السبت, 21 نيسان/أبريل 2018 16:18

حقوق الإنسان وازدواجية المعايير عند الغرب

ثمة واحد من القوانين النفسية التي تحكم السلوك البشري إن على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة، وهو نفسه القانون الذي يحكم إلى حد بعيد بعض قوانين المادة كما هو الحال في عالمي الفيزياء والكيمياء ...، إنه قانون الفعل وردة الفعل، هذا القانون يسري بشكل ظاهر على فعل الحروب التي اجتاحت الغرب خلال النصف الأول من القرن العشرين وعلى ردة الفعل الحقوقي التي واكبته، والتي كان من بين أبرز تمثلاتها المباشرة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948م، حيث مثل عقدا ملزما للدول الموقعة عليه، وذلك بحماية الحقوق و احترامها... وملاحقة المتورطين في انتهاكها والتعدي عليها...، وإذا كان واقع الحربين هو الأساس المادي والمباشر المنتج لهذا الإعلان، فثمة دور غاية في الأهمية لعبته المدارس الفلسفية الغربية بصورة سابقة ومتزامنة في نفس الآن مع واقع الحروب ساهم إلى حد بعيد في بلورة هذا الإعلان.

لقد تأسست نظرية الحقوق في الغرب على دعامة الحق الطبيعي  كأساس للعقد الاجتماعي، ودارت سجالات حول طبيعته، وتجلياته، وتناقضاته...، ساهم فيها كل من توماس هوبس، وجون جاك روسو، وجون لوك، وباروخ سبينوزا...، لكن على الرغم من هذه الإسهامات وما تلاها من نقاش فلسفي في الغرب يبقى مضمون فكرة -الحق الطبيعي- غامضا وملتبسا إلى حد لم تستطع معه هذه الجهود الفلسفية رفع الإلتباس الحاصل في بنيته وأهدافه، لكن وعلى الرغم من ذلك فإن بعض القيم والمبادئ التي تمثل مشتركا إنسانيا بقيت حاضرة في الخلاصة الفلسفية لمفهوم العقد الاجتماعي.

لقد جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فيما يبدو تتويجا لمعاناة المواطن الغربي في بعده الإنساني بالدرجة الأولى، ولم يكن أبدا  مكسبا حقوقيا لعموم الناس كيفما كانوا وحيثما وجدوا، وخصوصا إذا استحضرنا الإقحام القسري للكثير من الهويات والإثنيات والعرقيات التي لا تنتمي للمجال الغربي في براثن الحروب الغربية، فلا نستغرب إذن حين نجد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد حصر المعاناة الإنسانية في المعاناة الغربية فحسب، وأسس لنظرياته فلاسفة الغرب فقط، وشارك في صياغة مواده ساسته دون غيرهم، في إقصاء واضح للمجالات الثقافية الأخرى، والتي شاركت الغرب معاناته وآلامه، بل نالت هذه المجالات نصيبا مضاعفا من هذه المعاناة بسبب إقحامها أولا كرها في الحروب الغربية، وثانيا نتيجة الإستعمار الغربي لها. فالخلاصة الطبيعية لهذه الأنانية، احتكار الغرب للمفاهيم والمعايير المتعلقة بحقوق الإنسان، واختزال الأنماط الثقافية الأخرى، على اعتبار أن الغرب هو مصدر الثقافة الكونية الشمولية، وتعزيز الشعور الغربي على حساب هذه الحقوق، وفرض المصلحة الغربية مقابل تجاهل واضح للمصلحة الإنسانية .

لقد أفصحت السياسات الغربية المتعاقبة اتجاه الغير منذ عقود على الأزمة النفسية التي تطوق الغرب من كل جانب، نتيجة حالتي الفوضى والإضطهاد اللتين تمت صناعتهما في أروقة الكنيسة باسم المسيح، وبأموال الإقطاعيين، وبأسلحة تجار الحروب. إن مرض البارانويا النفسي، والذي يعرف بمرض "جنون العظمة " ما هو إلا نتاج  - حسب التشخيص النفسي- لحالة الإضطهاد التي عاشها المريض، والمريض هنا ليس إلا الغرب الذي عانى لقرون من ويلات الفوضى وعدم الاستقرار، فلا ضير أن تتضخم "الأنا" وتعلو قيمة "النحن" باعتبارهما أعراضا نفسية مصاحبة لمرض "جنون العظمة "، لذا نجد الغرب يصف نفسه بالتحضر و ينظر إلى الغير على أنه همجي ومتخلف، متدثرا بشعار المركزية الغربية التي لا تعني في الواقع إلا الممارسة الواعية التي ترتكز على فرض الحضارة والمصالح الغربية على حساب الآخر، بالوسائل المشروعة وغير المشروعة .

إن استحواذ الغرب على المفاهيم القيمية والمعيارية الخاصة به لحقوق الإنسان أفضى إلى تحول هذه الحقوق إلى حقوق غربية بدل أن تكون إنسانية، و تحالف الحقوق مع المصالح بدل أن تكون مع المبادئ...، لذا تبرز إزدواجية المعايير بشكل سافر في كثير من قضايا تقرير المصير، كما هو الشأن بالنسبة لمحاولة استقلال كل من إيرلندا الشمالية وكاتالونيا، حيث وقف الغرب سدا منيعا أمام أية محاولة لتغيير الخريطة الجغرافية الأوروبية، في المقابل لقي جنوب السودان و تيمور الشرقية الدعم الكامل للاستقلال عن كل من السودان وأندونيسيا على التوالي ، لكن لا ندري على أية أرضية حقوقية كان هذا الدعم الغربي لهذين الإقليمين !!؟؟ سوى أن مصلحة الغرب وقوته تكمن في وحدة الأراضي الأوروبية من جهة، وفي إضعاف المجالات الثقافية الأخرى عن طريق تفتيتها وتجزيئها من جهة أخرى.

إن  ازدواجية المعايير هاته لدى الغرب هي التي دفعته إلى الإنخراط بجميع مكوناته الحضارية في الخطة المشؤومة لبرنارد لويس سنة 1983م، والتي أقرها الكونغرس الأمريكي لتقسم الشرق الأوسط إلى أكثر من دويلة إثنية و مذهبية، وما يجري في المنطقة العربية ما هو إلا تطبيق حرفي لهذه الخطة التي لم تلق أدنى إدانة من طرف المنظمات الحقوقية الأممية، ولا من تلك المنظمات الحقوقية المستقلة في الغرب والتي صمت آذاننا بشعارات الديمقراطية والحرية والمساواة... أتدرون  لماذا ؟لأن هذا هو حال الغرب يكيل بمكيالين ويتعامل بمعيارين في عالم حقوق الإنسان .