Thursday, 26 January 2017 14:40

جهود الطعن في الحديث النبوي

كتبه

كان الأولى بالعنوان أن نقول فيه: جهود خدمة الحديث. غير أننا في هذا الزمان العجيب الذي نعيش فيه، اضطُرِرنا إلى مثل هذا التعبير؛ والذي حفزنا إليه أكثر، أن جهود الطعن هاته التي سنتكلم عليها، هي التي انخرط فيها بعض أصحاب الفكر الإسلامي المعاصر؛ فلم يعد الطعن يصدر فقط من المستشرقين والعلمانيين، بل انجر إليه من يُعتَبرون في الأصل مدافعين عن أصول الإسلام العقدية والتشريعية، ومنافحين عن تاريخه بالعدل والإنصاف.

وهذا الانجرار إلى الطعن من قبل هؤلاء، شكّل لنا صدمةً، غير أننا استوعبناها، بفعل ما نعلمه من النماذج التاريخية السابقة لمثل هذا الطعن، كنموذج المعتزلة مثلا، فإنهم كانوا قائمين مع أهل السنة على مدافعة الملاحدة والزنادقة، لكنهم تجاوزوا الحد إلى اعتقاد أصول مخالفة للنصوص، بل جرؤوا على رد كثير منها، كردهم لأحاديث الشفاعة والرؤية وغيرها. فلأجل هذا التجاوز صاروا هم أيضا محط نقد عند أهل السنة.

وقياما بالنصيحة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، يلزمنا أن نبين أوجه هذا الطعن وهدفه وآثاره السيئة على منهجية التلقي عند المسلمين، بما يناسب حجم هذه المقالة المختصرة، فنقول وبالله التوفيق: يمكن تصنيف الطعن إلى نوعين:

النوع الأول: الطعن المتفرق:

ونعني به إثارة الإشكالات والشبه حول جملة من الأحاديث الصحيحة المروية في أصح كتب الحديث، كالصحيحين مثلا، وادعاءَ أن هذه الأحاديث تخالف العقل أو القرءان أو الواقع. فيقوم الطاعن بانتقاء جملة من النصوص المشكلة والمتشابهة، ثم يبُثها بين العوام، وعوض أن يفسرها تفسيرا مقبولا متوافقا مع ما تقرر في الأصول، كما كان يفعل الراسخون في العلم من الفقهاء والمحدثين، يُعمل فيها الاعتراض المتسرع، لتظهر تلك النصوص متهافتة مخالفة للشرع أو العقل.

وهذا الطعن بهذا الشكل، يريد تأسيس عمل استقرائي، ينطلق من تتبع جزئيات النصوص المطعون فيها، من أجل الوصل إلى نتيجة، وهي إثبات ضعف منهجية توثيق النص الحديثي.

وممن يشتغل بهذا النوع من الطعن، جملة من الكتاب والمتحدثين في وسائل الإعلام، من أشهرهم عدنان إبراهيم ومحمد هداية وعلي الكيلاني وعدنان الرفاعي وغيرهم، ومن الكُتّاب الدكتور طه جابر العلواني رحمه الله، وقد كان ينكر أحاديث نزول عيسى عليه السلام وغيرها.

ومعوّلهم في هذا الطعن، على التهويل وتهمة علماء الحديث بعدم التثبت، مع أننا حينما نرجع إلى شروح تلك الأحاديث المشكلة، نجد الخطب يسيرا والإشكال منحلا.

وننصح القارئ المشفق على دينه، أن يكثر من مطالعة شروح كتب الحديث، وكذا كتبِ مختلف الحديث ومشكله التي يُعتنى فيها بدفع الإشكالات والاعتراضات على بعض النصوص، وقد بدأ التأليف فيها قديما منذ زمان الشافعي رحمه الله(204هـ) إلى زماننا هذا. ولا يخفى أن وجود الإشكال في بعض نصوص الحديث هو من قبيل وجود التشابه في بعض الآيات القرءانية المذكور في قوله تعالى: (مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) آل عمران: 7؛ ولهذا لا يجازف المنصف برد الحديث الصحيح بسبب الإشكال في فهمه عنده، إذ لا تلازم بين الإشكال والبطلان، ولو أخذنا بهذا التلازم لصرنا نكذب سائر ما تقرر في العلوم المختلفة بسبب الإشكال في فهم بعض حقائقها.

النوع الثاني: الطعن المنظم:

ونعني به إثارة الإشكالات والشبه حول المنهجية الحديثية التي وثقت النص الحديثي، وادعاء أنها كانت قاصرة عن حماية السنة. وهو طعن أشبه بعمل استنباطي ينطلق من قاعدة عامة، وهي دعوى ضعف قواعد المنهجية الحديثية، ليبحث لها عن شواهد في جزئيات النصوص.

وممن يشتغل بهذا النوع من الطعن، بعد جهود المستشرقين في ذلك، بعض الكتاب، من أبرزهم الدكتور الفيزيائي محمد عمراني حنشي في كتابه "الهندسة الحديثية" وفي موقعه الإلكتروني في قائمةٍ بعنوان "تضعيف الصحيحين".

ويقوم طعنه على القول بالضرورة الحتمية لخطأ الراوي أو كذبه إذا كان منفردا، فلهذا لا يُقبل من الحديث إلا ما رواه اثنان على الأقل في كل طبقة من طبقات الرواة بدءا من زمن الصحابة فمن بعدهم، وذلك قياسا على الشهادة عند القاضي إذ لا يقبل فيها إلا اثنان. ولهذا صاغ شرطا جديدا سماه "التعزيز"، وأخذه من معنى الحديث العزيز عند أهل الاصطلاح، وهو ما لا يروى بأقل من اثنين. لكن المحدثين لا يجعلون توافر الحديث على العزة شرطا في صحته، بل أنكروا على من اشترط ذلك.

وذكر ابن حجر في "نخبة الفكر" عند شرح الحديث العزيز، أن القائل بهذا الشرط صراحة هو أبو علي الجبائي المعتزلي(303هـ)؛ ولهذا نعتبر عمراني حنشي قد أحيى هذا القول المعتزلي الشاذ، وهو شرط إن أجريناه على الأحاديث الصحيحة المتفق على صحتها سقط منها عدد كبير جدا، ويكون ضمن الساقط ما لا يثير أي إشكال أصلا عند أصحاب الطعن المتفرق. فأي جناية على السنة أكبر من هذا، وهل من خدمة تقدم لأعداء الإسلام بضرب منهجية التلقي أحسن من هذه؟

ومن تضييقات حنشي المتعسفة أيضا، اشتراطه وجوب ثبوت لقي الراوي مع شيخه المعاصر له في جميع الأحاديث المروية، ولو كان هذا الراوي ثقة صادقا قد صرح بسماعه من شيخه، فتصريحه دليل على التقائه به. ويعلم أصحاب الحديث أن البخاري التزم هذا الشرط في صحيحه، أي أن يثبت بالتاريخ أن الراوي لقي من يروي عنه، أي لا يَكْفي في الثبوت التصريح بالسماع عند الرواية، وهو شرط التزمه البخاري اختيارا زيادة في التثبت، ولكنه خلاف ما عليه جمهور المحدثين من الاكتفاء بإمكان اللقي مع ثبوت المعاصرة. ولم يُحْفَظ عن البخاري أنه طعن في صحيح مسلم مثلا الذي لم يلتزم هذا الشرط، فثبت أنه شرط من قبيل "نور على نور"، ودالٌّ من جهة أخرى على تبحر البخاري في تاريخ الرواة.

وللقارئ غير المتخصص نمثل بهذا المثال لمسألة اللقي: فإذا قال الدكتور حنشي: كنت مع الدكتور العلواني في بيته (قال ذلك في ندوة)، فإننا لا نثبت اللقاء بينهما حتى يشهد لنا به غيرهما، أو على الأقل أن يشهد به العلواني أيضا. مع أننا إذا طرحنا هذا التكلف، نكتفي بتصريح حنشي باللقاء، إذا كنا لا ننسبه للكذب.

نعود فنقول: إن البخاري نفسه لم يلتزم بهذا الشرط – أي ثبوت اللقي - خارج كتابه الصحيح، وقد صرح أنه لم يرو في كتابه جميع الأحاديث الصحيحة، قال رحمه الله: "ما أدخلت في كتابي (الجامع) إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول " (مقدمة ابن الصلاح)

فلو أخذنا بهذا التضييق الذي يشترطه حنشي في الرواية كلها، ثم أخذنا بشرطه في التعزيز الأكثر ضيقا، لما بقي من السنة الثابتة إلا عشرها أو أقل من ذلك، ولهذا لا غرابة أن دعا في مشروعه إلى بناء فقه جديد مبني على ما يثبته هو من الحديث فقط. ولسنا ندري كيف سيكون شكل صلاته وزكاته وصيامه وحجه ونكاحه وبيعه وما إلى ذلك، بعد أن لا يثبت عنده من الحديث إلا نحو العشر أو أقل، كما قدّرناه آنفا.

وقد اغتر بهذه الهندسة الأستاذ الأديب المقرئ الإدريسي أبو زيد ونوه بها تنويها كبيرا، وتبناها بعاطفة جياشة في تقديمه لصاحبها في بعض الندوات، بل صار بعد ذلك يروج لفكرتها، وانخرط في المهاجمين لصحيح البخاري.

وممن ينوه بهذه الهندسة أيضا، الدكتور الطبيب جاسم سلطان، بل قد جعل صاحبها ضمن كوكبة أصحاب سلاح الهندسة الخاصة – حسب نظرية له في التدافع الفكري – وذلك في محاربة الاختلال الفكري الموروث عند المسلمين، وقد صرح بذلك في بعض كلماته المسموعة.

وكان الدكتور طه جابر العلواني على علاقة بحنشي، كما صرح حنشي في كلمة له في ندوة؛ فنظن أن العلواني رحمه الله قد اغتر في آخر حياته بهندسته، والله أعلم بمن تأثر أولا بالآخَر.

عقدة الملاءمة وجهد النفي:

إن الباحث ليعجب كيف ينخرط هؤلاء المشاهير من المفكرين الإسلاميين في الطعن في الحديث، والحال أنهم ليسوا خصوما للإسلام، بل يعتبرون أنفسهم رواد التجديد والنهضة الإسلامية المرتقبة.

إننا نُرجع ذلك إلى الوقوع في عقدة من بين عُقَدٍ كثيرة ابتلي بها الفكر الإسلامي المعاصر، ونعني بها عقدة الملاءمة مع المنتوج الفكري البشري المعاصر، خصوصا الغربي، بناء على مسلمة نفسية، وهي أن الغرب قد أمسك بزمام التقدم والعلم والرقي الاجتماعي والسياسي، فلا يمكن أن يكون ذلك فيه خارجا عن نطاق الحكمة التي يتشوف إليها الإسلام. فلا مناص من هذه الملاءمة في كل ما قد يثير إشكالا يكون سببا في الطعن في صلاحية الإسلام لكل زمان.

ولما كان القرءان الكريم متواترا، لا يجرؤ مسلم على زعم الخطأ في ثبوته، توجهت جهود الطعن إلى الحديث بدعوى أنه لم يثبت معظمه بالتواتر، ولهذا يمكن للمعاصرين أن يرفضوا منه ما لا يلائم المزاج المعاصر في تدبير الحياة. وسندُ الرفض حينئذ ليس هو الكفر، لا، بل سنده نصيحة الإسلام أن ينسب إليه ما لا يليق.

سلّمنا أن الواجب هو دفع كل نقيصة تنسب للإسلام؛ لكن أيكون الدفاع والدفع بجهد النفي فقط، ولو كان المنفي صحيحا؟ لم لا يكون الجهدُ جهدَ إثبات مع دفع الإشكالات الواردة، كما عليه الراسخون من أهل العلم قديما وحديثا؟ ما أسهل جهد النفي وما أصعب جهد الإثبات.

ما أسهل أن يجازف المجازف، ليقول: لا يصح هذا الحديث أو لا يثبت هذا الباب من الأحاديث، أو لا قدسية لكتاب في الحديث، بل قال عدنان إبراهيم في بعض غَضَبَاته على المنبر، إنه لا وجود لبعض الصحابة أصلا.

وما أشبه جهد النفي بتحريم الحلال الذي يفزع إليه المتنطعون في الدين.

ونظن أنه إذا استمرت هذه الملاءمات بنفي الحديث الصحيح، فسنصل إلى الحالة التي أنذر منها حذيفة رضي الله عنه، وهي مجيء قوم في آخر الزمان يقولون: (مَا بَالُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ؟ وَإِنَّمَا هُمَا صَلَاتَانِ) رواه الآجري في الشريعة.

تجدد الفرق:

أمام هذا الطعن المتجدد في النص الحديثي، صارت تلح علينا فكرة، ينبغي أن نغتنم الفرصة لنطرحها، وهي أن أفكار الفرق الكلامية القديمة، أصبحت تتجدد اليوم، كالفكر المعتزلي أو الخارجي أو المرجئي أو غير ذلك، فضلا عن الفكر الشيعي الذي زاد تمدده وغزوه للعقول الضعيفة.

إن وهماً يُخيم في ساحة الفكر الإسلامي السني اليوم، وهو الزعم بأن العالم الإسلامي فيه فكران فقط، هما الفكر السني والفكر الشيعي؛ فمن ليس سنيا فهو شيعي، أو العكس. وهذا غير صحيح، والصواب أن من ليس شيعيا قد يكون سنيا وقد يكون معتزليا أو خارجيا وقس على ذلك.

ولهذا ينبغي أن نحرر المعنى الحقيقي للفكر السني الذي صار اليوم ينتسب إليه معظم من يوجدون في حيزه الجغرافي من العالم الإسلامي. ويكفي هنا أن نذكر أن من أهم خصائص الفكر السني توقير النص الشرعي الحديثي وعدم رده، إلا ما ترده المنهجية الحديثية نفسها وهي التي ابتكرها أهل السنة والجماعة بلا منازع.

روى الخطيب البغدادي(463هـ) في كتابه "شرف أصحاب الحديث" في باب الِاسْتِدْلَالُ عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ بِبُغْضِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ، عن الأوزاعي قال: "لَيْسَ مِنْ صَاحِبِ بِدْعَةٍ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ بِدْعَتِهِ بِحَدِيثٍ إِلَّا أَبْغَضَ الْحَدِيث". وعن أحمد بن سنان القطان قال: "لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مُبْتَدِعٌ إِلَّا وَهُوَ يُبْغِضُ أَهْلَ الْحَدِيثِ فَإِذَا ابْتَدَعَ الرَّجُلُ نُزِعَ حَلَاوَةُ الْحَدِيثِ مِنْ قَلْبِهِ" وعن أبي نصر بن سلام الفقيه قال: "لَيْسَ شَيْءٌ أَثْقَلَ عَلَى أَهْلِ الْإِلْحَادِ، وَلَا أَبْغَضُ إِلَيْهِمْ مِنْ سَمَاعِ الْحَدِيثِ وَرِوَايَتِهِ بِإِسْنَادِهِ".

وممّن تنبه في العصر الحديث لهذه القضية، أعني إحياء أفكار الفرق الكلامية، الشيخُ النظار العلامة مصطفى صبري رحمه الله (1954)، وشرح ذلك في كتابه الكبير "موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين"، وذكر أن بعضهم صار يتبنى فكر المعتزلة خفية، وهو يلبس لباس أهل السنة (انظر مثلا ج3 ص 30- 33).

وليس شرطا في إحياء فكر الفرق المبتدعة أن يكون لجميعه بتفصيلاته، بل يكفي في الانجرار إليه القول ببعض قضاياه، وهو الأمر ذاته الذي لاحظناه على هؤلاء الطاعنين. وقد كتبنا في موضع آخر أن بعض الأفكار السياسية لهذه الفرق، راجت على بعض المفكرين من عالم أهل السنة فصاروا يدافعون عنها كأنها هي الحق ذاته، ومن أبرز هذه الأفكار الخروج على الحكام والثورة عليهم، وهو مذهب الزيدية من الشيعة والمعتزلة والخوارج وغيرهم.

إننا نطلب من هؤلاء الطاعنين ألا يلبسوا على الناس دينهم، وألا يختفوا وراء قناع أهل السنة والجماعة، وليكونوا على الأقل كالمعتزلة الأوائل، الذي كانوا يصرحون بنحلتهم ويفخرون بها في المجامع والمجالس، بل قد فرضوها بالقوة والسيف لما تمكنوا من ذلك في أيام خلت.

خاتمة وتذكرة:

في الحديث النبوي مساحات هائلة من القضايا المعرفية والوجودية التي لم تستثمر بعد في زماننا هذا، يعوقها عائقان: الأول هو الطعن، والثاني: هو ضعف الاستثمار. ومن يطالع في تاريخ العلماء وتراجمهم سيقف على حقيقة ناصعة، وهي أن المبرزين منهم والمجتهدين المشهود لهم بالبراعة العلمية، لم يكونوا بتلك الدرجة الرفيعة إلا لكونهم أصحاب حديث واشتغال به على مقتضى الصنعة الأصولية المتقنة. وقد يتفاوتون في المعرفة بالحديث ولكنهم جميعا من أهله المدافعين عنه.

وهكذا في عصرنا لن يأتي التجديد المنشود إلا من أصحاب الحديث الفقهاء الورعين، الذين يبذلون جهدهم في تبليغ الدين، وقراءة الواقع به، وبيان أحكامه كما هي في الوحيين، لا كما يشتهيه المزاج المعاصر المتشبع بالفكر الغربي المتمرد.