Friday, 16 June 2017 10:43

قمة ملائكية كونية مصيرية في ليلة القدر

كتبه

في هذه الليالي العشر الأواخر من رمضان تنعقد قمة عالمية كونية سنوية مصيرية، يحضرها قادة أعظم من قادة أمريكا والصين وروسيا، وقادة بقية الدول العظمى، وقادة الدول المعظمون لتك الدول أكثر مما يعظمون الله جل جلاله إلا من رحم ربي وقليل ما هم.

إنها قمة ملائكية كونية يشهدها أمين السماء وقائد الملائكة جبريل عليه السلام وأقربهم إلى الله جل جلاله، فهو ينزل في ليلة القدر مع بقية الملائكة في مواكب مهيبة جليلة لا نراها ولكن نؤمن بها، ينزلون ليسلموا على الصائمين القائمين، ويبشروهم بفضل الله ورحمته، وينزلون لهم بمقادير السنة القادمة، فهي ليلة ذات قدر وتقدير، ذات قدر وشرف فهي خير من ألف شهر، وذات تقدير (فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا).

ففي هذه الليلة المباركة يتم كتابة مستقبل البشر والبشرية خلال عام كامل، فلهذا كان خير دعاء المسلم فيها ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم عائشة عندما سألته: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلةٍ ليلةَ القدر، ما أقول فيها، قال: قولي: “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”، رواه الخمسة إلا أبو داود.

قال السندي في “مرقاة المفاتيح”: وقد جاء في حديث رواه البزار عن أبي الدرداء مرفوعا: “ما سأل الله العبادُ شيئا أفضل من أن يغفر لهم ويعافيهم”، فهذا دعاء من جوامع الكلم، حاز خيري الدنيا والآخرة اهـ، وعن “أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ما من دعوة يدعو بها العبدُ أفضلَ من: اللهم إني أسألك المعافاة في الدنيا والآخرة” رواه ابن ماجه.

وقال عطية سالم: يقول بعض العلماء: كنت أعجب من هذا اللفظ، فلما تأملته، فإذا به جماع الخير كله، من عوفي في بدنه ماذا يريد؟ ومثله من عوفي في دينه من الآفات والبدع، ومن عوفي في ولده وماله، ومن عوفي يوم الحساب، فتأملته فوجدته جامعا لكل خير.

وقال في تطريز رياض الصالحين: فيه إيماء إلى أن أهم المطالب: انفكاك الإنسان من تبعات الذنوب، وطهارته من دنس العيوب.

وإذا كان الدعاء النبوي المذكور هو الأصل والغالب في أدعية المسلم في ليلة القدر، فيحسن أن يخص بعض أهدافه في الحياة بالدعاء، رجاء أن تكتب بإذن الله، ولكن حذار أن يكون همه أهداف الدنيا فقط، وينسى ما هو خير وأبقى وهو أهداف الآخرة. قال عبد الحميد الصنهاجي: وليلة القدر تُراد للدِّين لا للدنيا، ولسنا ننكر على من يطلب الدنيا بأسبابها التي جعلها الله تعالى، وإنما ننكر على من يكون همه الدنيا دون الآخرة حتى أن يترصد ليلة القدر ليطلب فيها الدنيا غافلا عن الآخرة.

وإذا فطلب العفو أعظم دعاء، أرشد إليه أعظمُ نبي، أحبَّ زوجاته، في أعظم ليلة، مؤمَّنٍ عليه من أعظم الملائكة جبريل عليه السلام، وذلك لتستن به أمته في دعائها في ليلة مصيرية يكتب فيها مستقبل الإنسان لعام كامل، ولتستن به عمليا فتطبق العفو وتشيعه بينها في ليلة القدر وفيما يأتي من أيام وليالٍ.

هذا، وإن الاحتشاد الملائكي الكوني الضخم على الأرض في ليلة القدر، هو احتفاء بليلة نزول أعظم كتاب على مدى التاريخ، وأعظم كتب الله ورسالاته، إنه القرآن الكريم، الذي نزل في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، أو ابتدئ نزوله فيها إلى الأرض. فليلة القدر هي عيد نزول القرآن كما قال ابن عاشور في تفسيره.

فما أعظمه من كتاب يُحتفى به كل سنة احتفاء بالغا حتى أن أجر العمل الصالح في ليلته نزوله خير من أجر العمل لألف شهر، أي 83 عاما و3 أشهر تقريبا، وحتى أن الأرض تكون في أبهى زينتها وبهائها وسلامها بنزول الروح والملائكة حتى مطلع الفجر.

تُرى هل نعظم القرآن في قلوبنا وعقولنا وحياتنا كما يليق بجلاله وكماله وأنواره، وهل نسعى إلى أن يكون دستور حياتنا الخاصة والعامة، بل ولِمَ لاَ دستور العالم كله، فالعالم في أشد الحوجة إلى القرآن، حتى تنادى أكثر من منادٍ في الغرب إثر الأزمة المالية العالمية في عام 2008 بأن هلُمَّ إلى الاستفادة من مبادئ القرآن في عالم المال والأعمال، وأن هذا هو الحل الوحيد لتجنب الأزمات الاقتصادية. بل هو الحل الوحيد لتجنب كل الأزمات البشرية إذا صحبه عزم أكيد وفهم سديد وتطبيق رشيد. (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض)، (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم).