الأربعاء, 31 تشرين1/أكتوير 2018 15:23

الساعة الإضافية " قراءة مقاصدية "

كثر القيل والقال خلال هذه الأيام حول حدث شغل فئة عريضة من المجتمع المغربي، إنها المسماة  ب"الساعة الإضافية "والتي اختلط فيها القديم بالحديث. فما هي الإكرهات التي طرحت هذه الأخيرة ؟ وما هي المقاربة التي يلزم استحضارها للتكيف مع هذا الظرف الذي تطرح دواعيه أكثر من علامة استفهام، لهذه الأسباب تأتي هذه المقالة تنويرا للرأي العام بنظرة مقاصدية شرعية .

تثير الساعة الإضافية إشكالا لغويا، على اعتبار الجهل بالجهة المضافة والجهة المنسوب إليها والتابعة للنعت، بقدر جهلنا بالإكراهات وراء هذا التوقيت الملغوم، والأهداف المتوخاة من هذه الزيادة، بغض النظر عن مدى صدق الخلفيات السياسية المزعومة، فمن سمع ليس كمن رأى .

وكما هو معلوم أن عامل الزمن يلعب دورا جوهريا في حياة الفرد والجماعة إن تم تدبيره بطريقة محكمة، غير أن غياب آليات استثمار الوقت بما يخدم مصلحة الفرد والمجتمع، قد يحول تلك العلاقة بين العنصر البشري وعامل الوقت من التفاعل إلى الصراع، لتصبح تلك العلاقة أشبه ما يكون بمن يتصارع لأجل البقاء،  للحصول على أقل منفعة ممكنة، وأحيانا للخروج بأقل الأضرار دون مصلحة تذكر .

إن ما يصطلح عليه ب " الساعة الإضافية " هو تفعيل بقصد أو بدونه لما سبق ذكره من الخسائر العائدة على المنتوج البشري بالإضرار، ناهيك على ما قد تسفره من تدمر وتمرد، وانعكاس ذلك على العائد النفعي من تلك الزيادة  المفيدة في نظري للنقصان .

لقد كان من الأولى مراعاة بعض القطاعات التي تتطلب دراسات متعددة من الناحية البيولوجية والابستمولوجية والسوسيولوجية، وعلى رأس هذه القطاعات قطاع التعليم، الذي يلزم من الفاعلين استحضاره بمعية الأقطاب الثلاثة السالفة الذكر، دون الإغفال عن محور العملية التعليمية التعلمية  "المتعلمون والمتعلمات ".

فلا ينبغي إذن إثقال كاهل المدرسين بمثل هذه المفاهيم بالانضباط لها وعدم التسامح في تفعيلها، دون استحضارها لدى المعنيين والقائمين على الشأن التربوي والتعليمي، أثناء إصدار القرارات المفعلة للمنظومة التربوية التعليمية .

إن من المفاهيم التي اختلت موازينها  وأهدرت قيمها عامل الزمن، لا من حيث مفهومه ولا من حيث جهة تدبيره على أرض الواقع تحت المسمى ب " الساعة الإضافية "، لذلك نحن في حاجة إلى أن نعيد للوقت هيبته وكرامته التي منحهما الله إياه، حتى لا نصبح من الخاسرين بلغة القرآن من الناحية الاستثمارية  قال تعالى : " والعصر إن الإنسان لفي خسر " – سورة العصر  الآية 1- .

فمن المفيد التذكير بعامل الزمن وقيمته من الناحية الشرعية، فالوقت نعمة مغبون فيها الكثير من الناس، ولذلك دعانا  تعالى إلى المسارعة باستغلال الوقت وعدم ضياعه من خلال قوله : " سارعوا إلى مغفرة من ربكم "– سورة آل عمران الآية 133- ، والمسارعة هنا تفيد استثمار الوقت وعدم استنزافه في الرخيص دنيويا كان أو أخرويا، وما الدنيا إلا وسيلة للاستثمار بحسن تدبير الغلاف الزمني .

فسنة التدافع تقتضي من بين ما تقتضيه التسابق إلى فعل الخيرات، ذلك أن تحقيق المنافع رهين بدرجة تحصيل الإنسان للكسب ، قال تعالى : " لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " – سورة البقرة الآية 286  .

ومن الحديث النبوي أختار– وإلا فالأحاديث النبوية أكثر من أن تحصى -  قوله صلى الله عليه وسلم "خيركم من طال عمره وحسن عمله " للترمذي في السنن عن أبي بكرة، حيث نسب صلى الله عليه الخيرية والأفضلية لمن حسن استثماره للوقت – عمره- في ما يعود عليه بالصلاح، حتى إذا ما تحقق ذلك تحول إصلاحا فتعم المصلحة الجميع، وتلك إحدى مقومات المؤمن الذي لا يمكن أن يكون إلا صالحا لنفسه مصلحا لغيره .

 وبلغة الحكماء أقتبس مقولة لرابعة العدوية رحمها الله حينما قالت " يا أيها الإنسان إنما أنت أيام ، فإذا انقضى يوم منك انقضى بعضك " وهي إشارة حكيمة في كون إنسانية المرء تتحقق بقدر  تفعيله للوقت،  الذي يعتبر حاسما في تحقيق كينونته.

وفي الختام أخلص إلى أن  إكراهات  " الساعة الإضافية " ارتباطا بما سلف ذكره، تبقى رهينة بمدى قدرة الأفراد على تكييف الوقت بالطريقة التي تحقق التوازنات، وفق الإكراهات التي تعتري كل فرد منا دون تقصير أو إفراط، وإن شئنا أدخلنا هذه الإكراهات ضمن المشقة المقدور تحملها،  حتى لا يعود الفرع على الأصل  بالإبطال كما قعد لذلك الأصوليون، إذ الأصل القيام بالمسؤولية الملقاة على عاتقنا، كل حسب المهمة المنوطة به، وما الوقت – الذي أعتبره فرعا عن الأصل – إلا وسيلة لتحقيق الواجب الذي سيسأل عنه الجميع .

عثمان كضوار