الثلاثاء, 10 نيسان/أبريل 2018 13:04

كفاح غزة اللاعنفي نهج فلسطيني قديم

سجلت المظاهرات الجماهيرية في غزة -تحت عنوان "مسيرة العودة الكبرى" وبقيادة اللجنة العليا التي تضم مؤسسات حقوقية ومجتمعا مدنيا وفصائل وطنية وإسلامية- تطورا مهماً، ولكن الوصول إلى النجاح يتطلب مثابرة وصبرا وتضحية، والحرص على ألا تخرج الحملة عن مسارها أو يتم تسييسها لصالح هذا الطرف أو ذلك.

انطلقت الحملة السلمية -التي تعتبر من التراث النضالي الفلسطيني- في ذكرى "يوم الأرض" 30 مارس/آذار الماضي، ومن المقرر أن تصل ذروتها في يوم الذكرى السبعين للنكبة الموافق 15 مايو/أيار القادم، وذلك لتسليط الضوء ليس فقط على الموضوع الرئيسي -وهو العودة- ولكن على كل ما يتعلق بالحصار وغياب الأفق السياسي.

لا تعتبر المظاهرات السلمية والعمل الوطني غير العنيف أمراً جديداً على الشعب الفلسطيني؛ بل هناك أحداث كبرى تدل على وجود واستخدام أساليب الكفاح اللاعنفي فلسطينياً.

وذلك ابتداءً بإضراب الأشهر الستة عام 1936؛ ومروراً بقرارات مقاطعة الاستيطان وبضائعه، وإضرابات السجناء عن الطعام وعدم الالتزام بالتوقيت الإسرائيلي، وغيرها من أشكال اللاعنف التي كان أهمها فعاليات الانتفاضة الأولى؛ وانتهاءً برفض دخول المسجد الأقصى (صيف 2017) بشروط أمنية إسرائيلية واهية، وإغلاق كنيسة القيامة احتجاجا على فرض الضرائب على الكنائس في فبراير/شباط الماضي.

وقد سجل العديد من المفكرين والمناضلين الفلسطينيين أسماءهم من خلال الاحتجاجات اللاعنفية، منهم -في عصرنا الحالي مثالا لا حصرا- رئيس المركز الفلسطيني لدراسات اللاعنف بالقدس الدكتور مبارك عوض وغسان أنضوني وجاد إسحق من قادة العصيان المدني وعدم دفع الضرائب في بيت ساحور، ومنسق شباب ضد الاستيطان في الخليل عيسى عمرو.

وغيرهم كثيرون مثل نشطاء نعلين والنبي صالح والمعصرة وكفر قدوم ومقاومة الجدار، ونشطاء مخيم الصمود في أراضي صارورة قرب الخليل وغيرهم كثيرون.

وقد نتج عن ذلك أن غالبية من دعاة الكفاح اللاعنفي عانوا من الإبعاد والسجن؛ ففي عام 1988 أبعد الاحتلال الإسرائيلي مبارك عوض، وسجن إدارياً غسان أنضوني وجاد إسحق ورفاقهما، كما سجن عيسى عمرو (تم أيضاً إيقافه مدة قصيرة لدى السلطة الفلسطينية)، وكان هناك صدى عالمي كبير للمقاومة الجريئة من عائلة تميمي في النبي صالح، ودفعت العائلة ثمنا باهظا بسبب جرأة ابنتهم عهد التميمي.

هناك عدد كبير من الجنود المجهولين والقادة الفلسطينيين غير المعروفين، الذين كان لهم دور مهم في الكفاح اللاعنفي، وقد يكون سبب نجاح أعمالهم هو عدم ظهورهم العلني؛ مما وفر لهم العمل الفعال دون التعرض لخطورة الاعتقال والقمع والإبعاد.

إن غياب إستراتيجية متكاملة وخطط مدروسة وتطبيق حاسم لشروط الكفاح اللاعنفي، الذي يتطلب مثابرة وطول نفَس وعدم التراجع عند الخسائر الأولى؛ قد يكون السبب في غياب نتائج ملموسة لدى الممارسين للكفاح غير العنيف.

فمن أساسيات الكفاح اللاعنفي قناعةُ المشاركين فيه بأن ممارستهم النضال غير العنيف لا يلزم الطرف الآخر، وأن التضحيات قد تأتي بسبب استخدام اللاعنف في محاولة الطرف الآخر وأد الكفاح قبل أن يصل إلى مستويات كبيرة وضخمة عددياً.

وفي ظل عدم التوازن السياسي والأمني والمالي الحالي؛ فإن التضحيات التي تنتج عن الكفاح اللاعنفي أقل بكثير من خسائر الكفاح المسلح، التي لا ترافقها نفس الفوائد التي يتم الحصول عليها بالنضال السلمي.

ويؤكد المفكرون في مجال كفاح اللاعنف أن أهم مزاياه تكمن في استقطاب الرأي العام الدولي؛ فالكفاح الشعبي السلمي له فرصة كبيرة لحشد الدعم لقضية فلسطين العادلة، وسحب التعاطف والتأييد من إسرائيل وسياساتها.

وهذا التعاطف والدعم مبني -بالدرجة الأولى- على نقض الرواية الدارجة عالميا، والتي تعتبر أن إسرائيل تواجه تهديدات عسكرية لوجودها وكيانها، لا يملك العالم -بعد مجازر الحرب العالمية الثانية- أن يسمح بتكرارها.

تستغل إسرائيل وأصدقاؤها في الخارج هذه النقطة باستمرار في مواجهاتها مع الشعب الفلسطيني. ويؤكد المفكرون أنه حين ينجح الجانب الفلسطيني في حصر كفاحه في المقاومة الشعبية اللاعنفية؛ فإن إسرائيل قد تضطر إلى اللجوء للسلاح والعنف.

ولكن في تلك الحالة ستنقلب معادلة التعاطف والتضامن هي الأخرى، ويتآكل التعاطف مع إسرائيل في الوقت الذي يزداد فيه التضامن مع الشعب الفلسطيني وحقوقه العادلة.

إن من يقلل من أهمية هذا الأسلوب الناجع في الكفاح لا يعرف بتاتا ما يجري في العالم الخارجي، ولا أهمية الدعم الخارجي لشعب يناضل ليس فقط ضد إسرائيل، بل وأيضا ضد القوى العالمية برئاسة الولايات المتحدة. فالمقاومة الشعبية تستفيد من التحولات العالمية نحو العولمة، رغم أن تأثيرات ذلك على أرض الواقع قد تأخذ وقتاً طويلاً قبل أن نلمس مفعولها.

لا شك أن المقاومة الشعبية إستراتيجيةٌ طويلة المدى ولا يظهر مفعولها بشكل فوري، ويقال إن العنف كالقنبلة أو الرصاصة تعطي مفعولها فورا وبضجيج مسموع، بينما اللاعنف والمقاومة الشعبية كالبذرة تتجذر وتنمو وتؤتي أكُلها بعد حين.

إننا كثيراً ما نطالب بنتائج فورية، غير أن الواقع علمنا أن الصبر والمثابرة هي الطريقة الوحيدة للنجاح، ونتائجه -في الوقت ذاته- تنمو وتتفاعل مع التربة والهواء والماء، وتبقى طويلاً بعد أن يغيب صدى الانفجار وتُمحى آثاره وتزول.

إن خيار المقاومة الشعبية ليس هو الخيار الأسهل بتاتاً، ولا يخلو من التكلفة الباهظة والتضحيات المؤلمة، ويشهد صولات وجولات من الكرّ والفرّ والنجاح والفشل والإنجازات والاحباطات، كما في كل أنواع النضال؛ ولكنه هو الأكثر نجاعة وملاءمة لواقعنا الحالي.

فإذا تقرر الاستمرار في ممارسة مثل هذا الكفاح فلا بد من دراسته جيداً وممارسته بحكمة وفهم، وعدم السماح باستغلاله أو تغيير مساره، أو محاولة جني نتائج أولية سريعة منه على حساب النتائج الطويلة الأمد.

وفي حال غياب الالتزام بأساسياته ونظرياته؛ فإنه سينتج عنه الإحباط مجدداً والاستسلام لليأس، والعودة سريعاً إلى ممارسات وأساليب ثبت عقمها وعجزها.

المصدر : الجزيرة