالم و"إسرائيل" والعديد من القوى الغربية.

ولا يبدو أن السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية منشغلتان بشكل جدي بالاعتذار البريطاني عن وعد بلفور، خصوصاً أنهما قد وقعتا اتفاق أوسلو الذي يعترف بالكيان الإسرائيلي "وشرعيته" على معظم أرض فلسطين التاريخية، وأصبحت لديهما التزامات دولية بموجب ذلك.

ولذلك فإن ما تقوم به السلطة الفلسطينية لا يعدو تعبيراً عن المشاعر أو تجاوباً إعلامياً مع الساحة الشعبية الفلسطينية. بينما يحتاج الأمر إلى جهود هائلة منظمة وممنهجة على المستوى الفلسطيني والعربي والإسلامي والدولي، لتشكيل حالة ضغط غير مسبوقة لحشر النخبة السياسية البريطانية على الأقل في الزاوية.

وبالتالي لا تنبغي المراهنة كثيراً على اعتذار بريطاني في المدى القريب والوسيط. ومع ذلك، فإن أي جهد يتم بذله الآن في هذا الصدد من أفراد وخبراء وسياسيين وإعلاميين ومنظمات مجتمع مدني وغيرها... هو جهد يستحق التقدير، فلعله يصب في النهاية في إلزام بريطانيا بالاعتذار للشعب الفلسطيني.