Wednesday, 31 May 2017 15:39

تاريخ مدرسة الثابت والمتغير في الفقه الإسلامي

كتبه

لقد آن الأوان للتحول من قول إن «الشريعة خالدة وصالحة لكل زمان ومكان» كنظرية مرفوعة إلى محاولة التفكير والاجتهاد في تنزيل هذا الشعار وتطبيقه في حياة الأمة، والممارسة العلمية لأحكام التشريع الإسلامي، واستعادة حيويتها وامتدادها بحسب الطاقات، وتحويل علم أصول الفقه من مادة نظرية إلى ساحة تطبيق عملي.
وقد يكون من مظاهر هذه الحيوية وهذا الإحياء قيام دراسات مستفيضة حول مظاهر الثابت والمتغير في الفقه الإسلامي، ومدى استجابة هذه الثوابت والمتغيرات لمرونة الشريعة الإسلامية مما يفعِّل دور الاجتهاد وفق مقاصد الشريعة الإسلامية وإعادة النظر بشروط الاجتهاد وكيفية تكوين الملكة الفقهية، وعمل مقارنة بين أحكام التشريع الإسلامي في كافة مجالات الحياة البشرية وبين القوانين الوضعية على مستوى الفرد والدولة والأمة الإسلامية والإنسانية، من خلال النظر في النوازل والمستجدات الإنسانية التي تواجه الحياة اليومية.
وعلاوة على ذلك فإن حركة التجديد والاجتهاد في الفقه الإسلامي لم تتوقف ولله الحمد في عصر من العصور منذ بداية عهد الصحابة بعد انتهاء فترة النبوة وإلى يومنا هذا وإن اختلف نتاجها كثرة وقلة، فلقد ظل هذا العطاء الفقهي مستمراً في كل عصر من العصور، على الرغم مما يتعرض له من التحديات.
هذا العطاء الفقهي الذي توصل إليه المجتهدون باجتهاداتهم، من خلال الاجتهاد المبني على المصلحة التي تتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية، فمجال الاجتهاد يقبل التجديد في إطار ما هو متغير وقابل للتجديد من الأحكام شريطة أن يحقق مقصود الشرع، فما هو ثابت بالنص والإجماع على مر العصور لا يعدل ولا يتغير، كالعقائد  الأساسية من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكذلك أمهات الفضائل من الصدق والأمانة والعفة والوفاء بالعهد، وكذلك شرائع الإسلام في شؤون الزواج والطلاق والميراث والحدود والقصاص ونحوها من نظم الإسلام التي ثبتت بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، مما لا مجال للاجتهاد فيها مهما كانت الحجة كتغير الزمان، أو أن المصلحة الإنسانية تقتضي ذلك فكل مجالات الشريعة الإسلامية يمكن فهم مصالحها وحكمها، بناءً على ما فيها من نفع للناس وتحقيق لمصالحهم وأنها جاءت لتخرجهم من الظلمات إلى النور ومن رذائل الجاهلية، إلى مكارم التشريع الإسلامي.
ومن فساد الأوضاع إلى صلاح الأحكام، فمن خلال هذا البحث سوف نسلط الضوء على مظهرية الثابت الذي لا مجال للاجتهاد فيه، وكذلك على مظهرية المتغير الذي يبين عوامل المرونة في مصادر التشريع الإسلامي التي اختلف علماء الأمة في مدى الاحتجاج بها بين موسع ومضيق وبين مقل ومكثر كالقياس والاستحسان والعرف والاستصلاح، وقول الصحابي وغير ذلك من طرائق الاجتهاد الأمر الذي يجعل الاجتهاد المبني على هذه المتغيرات خير وسيلة لتوسيع دائرة الاجتهاد، والتمكن من استيعاب النوازل الحديثة، بكل تقلباتها وتشعباتها، وبه يمكن أن نفعِّل الفقه الإسلامي المعاصر، لكي يصبح فقهاً واقعياً، صامداً أمام التحديات.
وطالما الشأن كذلك، فإن باب الاجتهاد المبني على ما يسمى بالمتغير من أدلة التشريع ينبغي أن يكون وجهة السادة الفقهاء، وركنهم الشديد الذي يأوون إليه، ما دامت حركة المجتمعات في تطور في ظل ثورة التكنولوجيا المعاصرة.
 وقد قسمت هذا البحث إلى مبحثين:
المبحث الأول: حقيقة الثابت والمتغير
المبحث الثاني: مظاهر الثابت والمتغير في الفقه الإسلامي
المطلب الأول: مصطلح ثابت
الثابت في الاصطلاح يقصد به: القطعي ومواضع الإجماع التي أقام الله بها الحجة بينة في كتابه وفي السنة النبوية الشريفة والتي لا مجال للتطوير أو اجتهاد ولا يحل الخلاف فيها لمن علمها وهذا ما أكده الشافعي رحمه الله فقال: «كل ما أقام به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصاً بيناً: لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه»([1]).
وينقل عن الأصوليين أنهم يستعملون مصطلح الثابت أو ما يسمى القطع في معنيين أحدهما: نفي الاحتمال أصلاً؛ والثاني: وهو أعم من الأول: نفي الاحتمال الناشئ عن دليل، باعتبار «أن الاحتمال الناشئ عن دليل أخص من مطلق الاحتمال، ونقيض الأخص أعم من نقيض الأعم»([2]).
ويمكننا أن نعرف الثابت: بأنه ما ثبت بالدليل القاطع في وروده وفي دلالته، أو ثبت من طريق عقلي لا شك فيه، وهذا الثابت ثابتٌ مدى الزمن لا يتغير ولا يتبدل وليس موضعاً لاجتهاد العلماء، أو اختلافهم، وهي التي جمع الله عليها المسلمين.
المطلب الثاني: مصطلح المتغير
تغيَّر الشيءُ عن حاله: تحول وغَيَّره وبدَّله كأنه جعله غير ما كان وفي التنزيل العزيز: ]ذلك بأن الله لم يَكُ مُغيِّراً نعمة أنعمها على قوم حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم[، قال ثعلب: معناه حتى يبدِّلوا ما أمرهم الله.
والغيرُ: الاسم من التغيُّر([3]).
المتغير في الاصطلاح: هو الذي يقصد به مواطن الاجتهاد في الشريعة الإسلامية وهذا ما أكد عليه الإمام الشافعي رحمه الله «وما كان من ذلك يحتمل التأويل ويدرك قياساً، فذهب المتأول أو القايس إلى معنى يحتمله الخبر أو القياس، وإن خالفه فيه غيره: لم أقل أنه يضيق عليه ضيق الخلاف في المنصوص»([4]).
فالاجتهاد المبني على تحقيق جلب المصالح ودرء المفاسد هو مرتبط بالواقع المتغير الذي يواجهه كل مجتهد في عصره.
المبحث الثاني: مظاهر الثابت والمتغير في الفقه الإسلامي
يحق لنا - ونحن نتكلم عن مظاهر الثابت والمتغير - أن نعتبر قضية استنباط الأحكام من خلال ما هو ثابت وما هو متغير قضية مصيرية وأساسية، ينبني عليها وجود الأمة من عدمها، وسوف نبين مظاهر الثابت الذي لا يجوز الاجتهاد فيه ومظاهر المتغير الذي يعتبر البوابة الرحبة للاجتهاد في الفقه الإسلامي.
المطلب الأول: مظاهر الثابت
هناك أحكام ثابتة من حيث نسبتها إلى مصدرها وتشمل الكتاب والسنة المتواترة والثابت دلالة في كونه لا يحتمل إلا معنىً واحداً فالاجتهاد لا يجوز أن يعارض نصاً ثابتاً وذلك لأن معارضة نص ثابت سيؤدي إلى تقرير التعارض بين النص الثابت ودليل الاجتهاد وشاهده البعيد، وهذا أمر يجب رده لأنه اتهام للشارع بالنقص، فلا يجوز للاجتهاد أن يعارض نصاً ثابتاً، وذلك لأن المصالح تسير على وفق نصوصها وأدلتها القطعية([5])، وهذا ما أكده الشيخ أبو زهرة «إن المصلحة ثابتة حيث وجد النص، فلا يمكن أن يكون هناك مصلحة مؤكدة أو غالبة والنص القاطع يعارضها، إنما هي ضلال الفكر أو نزعة الهوى أو غلبة الشهوة، أو التأثر بحال عارضة غير دائمة، أو منفعة عاجلة سريعة الزوال، أو تحقيق منفعة مشكوك في وجودها، وهي لا تقف أمام النص الذي جاء عن الشارع الحكيم وثبت ثبوتاً قطعياً لا مجال للنظر فيه ولا في دلالته»([6]).
والذي يبدو لي مما سبق أن العلماء يؤكدون على نقطة أساسية في علم أصول الفقه، وهي المحافظة على الثابت، فكل ما ورد في نصوص القرآن الكريم والسنة المتواترة من أحكام يعتبر ثابتاً، بحيث لا يقبل التغير في الثابت، فكل ما ورد في نصوص القرآن الكريم والسنة المتواترة من حكام يعتبر ثابتاً، بحيث لا يقبل التغير في ظل أي زمان أو مكان، فما ثبت حكمه في عهد النبوة يبقى ثابتاً إلى أن يرث الله الأرض وما عليها ومن هذه الثوابت التي لا مجال للاجتهاد فيها:
أ) العقيدة الإسلامية: هناك أحكام ثابتة في الشريعة لا مجال لاجتهادات الفقهاء فيها، والتي تعتبر الركيزة الأساسية في الشريعة الإسلامية كأحكام العقيدة، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره، وغيرها من أحكام تعتبر من أساسيات العقيدة الإسلامية([7]).
وهذه الثوابت قطعية وثابتة بمرور الزمان لا تتغير بتغير الأزمان والأماكن، فأي اختلال في مجموعة الثوابت الاعتقادية تحت دعوى التجديد باطل ومردود.
ب) أمور عملية جاءت ببيان واضح دلت عليها أدلة الشرع ليس فيها أي شيء من اللبس أو الخفاء، والمقصود بالأمور العملية المتصلة بالعقائد هنا «جملة القصود والأقوال والأفعال التي يكون الغاية منها الانقياد لأوامر الله تعالى، وإفراده بالخضوع والتعظيم لجلاله والتوجه إليه»([8]).
 فقوله تعالى ]وأحل الله البيع وحرم الربا[([9])، فقد فسرت السنة العملية المراد منها ولم تترك مجالاً للعقل ليجتهد في بيان المقصود، وكذلك إقامة الصلاة وصوم رمضان وحج البيت وسائر الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، فقد جاء البيان الواضح في كتاب الله، أو سنة النبي r: فلا يسوغ أن يجتهد فيه وهذا ما أكده الشاطبي بقوله: «الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وأصل العبادات الالتفات إلى المعاني»([10]).
يتضح من كلام الشاطبي أن مقصود الشارع في فرض العبادات التعبد والتزام النص، فليس لنا أن نبيح الإفطار في رمضان لعمال المصانع بحجة أن الإفطار يساعد على كثرة الإنتاج مما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني، فهذا الاجتهاد باطل لأن الأحكام الثابتة دلت على عظمة الشهر الفضيل وحرمة الإفطار فيع لغير أهل الأعذار، حتى وإن حقق مصالح آنية لفئة للمسلمين، فهذه مصلحة ملغاة بنص ثابت لا يلتفت إليها المجتهد في استنباطه للحكم.
ﺟ) المقادير الشرعية: لقد شرع الله عز وجل مقادير معلومة، وأسباباً معلومة لا يجوز تخطئتها، وليس مجالاً للاجتهاد، ومن الأمثلة على ذلك المقادير الشرعية، كالحدود والعدة وأنصبة الزكاة، وأنصبة الميراث والكفارات وغيرها من المقادير الشرعية وهذا ما أكد عليه الإمام الشاطبي «فجعل الشارع للحدود مقادير معلومة، وأسباباً معلومة لا تتعدى، كالثمانين في القذف، والمئة، وتغريب العام في الزنا على غير إحصان، وخص قطع اليد بالكوع وفي النصاب المعين، وجعل مغيب الحشفة حداً في أحكام كثيرة، وكذلك الأشهر والقروء في العدد، والنصاب والحول في الزكوات»([11]). فهذه الأحكام ثابتة لا تتغير فهي تمثل منظومة الأمة الإسلامية السلوكية، فلا مجال للاجتهاد فيها، فمن يرى أن الحكم بقطع يد السارق كان في زمان النبي r في ظل البيئة الصحراوية التي لا يوجد فيها مباني للسجون([12])، بمعنى آخر أن تطبيق حد السرقة في الوقت الحاضر لم يعد يحقق المصلحة ويدفع المفسدة، وأنه يجب الاجتهاد بإلغاء حد السرقة، فهذا الاجتهاد مردود وباطل لأن هذه الأحكام توخى الشارع منها جلب المصالح ودرء المفاسد لوقاية المجتمع من الجريمة، لأن إقرار عقوبة القطع والشروع في العمل بها يؤدي إلى الحد من الجرائم التي تفتك بالمجتمع الإسلامي.
د) القواعد الكلية العامة: وهذه القواعد التي عليها مدار التشريع الإسلامي كأن تكون القاعدة الكلية قد أخذت من التشريع الإسلامي بنص قطعي ثابت صريح، ومثال ذلك قاعدة «الأمور بمقاصدها»([13]).
وهي من القواعد الكلية الخمس التي عليها مدار التشريع الإسلامي وأصل هذه القاعدة الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه الإمام البخاري في "صحيحه" عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال وهو على المنبر سمعت رسول الله r يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه»([14])، وكذلك قاعدة «اليقين لا يزول بالشك»([15]) وأصل هذه القاعدة الحديث الشريف، الذي أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" «شكى إلى النبي r الرجل يخيل إليه أنه يخيل الشيء في الصلاة، قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً»([16])، وغيرها من القواعد الكلية التي لا مساغ للاجتهاد فيها لأن المصلحة متحققة بذاتها وينبغي هنا الإشارة إلى أن علماء أصول الفقه متفقون على نفي الاجتهاد في النص قطعي الدلالة والثبوت، ومما ينبغي التركيز عليه هو التفريق بين عدم الاجتهاد في معارضة أو مقابلة النص، وإلا فالاجتهاد في تحقيق المناط مطلوب حتى في النصوص القطعية، فإذا كان الشارع قد نص على الحكم في عين معينة وقد علم بالنص والإجماع، نص على أن الحكم لا يختص بها بل يتناولها وغيرها فيحتاج أن ينقح مناط الحكم أي يميز الوصف الذي تعلق به ذلك الحكم، ويشمل ذلك النص الثابت والمتغير فيعتبر اجتهاد في فهم النص وتنزيله على النازلة الطارئة([17]).
 المطلب الثاني: مظاهر المتغير
هناك أحكام سندها نصوص ظنية الدلالة على أحكامها، والتي تحتمل وجوهاً من التأويل ولاستنباط يمكن للفقيه أن يرجح منها في كل زمان ما يتناسب مع مصالح الناس ويحققها وفق مقصود الشارع والتي تكون محلاً للاجتهاد ومنها:
أ) النظريات الكلامية: وهي التي اختلف فيها العلماء، وجرت بينهم فيها مناظرات تعود لظنية الأدلة التي دلت على الحكم([18]).
فنجد الكثير من القضايا في هذا المجال الذي خاض فيه علماء الكلام واختلفوا في أمرها، مثل رؤية الله سبحانه وتعالى في الآخرة للمؤمنين، فبعض العلماء قال يُرى الله يوم القيامة، ويرى في الجنة، أخذاً بأدلة ظنية الثبوت ظنية الدلالة، والبعض الآخر يقول إن الله لا يُرى، لأن الرؤية لها شروط فهذه نظرية كلامية محل اجتهاد العلماء.
ولكن هناك وسائل يمكن تسخيرها لخدمة العقيدة الإسلامية وإبرازها غرس قيم الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله والقضاء والقدر في نفوس الناس، فأحكام العقيدة ثابتة وليست ميدان استنباط ولكن ميدان استنباط الأحكام يكون في الوسائل التي يمكن تسخيرها لخدمة العقيدة الإسلامية كالوسائل العلمية الحديثة، كالدعوة عن طريق الإنترنت وغيرها من وسائل التكنولوجيا الحديثة([19]) مع المحافظة على مقصد العقيدة الإسلامية بأن تبقى نصوصها ثابتة كما وردت عن الله سبحانه وتعالى: وهذا ما أكده الإمام الشاطبي: «الحفظ يكون بأمرين: "أحدهما" ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود و"الثاني" ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم»([20]).
ويفسر الخادمي مقالة الشاطبي بأن تسخير وسائل التكنولوجيا الحديثة في خدمة العقيدة الإسلامية بالمعنى الشمولي لها، فالشاطبي يؤكد على أن المحافظة على مقاصد الشريعة يكون لها من جانب الوجود من خلال الإيمان بالله تعالى والنطق بالشهادتين، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وغيرها فيحافظ عليها من جانب الوجود بفعل ما يوصل إليها، ومن جهة  العدم يترك ما يفسدها، فمن خلال استخدام الوسائل الخادمة للعقيدة كاستخدام الفضائيات ووسائل الاتصال، وما تؤديه من تعزيز العقيدة الإسلامية وتنميتها في النفوس وتعميقها يعتبر من قبيل المحافظة عليها من جانب الوجود بفعل تلك الوسائل، وكذلك الحال بالمحافظة عليها من جانب العدم بمنع استخدام وسائل التكنولوجيا بوجه يشكك المسلم بتعاليم ومبادئ العقيدة الإسلامية([21])، فهذه الوسائل تعتبر البوابة الرحبة التي تحافظ على العقيدة من جانب الوجود ومن جانب العدم. فالوسائل والمكتشفات التي تسهم في نشر العقيدة وإن كانت من صنع غيرنا فإن الاجتهاد يوظفها لنشر تعاليم الشريعة الإسلامية من خلال تسخير الوسائل التي تنمي الارتباط بها، وتحفِّز على أدائها على أتم وجه، ودليل ذلك: بث الصلوات من المسجد الحرام إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي من أجل إبراز منزلة وعظمة هذا المسجد ومكانته في نفوس المسلمين واستخدام الوسائل الحديثة في تأدية شعائر الحج، فهذه الوسائل تخدم العبادات وتحقق الإقبال عليها وهو مما يعتبر مظهراً من مظاهر الاجتهاد في ظل المتغيرات في الفقه الإسلامي.
ﺟ) الوسائل المساعدة للمقادير الشرعية: ونعني بها الظروف التي تحيط بحكم المقادير الشرعية كتغير الأحكام التي وردت بها النصوص عند تبديل المصالح والأحوال، فالتغير يمكن أن يتناول مجرد صورة تنزيل الحكم فقط ومثال ذلك كما في مسألة توزيع أربعة أخماس الغنائم على الجنود، حيث أن هناك اجتهاد للمعاصرين أن يتم ذلك عن طريق رفع رواتبهم تستوعب أنصبتهم المستحقة والأخذ بعين الاعتبار درجات تفاوتهم القائمة اليوم والتي كان يقابله في الزمن الماضي ما كان معروفاً من تفاوت بين الراجل والفارس([22]).
فالحاكم ثابت لا يتغير ولكن التغير يحدث في مناط الحكم وليس بسبب الحكم، ومن أمثلة الظروف والملابسات التي لها صلة بحكم المقادير الشرعية:
  *إسقاط حد السرقة بالتقادم
يسقط حد السرقة عن السارق إذا أخر الشهود أداء الشهادة حتى مضى وقت عن حادثة السرقة، ولم يقم مانع يمنعهم من أداء الشهادة كالأسباب المعتبرة، لأن الشهادة مطلوبة بنص الشارع «وأقيموا الشهادة لله»([23])، ولما لم يقم سبب معتبر يمنعهم من أداء الشهادة أصبحوا متهمين بالعداوة بشهادتهم المتأخرة عن واقعة السرقة، وهذا ما أكده حديث النبي عليه الصلاة والسلام «لا تقبل شهادة ذي غمر - الحقد والعداوة - على أخيه»([24]).
وكذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه «أيما قوم شهدوا على حد لم يشهدوا عند حضرته فإنما شهدوا على ضعن، فلا شهادة لهم».
ولأن تهمة العداوة تورث شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات وبهذا قال الحنفية وابن أبي ليلى والحنابلة في رواية([25]) فهذا حد من حدود الله تعالى وإقامته فيه جلب مصلحة للمجتمع الإسلامي واستقراره ولكن لما أصبح هذا الحد تدور الشبهات حوله كالعداوة والبغضاء أصبح إقامته مفسدة من المفاسد ودرأ المفاسد أولى من جلب المصالح.
-       وكذلك يسقط الحد بسبب اختلاف الدار:
وقد روى عن بسر بن ارطأة أن رسول الله r: «نهانا عن القطع في الغزو» فقطع يد السارق حد من حدود الله تعالى، وقد نهى عن إقامته في ساحة الحرب خشية أن يترتب عليه مفسدة أعظم وهي أن يلحق المحارب بالمشركين حمية وسخطاً وهذا ما أكد عليه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما بعث برسالة إلى الناس «أن لا يجلدوا أمير جيش ولا سرية ولا رجل من المسلمين حداً وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلاً: لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالمشركين وهذا ما أيده الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية والأوزاعي وغيرهم من الفقهاء بأن الحدود لا تقام بسبب اختلاف الدار»([26]).
كذلك ما فعله عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما درء عن عبيد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقتله الهرمزان([27]) بعد أن طعن أبي لؤلؤة المجوسي عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقامت البينة عند عبيد الله بن عمر أن الهرمزان هو الذي دفع أبي لؤلؤة المجوسي إلى قتل أبيه.
فعمداً إلى الهرمزان وقتله قبيل وفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأمر عمر أن يحبس عبيد الله لينظر في قضيته الخليفة الجديد فلما بويع عثمان بن عفان رضي الله عنه الخلافة، كانت أول قضية واجهته هي النظر في أمر عبيد الله بن عمر فاستشار الصحابة في أمره فذهب فريق إلى وجوب القصاص لقيام البينة الواضحة من إقرار عبيد الله بن عمر على نفسه وذهب فريق آخر إلى أن إقامة القصاص بحقه يؤدي إلى مفسدة عظيمة، وقيام فتنة عظيمة، يدخل من خلالها المنافقون فيقال: قتل أبوه بالأمس ويقتل الابن بعده فهي مؤامرة دبرت للقضاء على عمر بن الخطاب وابنه رضي الله عنهم.
فدرء عثمان بن عفان رضي الله عنه القصاص مستنداً إلى قاعدة "الحدود تدرأ بالشبهات" وخاصة أنها قضية قد حصلت في وقت شغر فيه الزمان عن إمام قوّام بالأمر فتكون شبهة تدرأ معها القصاص([28]).
يتضح مما سبق إلى أن الاجتهاد الذي وقع ليس تغيراً في الحكم الشرعي وإنما تغيراً في مناط الحكم. مما يدلل على صلاحية الأحكام للتطبيق في ظل تغير الظروف المعيشة بصورة جلية في اجتهادات الصحابة رضوان الله عليهم.
د) الوسائل المساعدة للقواعد الكلية الأمة: قد ذكرنا سابقاً أن أصول هذه القواعد الكلية العامة مضبوطة بمعايير معلومة، وأسباب مفهومة واضحة لا لبس فيها ولا مجال للاجتهاد فيها أما التي تقبل الاجتهاد فهي الوسائل والكيفيات الخادمة لهذه القواعد العامة ومثال ذلك «تفاصيل تطبيق الشورى وبعض تطبيقاتها في حياتنا السياسية المعاصرة، وكيفيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ففي مسألة الشورى يجوز توسيع دائرة مجلس الشورى لكي تشمل سائر التخصصات العملية المختلفة».
وكذلك توسيعه ليشمل الأقليات غير الإسلامية وكذلك تقسيم مجلس الشورى إلى لجان مختصة وكذلك في مسألة العدل تتحدد في إطار المقاصد والمصالح تفاصيل التقاضي والمرافعات أمام المحاكم والاستئناف وغيرها([29]).
يفهم مما سبق أن القواعد الكلية الكبرى، كقيم العدل والشورى والوفاء بالوعد والصلح وغير ذلك من أمهات الفضائل المبينة في أصول قواعد التشريع الإسلامي ثابتة لا تتغير، لأنها مضبوطة ومحددة، أما الوسائل والكيفيات المساندة لهذه القواعد فهي المتغيرات التي تكون ميدان الاجتهاد الذي يتفق مع مقاصد الشريعة.
 الخاتمة
بعد هذه الجولة من البحث في حقيقة الثابت والمتغير وتطبيقاتهما في الفقه الإسلامي لابد لنا أن نوضح أن أحكام الشريعة تحوي مظهرين من الأحكام: الأول: مظهر الثابت من الأحكام والتي تشمل العقائد، والعبادات والمقادير الشرعية، والقواعد القطعية وهي التي لا يجوز تجاوز أحكامها أو تغييرها فلا مجال للاجتهاد فيها بدلالة أن الشارع جعل المصلحة متحققة فيها تتفق مع مقاصد الشريعة.
الثاني: مظهر المتغير من الأحكام والتي تشمل الوسائل المساعدة للعقيدة، والوسائل المساعدة للعبادات والوسائل المساعدة للمقادير الشرعية، والوسائل المساعدة للقواعد القطعية أو الكلية الكبرى وهذه الأحكام قابلة للاجتهاد لأنها ارتبطت بعلة تغيرت أو بعرف تطور، لأنها أحكام متغيرة ارتبطت بظروف متحققة وقت الاجتهاد ومرتبطة بالعلة أو ما يسمى حكمة التشريع التي تحقق مقصود الشرع مما يدعو إلى ضرورة تفعيل مظاهر الثابت والمتغير في الفقه الإسلامي وإنزال المتغير منها كالعرف وسد الذرائع، والاستحسان والمصالح المرسلة إلى واقع المجتمعات المعاصر والتمثيل على معناها بأمثلة حيوية واقعية، حتى لا تبقى مجرد أدلة محلقة في سماء التنظير، أو تراثية تعيش ماضي الأمة ولا تعيش حاضرها ومستقبلها


[1]    الإمام الشافعي، الرسالة، ص. 560.
 [2]    التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون، دار صادر، بيروت، د. ت، ج 5، ص. 1200.
 [3]    ابن منظور، لسان العرب، باب الغين «غيث».
 [4]    الشافعي، الرسالة، مصدر سابق، ص. 560.
 [5]    انظر: الغزالي، المستصفى، ج 2، ص. 390؛ الشاطبي، الموافقات، ج 3، صص. 184-185.
 [6]    محمد أبو زهرة، أصول الفقه، صص. 394-395.
 [7]    الشوكاني، إرشاد الفحول، ص. 222؛ ابن القيم، أعلام الموقعين، ج 2، صص. 260-261.
 [8]    الشاطبي، الموافقات، مصدر سابق، ج 2، ص. 514.
 [9]    سورة البقرة، الآية 275.
 [10]    الشاطبي، الموافقات، المصدر السابق، ج 2، ص. 513.
 [11]    الشاطبي، الموافقات مصدر سابق، ج 3، صص. 526-527.
 [12]    انظر: أحمد الريسوني، الاجتهاد، النص، الواقع، المصحلة، دار الفكر المعاصر، بيروت، 2000، ص. 47.
 [13]    ابن نجيم، زين العابدين إبراهيم، الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985، ، ص. 27.
 [14]    صحيح البخاري بشرح العسقلاني، ج 1، ص. 9.
 [15]    صحيح مسلم بشرح النووي، صص. 49-51.
 [16]    ابن نجيم، الأشباه والنظائر، مرجع سابق، ص. 75.
 [17]    انظر: ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، مكتبة الرياض الحديثة، 1988، ج 8، ص. 338.
 [18]    دلالة قاعدة «لا مساغ للاجتهاد في مورد النص قطعي الثبوت والدلالة عند الأصوليين، وتطبيقاتها في الفقه الإسلامي والقانون المدني»، محمد خالد منصور، بحث منشور في مجلة دراسات علوم الشريعة والقانون، الجامعة الأردنية، عام 2000، ص. 372.
 [19]    انظر: نور الدين الخادمي، الاجتهاد المقاصدي، ج 2، صص. 98-99؛ كتاب الأمة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، العدد 65-66، 1418 ﻫ، قطر.
 [20]    الشاطبي، الموافقات، مصدر سابق، ج 2، ص. 18.
 [21]    انظر: الخادمي، الاجتهاد المقاصدي، ج 2، ص. 101 في الهامش.
 [22]    انظر: تميم الحلواني، مفهوم الحكمة عند الإمام الشاطبي وتطبيقاته، رسالة دكتوراه مطبوعة بجامعة دار الحديث الحسنية للدراسات الإسلامية العليا، الرباط، المغرب، 1998، ص. 545.
 [23]    سورة الطلاق، الآية 2.
 [24]    أخرجه أبو داود سليمان الأشعث، سنن أبي داود، دار الحديث، بيروت، ط. 1، 1973، ج 4، 
ص. 24؛ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، المستدرك، دار المعرفة، بيروت، ج 4، ص. 99، وقال عنه الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.
 [25]    ابن الهمام، فتح القدير، مكتبة المعارف، الرياض، ط 2، 2000، ج 5، ص. 75.
 [26]    ابن قدامة، المغني، ج 12، ص. 373.
 [27]    ابن كثير، البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت، 1977، ج 7، ص. 155-156.
 [28]    انظر: عبد الجليل ضمرة، الحكم الشرعي بين أصالة الثبات والصلاحية، دار النفائس، عمان، 2006.
 [29]    انظر: الخادمي، الاجتهاد المقاصدي، ج 2، ص. 105.