الإثنين, 06 آب/أغسطس 2018 16:21

الشورى.. انتصار المنهج

في اللغة، الشورى هي استخراج الرأي بمراجعة البعض للبعض، يقال شرت العسل إذا استخرجته من موضعه، وهذا المعنى أقرب لمفهوم الشورى باعتباره يتضمن معنى استخراج الرأي كما يستخرج العسل من خلية النحل.

إن العسل مادة حلوة محبوبة، يطلبه الناس للاستشفاء و للاستمتاع بمذاقه، لكن تحصيله يحتاج إلى دربة و خبرة بكيفية استخلاصه دون أن يتعرض الجاني للسع النحل، أو يعرض الخلية للتلف.

كذلك الرأي الأصوب الأقرب للحق الأبعد عن الباطل لا يتسنى الوصول إليه إلا عبر التشاور والحفر من أجل اكتشاف الكنوز من تجارب و خبرات مخبوءة في عقول وصدور ذوي الحكمة. وقد قيل: من استشار الناس فقد شاركهم في عقولهم.

عرفها العلماء أنها تقليب الآراء المختلفة ووجهات النظر المطروحة في قضية من القضايا، واختبارها من أصحاب العقول حتى يتوصل إلى أصوبها وأنفعها.

ولقد خصص القرآن سورة سماها"الشورى" تنويها بمكانة هذه القيمة العظيمة، و تعليما للمؤمنين أن يقيموا حياتهم الخاصة والعامة على هذا المنهج الأمثل: منهج الشورى.

وإذا تتبعنا هذا المصطلح بين دفتي القرآن الكريم، نجده ذكر ثلاث مرات:

الأولى في قوله سبحانه: " فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير" البقرة:233

تشير الآية إلى خاصية هامة للمجتمع الإسلامي و هي أن أموره الصغيرة و الكبيرة تعتمد على قرار جماعي، حتى قرارات الأسرة الصغيرة المتعلقة بفطام الصغير لا بد أن تكون على أساس التشاور و التراضي بين الزوجين.

إن ترسيخ ثقافة الشورى في المجتمع لا يمكن أن تتيسر إلا عبر توطينها في الأسرة وتربية النشء عليها.

أما الآية الثانية فهي قوله تعالى:"والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون." الشورى:38

قال القرطبي رحمه الله:" نزلت في الأنصار حيث كانوا قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أمرا تشاوروا فيه ثم عملوا عليه فمدحهم الله تعالى به".

وقال سيد قطب رحمه الله:" والتعبير يجعل أمرهم كله شورى، ليصبغ الحياة كلها بهذه الصبغة، وهو نص مكي كان قبل قيام الدولة الإسلامية، فهذا الطابع إذن أعم وأشمل من الدولة في حياة المسلمين، إنه طابع الجماعة الإسلامية في كل حالاتها ولو كانت الدولة بمعناها الخاص لم تقم بعد."

والآية وإن نزلت معززة لسلوك الأنصار حتى قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم، فإن مدلولها عام لجميع المسلمين، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب٠

الآية الثالثة قال تعالى:" فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم و استغفر لهم و شاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين" آل عمران:159

قال سيد قطب رحمه الله:" لقد جاء هذا النص عقب وقوع نتائج للشورى تبدو في ظاهرها خطيرة و مريرة، فقد كان من جرائها ظاهريا وقوع خلل في وحدة الصف المسلم، اختلفت الآراء قبل معركة أحد، فرأت مجموعة أن يبقى المسلمون في المدينة محتمين بها، و تحمست مجموعة أخرى فرأت الخروج للقاء المشركين، و كان من جراء هذا الاختلاف ذلك الخلل في وحدة الصف، إذ عاد عبد الله بن أبي بثلث الجيش كما وقعت الهزيمة في المعركة."

لقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم في موقف حرج، انقسم صف الصحابة و اختلفت آراؤهم بين أغلبية من الشباب المتحمسين الذين لم يحضروا بدرا، كانوا متشوقين للجهاد ليبلوا كما أبلى أصحاب بدر، فارتأوا الخروج٠ وبين عدد من الصحابة الذين فضلوا التحصن بالمدينة، فإن دخلت قريش قاتلوهم في الأزقة و الأحياء، و كان هذا رأي رسول الله.

و لقد أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم برأي الأغلبية الشابة، و عندما لبس لامته و درعه، خشي أولئك أن يكونوا استكرهوه، فعادوا إلى رأيه فأبى بعد أن عزم على الخروج، فخرج.

و كان مما زاد الصف انقساما رجوع عبد الله بن أبي بثلث الجيش احتجاجا على أخذ رسول الله برأي الشباب و تركه رأي الشيوخ، فكانت الهزيمة.

أمام ما جرى، لقد كان من حق رسول الله أن ينبذ الشورى، و يأخذ القرارات المصيرية بنفسه، أو ليس هو النبي المعصوم المسدد بالوحي؟ لكن لم يفعل.

بل استجاب لأمر الله بالاستمرار في مشاورة أصحابه:" و شاورهم في الأمر".

قال الطاهر بن عاشور:" الضمير عائد على المسلمين خاصة، أي لا يصدنك خطل رأيهم فيما بدا منهم يوم أحد عن أن تستعين برأيهم في مواقع أخرى، فإنما كان ما حصل فلتة منهم و عثرة قد أقلتهم منها."

إن الإسلام ينشىء أمة و يؤهلها لقيادة البشرية، و خير وسيلة لتدريب الأفراد و الجماعات على القيادة الرشيدة هي أن يتربوا على الشورى، و أن يتدربوا على حمل التبعة وتحمل مسؤولية قراراتهم، و أن يوقنوا أن الشورى كلها خير، و مهما بدت نتائجها أحيانا سيئة، فهي لا شك ليست أسوأ من الاستبداد.

لقد أراد الله تعالى من خلال هذا الموقف أن يعلمنا أن التمكين للمنهج أولى من التمكين لرأي الفرد، وإن كان رسول الله صلى الله عليه و سلم، وأن الخسارة الحقيقية ليست خسارة معركة أو حرب، وإنما الخسارة تكون بالتفريط في المنهج.

وختاما، إن الشورى منهج قرآني أصيل، إن مكنت له الأسر والمؤسسات، الأفراد والمجتمعات، تكون قد نجحت في:

- كسر جدار الطغيان و الاستبداد ، ومنع الانفرادية في القرارات ( ولعمري هذه الآفات هي السبب الرئيس فيما تتخبط فيه الأمة قديما و حديثا)

-  التجرد من الأهواء و المؤثرات الذاتية في تقدير الأمور، فالهوى يعمي و يصم، وقد يشكل حجابا كثيفا عن رؤية الحق٠ وقد قيل : " إنما حض على المشاورة لأن رأي المشير صرف ورأي المستشير مشوب بالهوى"

- إشاعة جو حرية التفكير والتعبير

- تحرير العقل الجمعي وتفعيله

- تأليف القلوب والعقول، قال العلامة بن عاشور:" إن التشاور يظهر به الصواب و يحصل به التراضي"

- تحمل التبعة في حالة الخطأ، فالشورى توزيع للمسؤولية، فلا يقع ثقلها على كاهل واحد، بل يتقاسم حلوها و مرها جميع الأطراف.

خديجة رابعة