السبت, 07 تشرين1/أكتوير 2017 12:45

سؤالنا الثقافي الضائع بين النهضة والتراكم

المتتبع للحركة الثقافية في بلادنا يمكنه أن يدرك بسرعة وسهولة أن هناك نوعا من الازدهار الكمي في "الدراسات الفلسفية" الأكاديمية المهتمة خاصة بجوانب مختارة من الفكر العربي الإسلامي، والتاريخ العربي ومناهجهما وقضاياهما المتفرعة.

إن أغلب الإنتاجات التي ظهرت في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة، بالعربية والفرنسية / في الرباط وباريس، تنصب على هذا الجانب لتخلق تراكما كميا على رفوف المكتبة الجامعية المغربية، ولتضع الفلسفة في موضع إستراتيجي على خريطة الثقافة المغربية.

إن إصدارات محمد عزيز الحبابي، ومحمد عابد الجابري، وعبد الله العروي، وبنسالم حميش، وسالم يفوت، وطه عبد الرحمان وعبد الكبير الخطيبي، وغيرهم، تعطى الانطباع بأن التملك الفعلي للتراث العربي الإسلامي يمر من مرحلة الاستنطاق، وبأن الاهتمام بالفكر العربي الإسلامي من طرف المثقفين المغاربة يدخل في إطار الواقع الحالي للأمة العربية المسلمة، وصراعاتها الفكرية المتشابكة والمتداخلة.

إدراك هذه الحقيقة بكل خلفياتها التاريخية والسياسية والإيديولوجية لا نتبينه من خلال الكتب والدراسات الفلسفية الصادرة حتى الآن عن دور النشر المغربية والفرنسية فحسب، ولكن أيضا من خلال الأنشطة والندوات واللقاءات والمهرجانات والمؤتمرات التي تعقد تباعا على المحور المتوسطي الذي يربط الرباط بمدريد وباريس بروما وبروكسيل بين المثقفين المغاربة والأوروبيين...السؤال الذي يطرح نفسه علينا في هذا الموضوع: هل هي نهضة فلسفية مغربية، أم هو تراكم للدراسات الفلسفية الأكاديمية؟.

ولأنه لا داعي للوقوف عند قيمة هذه الدراسات الفلسفية، ومقارنتها بمثيلاتها التي صدرت من قبل على يد جماعات المستشرقين بالغرب الأوروبي، أو بالشرق العربي على يد كبار المثقفين، فإنه لا بأس من تسجيل بعض الملاحظات الأولية، وقد تكون ملاحظات بديهية:

أ / إن الغزارة النسبية التي تظهر للدراسات الفلسفية بالمغرب الأقصى تأتي نتيجة تلقائية للتنامي المستمر للمشتغلين بالمادة الفلسفية، من أساتذة الجامعات المغربية، إذ نجد أن الإصدارات المغربية في هذا الاتجاه هي في الأصل رسائل جامعية، أو مقالات ومحاضرات ودراسات أعدت بمناسبات ثقافية معينة.

ب / هذه الغزارة تؤكد على موضوع هام، وتلح عليه، وهو الطابع التاريخي للكتابة الفلسفية،- نحن والتراث (للعابد الجابري)- الفكر السياسي عند الماردوني (لسعيد بن سعيد) تاريخ المغرب (لعبد الله العروي) تشكيل الإيديولوجية في الإسلام (لبن سالم حميش) واللائحة جد طويلة...بينما القليل منها يتجه إلى الإبستمولوجيا، وفلسفة المعرفة أو فلسفة اللغة أو مفهوم الإيديولوجية.

ج / إن هذا الازدهار الكمي للفلسفة بالمغرب يرتبط حتى الآن بالعطاءات الأولى لجامعة محمد الخامس – الرباط - وبالإرهاصات الأولى التي أسسها الدكتور محمد عزيز الحبابي رحمه الله بهذه الجامعة، إذ لم تستطيع هذه الفلسفة حتى الآن الخروج عن نطاق الحرم الجامعي، لتلتحم بالمعرفة السياسية / المعرفة الاجتماعية / معرفة الواقع المغربي.

إن الاهتمام بالفكر الإسلامي ومفهوم التاريخ من طرف المثقفين المغاربة، في رأي الأستاذ سعيد بن سعيد – أحد أعلام هذه الحركة- وأحد الأطراف في هذه الإشكالية، واقع فكري لا نستطيع أن نتبينه من خلال الدراسات المنشورة في هذا المجال، ولكن أيضا من خلال الأنشطة الموازية لجمعية الفلسفة المغربية، ولجمعية المستقبلين المغاربة، واتحاد كتاب المغرب...وهذا يعني- في نظره - أن النشاط الفلسفي، رغم انحصاره في محوره "التراثي" يحاول أن يخلق التقاءه وتداخله وتفاعله بين الأشكال التعبيرية الأخرى، ليخرج هذا النشاط من انفلاته داخل المجالات التخصصية التي تتجاهل – منهجيا- ما يحدث خارج الفكر الإسلامي والفكر التاريخي.

الحقيقة أن هناك دراسات- على قلتها وندرتها - تنصب على ميادين فلسفية خارج تاريخ الفلسفة، مثل الدراسات التي أنجزها الأستاذ سالم يفوت حول الإبستمولوجيا، أو التي أنجزها الأستاذ محمد وقيدي، والأستاذ عبد الرحمن طه، حول فلسفة المعرفة، وفلسفة اللغة، إلا أن هذا الضعف الكمي، يظل هامشيا حتى عند أصحابه، ومن ثمة نجد التساؤلات تطرح نفسها على هذا الموضوع خارج كل الأطروحات الدفاعية عنه.

فهل يعني ذلك أن النشاط الفلسفي بالمغرب لا يريد الانزلاق في حوار مع الفكر الآخر...؟ أم يعود ذلك إلى حرص المثقفين المغاربة على توظيف مفاهيم الهوية والتراث في أطاريحهم الفكرية؟.