السبت, 09 كانون1/ديسمبر 2017 12:49

رسالة التمكين.. إلى الأمة وآل القدس وفلسطين

ما أقدم عليه ترمب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ليس خرقا سافرا فقط بل جنونا وتلفا وهوسا كاشفا عن عقيدة الحكم الأمريكي الذي يمثل امتدادا للفكر الصهيوني العنصري. هي حماقات وتهورات تدل على تخبطات في المسار الإسرائيلي الأمريكي الاستكباري الذي وصل إلى عنق الزجاجة، وارتطم بطوفان الأمة وشعوبها الحاملة لهمّ المسجد الأقصى، والقاصدة للبوابة المقدسية الأصيلة لفهم التاريخ وواقعنا ونكباته، والمتشبثة بالبوصلة الحقيقية التي تزن بها الأمة قوتها أو ضعفها.

مدينة القدس هي على مر التاريخ عربية إسلامية مباركة بالمسجد الذي يتوسطها والحجارة وأشجار الزيتون المذكورة في القرآن، فهي أرض حققت وظيفتين على طول التاريخ والحضارة المقدسية، وظيفة المناصرة والتعرية.

فالقدس من منطلق أول ناصرت شعبها بصمود حجرها وشجرها حفاظا على قدسيتها وتاريخها رغم الحفريات الصهيونية، وكمنطلق ثانٍ عرّت سوآت الخائنين والمنافقين، وآخِرا كشفت عن نقاب ومثالب أمريكا الحقيقية وأيدولوجية حكامها القائمة على الولاء الدائم للمشروع الصهيوني.

فالكيان الصهيوني رُوح، وأمريكا حجم من أحجام هذه الروح، وكأنهما شقيقان أحدهما يعيش في حضن الآخر، وهذا ما صرح به منذ عقود هنري فورد صانع السيارات الأمريكي، وقد عانى من مزاحمة الصهاينة في بلده أمريكا، قال: "إن أقدم الوثائق عن علاقة اليهود بالأمم الأخرى تؤكد أنه لم تمض فترة طويلة من الوقت دون أن يسجل التاريخ أن اليهود يكونون أمة في الأمة، وشعبا في الشعب".

هذا الكلام مقتبس من جريدة "دِيربُورن إنْدِبَنْدانت" ثم نشرها في كتاب بعنوان: "اليهودي العالمي". هذا الكتاب مطبوع بالعربية بعد أن لاحقه الصهاينة، وأخفوا طبعاته الأولى في أمريكا.

ما نشره فورد وغيره ممن كشفوا حقيقة الصهيونية في أمريكا -من أجل مصلحتهم- هو للاستئناس والزيادة لسبر أغوار الداء الصهيوني وتسرباته وتمدداته في اقتصاد ومال وسياسة الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الأمم، ويسبق هذه التصريحات  الفوردية أنوار الوحي الكاشفة لعلو الاستكبار والتبيان الأول، ولكل شيء في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ .

ففسادهم برفقة أنظمة بلفور وأنظمة الجبر العربية والعض الوراثي ظهر في الأرض وبلغ مداه وشهدت به أقلام وأفواه المسلمين وغير المسلمين وحربهم الديمغرافية على الأمة وأقلياتها واضح للعيان، إضعافا لسوادها وإجهاضا لكل مقوماتها ومقدراتها تجنبا لكل قادم محتمل يوقظ الشعوب من جديد.

فإخبار الله عز وجل عن علو فساد المطرودين من بني إسرائيل المتكتلين اليوم في مشروع الصهيونية بكل أحجامها هو الدليل الباقي المستضاء به والكاشف لنوع الداء وأشكاله وقرائن علوه، والتي من أبرزها جمع بني إسرائيل لفيفا في وطن قومي هدية من آرتر بلفور، وما علموا أن قدر الله وسنته سارية لجمعهم في مكان واحد للتخلص منهم دفعة واحدة بعدما كان داؤهم وخبثهم مشتتا في أوروبا والعالم.

فقد أخبرنا الكتاب المبين في آخر سورة الإسراء أن من علامات الجولة الآخرة أن يجمع الله بني إسرائيل من شتاتهم في الأرض، وأن يجيء بهم لفيفا لميقات يوم معلوم.

نعود إلى سورة الإسراء لنقرأ كلمة الله الحق المبين على بني إسرائيل. قال الله جل سلطانه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا. وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.

ومقابل علو فسادهم الثاني وبلوغ قسوة الاستكبار الصهيوني تنتظر الأمة بإذن الله وعد الله الآخر ونصر الله الموعود الذي يتحقق بعباد لله، لهم قوة إعداد ومشروع تغيير وتحرير لا يساوم. لكن ما هي مطالب هذا المشروع التغييري التحريري في هذه المرحلة من المواجهة؟

مطالب المرحلة

هذه المرحلة من المواجهة نحتاج فيها إلى أربعة مطالب يبثها رجال الحركة والعلم والتحرير والقيادة تعليما وتربية من خلال مؤسساتهم وحركاتهم وجمعياتهم ومختلف أشكال تواصلهم:

أولا: التؤدة وطول النفس

تحتاج أمتنا إلى طول نفس وتدرّج وإرادة وصناعة فعل، لا فعل نابع من حماس فاتر أو ردة فعل.

لكن طول النفس والصبر في حاجة دائمة إلى تبشير ويقين وتصديق في وعد الله ضد جميع وسائل إحباط الأمة.

ثانياً: صناعة الفعل

نحتاج إلى صناعة للفعل عوض ردة الفعل، صناعة تشحذ الهمم وتوقظ الإنسان وتوجه الطريق والتصور الحاضر والمستقبلي نحو أمة قوية ترفض الداء والمرض الصهيوني بكل أحجامه وتتجه نحو وعد الله المنصور بواقعية دون أمانيَّ معسولة، وعد ورؤية تحتاج قبل كل شيء إلى إعداد شمولي،  أوتاده تعبئة النفوس إيمانا وروحا، والعقول علما وتصورا، والحركات بناء وقوة.

تعبئة جامعة تحقق تحرير أقطار الأمة أولا من الكيانات والأدواء الصغرى والمنتوجات الصهيونية الأمريكية العربية الديكتاتورية يتبعها توجه  لتحرير بيت المقدس تكتلا وأمة..

ثالثاً: التبشير واليقين

خطاب التبشير لازمٌ كي لا يستغل أعداء الأمة فجوات الجهل والأمية لإثارة ثقافة الانهزام واليأس والفشل.

الأمة بخير ما دامت تفهم التاريخ من أفهام ورجال وقفوا على منهاج رسول الله صلى الله عليه واقتفوا أثره في التغيير تدرجا وفهما وإدراكا للتاريخ والواقع، دون دروشة أو انزواء وانقطاع عن أحوال وأحداث الأمة، لذلك لا بد من ارتشاف الفهم من معينه من الوحي من القرآن من النبوة من الله.

رابعاً: فهم الهجرة والنصرة بواقعنا

كان النبي صلى الله عليه وسلم في أشد محنته في الطائف خلال مشروع فتح أمته، فكان التوجه نحو بيت المقدس إسراءً ومعراجًا برفقة براق وملك، لنيل النصرة الربانية التي لم تجدها النبوة في مكة ولا مكان آخر، فلما عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة رجع بمشروع وخطة فتحت له باب النصرة الأرضية إلى المدينة المنورة بعد سنة.

عاد النبي صلى الله عليه وسلم مستبشرا فرحا من السماء وأرض المقدس بمشروع الصلاة الجامعة المغيرة المرابطة المؤلفة للقلوب والعقول والحركات جماعة وقوة وهجرة ونصرة.

عادت النبوة تمتلكها الرؤية الواضحة والمحجة اللاحبة لطريقة التغيير عبر منطلقي الهجرة والنصرة.

فكان المشروع التغييري بعد عودته صلى الله عليه وسلم من رحلة الإسراء والمعراج يقوم أولا على منطلق تكوين الجماعة المهاجرة المؤمنة القوية والنواة الأولى المتشربة للمشروع الإسرائي المعراجي القائم على الصلاة والجماعة المجاهدة والجهادية المريدة لتحمل مشروع السماء والرباط والمرابطة والصلاة والعلم والبناء.

فلا يكفي الإتيان بمشروع البراق والرؤية الإسرائية المعراجية بشكل فردي نبوي، دون تنفيذها جماعة وأمة، واحتضانها من قبل جماعة وأمة، ثم دولة مدنية، ثم أمة تخرج بالمشروع إيمانا وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله". ثم جاءت الصفة الثانية في مشروع التغيير والتحرير وهي المنطلق الثاني للتجديد؛ النصرة. تأتي تبعا للهجرة لتشكل جهازا مكملا للمهاجرين، فأرباب المشروع الذي شربوه ارتشافا من صاحب المشروع في حاجة إلى جهاز أكبر لتعميم فكرة ومشروع الإسراء والمعراج في شكل دولة، فكان بحمد الله جهاز الأنصار الحاضن الأول  للمشروع النبوي المعراجي ثم الحاضن لمن هاجر بالمشروع.

وكذلك نحن المستضعفين في الأرض نحتاج اليوم في خضم هذه الأحداث أكثر من أي وقت مضى لنعي مفهوم الهجرة والنصرة في سياقها ومآلاتها وعلتها.

نحتاج إلى هجرة نفسية إيمانية من المعاصي والعجز والكسل والغثائية والوهن ثم تغيير ما في المكان وليس تغيير المكان.

نحن في حاجة إلى تغيير أقطارنا وبيئتنا مما فيها من فساد واستبداد وبقايا ومصنوعات المشروع الصهيوني، لنجعلها بيئة ومرتعا لتنزيل مشروع الإسراء والمعراج سعيا لأمة مجاهدة عالمة مربية يكون هدفها الزحف نحو تحرير بيت المقدس من الداء الكبير والابتلاء المؤقت، وغايتها عمران العالم بالإيمان والصناعة الخلاقة.

وأخيرا:

إن تعبئة الأمة بمعاني اليقين والتصديق القرين بالوحي معين وسند لاستمرار الأنفس في ميدان المواجهة ما دام اليقين يزرع في القلوب السكينة والثبات، وفي العقول والأفكار الرؤية الصحيحة الواضحة، وحينها سنتمكن من النظر من حيث نظر النبي صلى الله عليه وسلم ورأى، من الرؤية النبوية الربانية "لنريه من آياتنا " التي رأى منها النبي صلى الله عليه وسلم الكون والتاريخ ما قبله وما بعده.

لا بد لنا أن نرى العالم وما يحدث الآن في المنطقة والقدس والأمة وما يجرى من تكالب من قبل الاستكبار الصهيوني الغربي برؤية النبوة برؤية الغيب والوحي لكي نعلم من هو العدو الحقيقي، لكي تتجه بوصلة التحرير والإعداد ضد عدو وكيان واستكبار عالمي غربي وعربي، ولكي نعلم أن بيت المقدس هو بركة الأمة، ومتى تحرر عمّت بركته وأنواره.