الثلاثاء, 07 آب/أغسطس 2018 17:13

"التوحيد والإصلاح" في مخاض التحوّل

تبدو محطة الجمع العام الوطني السادس لحركة التوحيد والإصلاح المغربية، المنعقد ما بين 3 و5 غشت 2018، محطة مليئة بالتحولات والتحديات التي تشهدها الحركة الإسلامية المعتدلة الحديثة في المجال المغربي والمغاربي، وهو بذلك حدث مفصلي في تاريخ هذه الحركة من حيث مساءلة أثر مشروعها المجتمعي في الواقع وفعالية خطابها الدعوي وأدائها التربوي ونجاعة خياراتها المرحلية، وفرصة لإعادة التفكير في منظومتها المفاهيمية وأطروحتها الفكرية وآليات الاشتغال المنهجي للعقل الإصلاحي المغربي.

مراجعات استباقية

لقد تميزت تجربة التوحيد والإصلاح بمغربة خياراتها الفكرية وتجربتها الدعوية والسياسية وبنيتها التنظيمية، وبإحداث قطيعة مع التجربة الإخوانية المشرقية من خلال القيام بمراجعات استباقية لعدد من المفاهيم في العمل الإسلامي كشعار "الإسلام هو الحل" أو شمولية التنظيم أو مقولة "إقامة الدولة الإسلامية"، مما جعلها تفك الارتهان بالتجربة المشرقية وظروفها وسياقاتها الخاصة، وتنتج نموذجها الإصلاحي الخاص وتجربتها الدعوية، وتقدم أجوبتها انطلاقا من واقعها المحلي وخصوصية الأمة المغربية وثوابتها وإرثها الديني والحضاري وطبيعة نظامها السياسي القائم على الملكية وإمارة المؤمنين.

وإذا قمنا بتتبع أهم التحولات التنظيمية والمراجعات الفكرية والتصورات السياسية التي قادتها الحركة الإصلاحية الإسلامية، فإنها كانت حصيلة مسار معقد ومركب من المراجعات النقدية الواعية للمواقف والاختيارات، فقد كانت ناجمة عن حالة من التجديد الفكري والنقد الذاتي والتأمل الواعي في التجارب والمسارات والسنن الشرعية والقوانين الاجتماعية والكونية. وهذا ما يؤكد في نظرنا جدلية العلاقة بين النسق التنظيمي والتحول الفكري والبيئة السياسية وطبيعة النظام السياسي القائم.

إن بروز أي مظهر من مظاهر الأزمة في النسق التنظيمي لأي حركة اجتماعية تنشد الإصلاح أو حركة دينية تطمح للتغيير والتقدم، هو بمثابة مأزق في النظرية الإصلاحية نفسها ومؤشر على تراجع التجديد الفكري والحس النقدي في نموذجها المعرفي، مما يدل على أن حدوث الأزمة في أي مشروع إصلاحي يعني ضعف آليات المراجعة والتصحيح أو ترددها، وفقدان القدرة على التفاعل مع تحولات العصر، وقصور عن إدراك المتغيرات وصياغة الأجوبة وإبداع الآليات، ووعي أسئلة المرحلة ومتطلباتها. وإذا أضفنا إلى ذلك أفول حضور المثقف النقدي الإصلاحي العضوي بوصفه وسيطا ضروريا، في بناء التفكير النقدي وترشيد العقل الوظيفي وتطوير الأطروحة الإصلاحية في أبعادها الفكرية والاستراتيجية، سنكون أمام حالة عجز عن الإبداع.

الاستقلال عن الحزب

إن طرح فكرة تعديل ميثاق حركة التوحيد والإصلاح الذي يعد الأطروحة الرئيسة التي تعبر عن جوهر المشروع الإصلاحي وأسسه ومبادئه ومجالاته، والاتجاه نحو تكريس مزيد من الاستقلال عن الشأن الحزبي الضيق، ومحاولة تدقيق الوظيفة الأصلية للحركة الدعوية وهويتها، يشكل اعترافا ضمنيا بأن "التوحيد والإصلاح" أنهت حقبة من الأفكار الحية، التي تحولت بفعل الزمن والسياق والتحولات وتغير المواقع، إلى أفكار محافظة وجامدة بل وربما قاتلة،  وهو مؤشر على دخول هذه الحركة  في مرحلة أزمة أو انسداد، ولعل النقاش الذي يطرح مع المؤتمر وبعده يشكل وعيا جنينيا بوجود توتر حاد في نموذجها المعرفي الإصلاحي الأصلي، يتمثل بالأساس في الفقر الروحي والفراغ الفكري والروتين التنظيمي والتآكل الذاتي، وهذا يوجب معالجة لأصول الأزمة المنهجية والفكرية وليس أعراضها الخارجية الظاهرة فقط.

فما طُرح من تعديلات على الميثاق ومن أفكار وأوراق بين يدي المؤتمر، لم يتم تسويقه بمنطق حصول أزمة أو توتر تسبب في جزء منه الأزمة التي يعيشها حزب العدالة والتنمية، وتحولات الواقع والموقع، وإنما طرح في سياق تنظيمي بارد وضمن مسار من الاستمرارية لا يتسم بالقطيعة أو النقدية أو الجرأة في انجاز تحول استراتيجي، والتقدير أن خطوة تعديل الميثاق وتطوير الأولويات والتوجهات تعبير عن  استنفاذ مقولات التأسيس (الإسلامية الإصلاحية) وظيفتها التاريخية والتغييرية، بعد انتقال المشروع الإصلاحي من طائفة مغلقة  إلى تيار مجتمعي.

انعقد مؤتمر الحركة وتجارب الإسلاميين في العالم العربي والمغاربي تعاني من توترات حادة تخترق مشروعها الإصلاحي نظريا وعمليا، من حيث تدبير العلاقة بين الدعوي والسياسي، وطبيعة التفاعل بين المجال الحركي الديني والمجال الحزبي التدبيري وآثاره على العمل الديني، بالإضافة إلى توتر الخوف على الهوية والانخراط في الدفاع عنها وسؤال الحداثة والانفتاح الكوني على المكتسبات الحقوقية والإنسانية، كما يظل هذا التوتر مستمرا بين طغيان المحافظة وانكماش التجديد داخل بنيتها التنظيمية والمعرفية.

أي رؤية فكرية أخلاقية؟

لم تجتهد حركة التوحيد والإصلاح بعد في طرح رؤية فكرية أخلاقية لمشروعها وهويتها، رغم الانسداد العميق في شريان النسق الفكري الإصلاحي السائد واستنفاذ الأجوبة السابقة لوظيفتها التاريخية وأغراضها الاستراتيجية ومقدرتها التوليدية، إذ كيف يمكن تدقيق الهوية الدينية الاجتماعية للحركة دون بناء نظرية إسلامية أخلاقية متكاملة، وفلسفة في التربية تتجاوز تغيير الظاهر إلى تغيير الباطن؟

ما هي المراجعات الممكنة لتحويل هوية الحركة إلى حركة دينية اجتماعية مواطنة بالمعنى الحديث؛ حركة إصلاح ديني وتزكية روحية وتربية فكرية ومطالبة مستمرة بالعدل والحرية في الفضاء العام؟

كما أتى الجمع العام للحركة وشريكها الاستراتيجي: حزب العدالة والتنمية وهو يعاني من أزمة عميقة -منذ لحظة إعفاء عبد الإله بنكيران- تداعت على المسار السياسي والبنية الحزبية والفعالية الإصلاحية وأثر سياسات الإصلاح وقدراته الإنجازية. وإذا كانت هذه الأزمة تسائل المضمون الفكري والسياسي للمشروع الإصلاحي للحزب، فإنها في الوقت نفسه، تختبر أيضا مدى صلاحية مشروع الحركة وقدرته على التكيف الإيجابي والفاعل مع متغيرات الواقع وتحدياته على مستوى الهوية والقيم.

إن التفكير في علاقة الدعوي/ الديني بالسياسي/ الحزبي وخيار التمايز الانفصالي بينهما، سواء أكان كليا أم جزئيا، لا يتأسس على طبيعة المجالين ومنطق اشتغالهما فقط أو كونه مجرد استجابة تنظيمية لفكرة التخصصات، وإنما يمس جوهر النظر إلى الإصلاح، فلابد أن يتأسس على تمييز  بين مستويين: الأول هو سيرورة التحول الديمقراطي المراهن على تأسيس قواعد البناء السياسي، وترتيب علاقات السلطة وآليات التداول عليها، وما يتضمنه ذلك من إصلاحات سياسية ودستورية وإدارية. والثاني، هو طبيعة التحول الحضاري المرتكز على الإنسان فاعلا في التغيير الحضاري العميق وعلى المجتمع مدخلاً للنهضة؛ إذ ينعكس ذلك على إعادة التفكير في المضمون الفلسفي والإيديولوجي لنظريات التغيير، ومدى الحاجة إلى مشروع نهضوي متكامل بين الدولة والمجتمع يُجاوز فكرة الصدامية والصراعية.

طور جديد من الإصلاحية

هناك حاجة إلى الدخول في طور جديد من الإصلاحية الدينية، تتطلب مزيدا من تقوية المناعة الروحية للفاعل الإصلاحي، وتأسيس الفكرة الإصلاحية على التغيير الباطني التخلقي للإنسان.

وهنا لابد من إحداث حالة فكرية ونفسية ومدنية تتبنى ملحاحية المداخل الحضارية المتعددة في الإصلاح، ليستعيد الإصلاح السياسي موقعه الطبيعي في مسيرة النهضة الشاملة، كأحد مداخل النهوض لا نهايته؛ ليتم بالموازاة تقوية الفعل المجتمعي المدني والحقوقي، المنخرط في حماية الحقوق والحريات وحماية التعددية وإرساء المواطنة والإنصاف.

إن مهمة تطوير أطروحة الإصلاح فكريا ومدنيا وروحيا، تستدعي إطلاق حركة تجديد ديني وفكري تنحاز لخيار الإصلاح الديمقراطي وتكريس الحريات وتقديس الاختلاف، وتعميق النقد لروح المحافظة الفكرية وسياسات توظيف التقليد والمقدس لتبرير الاستبداد، والإيمان المطلق بالكرامة الإنسانية وتحريره من أشكال العبودية الحديثة والخفية.

ولا شك أن إنجاز هذا التحول الجوهري يقتضي بناء حالة حوارية حول المقولات الرئيسة في العمل الديني الإصلاحي، لمعرفة ما الذي ينبغي تجاوزه في هذا الميراث وما الذي يتوجب الاحتفاظ به.

ويبقى السؤال قائما: إلى أي حد ستتحرر الحركة من إكراهات "الحزبية المسيسة" وتغولها وتأثيرها على أولوياتها ونخبها ومسارها، حتى تنخرط في إصلاح عميق للتدين وتحريره من الانحطاط ضمن السياق المدني العام؟

سلمان بونعمان - دكتور في العلوم السياسية ورئيس مركز معارف للدراسات والأبحاث

البنود ذات الصلة (بواسطة علامة)

  • رسالة شكر وعرفان من رئيس الحركة رسالة شكر وعرفان من رئيس الحركة
    رسالة شكر وعرفان من رئيس الحركة
     
  • فيلم وثائقي جديد عن حركة التوحيد والإصلاح فيلم وثائقي جديد عن حركة التوحيد والإصلاح

    فيلم وثائقي جديد عن حركة التوحيد والإصلاح

  • د بوعياد : تلك هي الدروس التي قدمتها الحركة في جمعها العام الأخير د بوعياد : تلك هي الدروس التي قدمتها الحركة في جمعها العام الأخير
    د بوعياد : تلك هي الدروس التي قدمتها الحركة في جمعها العام الأخير
  • التوحيد والإصلاح بعيون مختلفة : شهادة الدكتور محمد شيخ أحمد من الصومال التوحيد والإصلاح بعيون مختلفة : شهادة الدكتور محمد شيخ أحمد من الصومال

    التوحيد والإصلاح بعيون مختلفة : شهادة الدكتور محمد شيخ أحمد من الصومال

  • الشيخ الكتاني يوجه رسالة مفتوحة إلى حركة التوحيد والإصلاح الشيخ الكتاني يوجه رسالة مفتوحة إلى حركة التوحيد والإصلاح

    وجه الشيخ الحسن بن علي الكتاني رسالة مفتوحة إلى حركة التوحيد والإصلاح، عقب مشاركته في فعاليات مؤتمر حركة التوحيد والإصلاح أيام 3، 4 و 5 غشت 2018.

    وكتب عضو رابطة علماء المغرب العربي على حائطه في الفيسبوك :

    "انتهى مؤتمر حركة التوحيد والإصلاح بانتخابات جديدة وقيادة موحدة تحت الأستاذ عبد الرحيم شيخي وفقه الله، وقد أعجبني في الحركة انضباطها وتماسكها واستمرارها وتجاوزها للعديد من الامتحانات الصعبة، غير أن هناك أمورا هامة يجب أن تراجعها الحركة وتأخذها بعين الاعتبار، خاصة ممن يحبها ويرجو لها التوفيق والسداد.

    فالحركة بدأت مسيرتها امتدادا لجهود حركة الشبيبة الإسلامية، فهي عمودها الفقري بعد انهيارها وتشرذمها، وقد ميز هذه الفترة، فترة الجماعة الإسلامية، قيادات علمية جليلة كان لها دور في الصحوة الإسلامية المغربية، وعلى رأسها علماء أجلاء كالشيخ محمد زحل وإخوانه فضلا عن غيرهم.

    ثم تلا مرحلة الجماعة الإسلامية مرحلة حركة الإصلاح والتجديد ثم توج ذلك باتحاد العديد من الفصائل تحت مسمى حركة التوحيد والإصلاح الذي فرحنا به عندما تكون. فقد زاد رصيد الحركة العلمي والدعوي، وكم كنا نفرح بتصديها للباطل وللأفكار الهدامة، وعقيدتها الصافية التي كانت تفخر بها وأنها امتداد لدعوة أهل السنة والجماعة (السلفية)، ومشاركتها القوية في النشاط الطلابي الذي نتج عنه استقامة الآلاف من الشباب.

    هذا النشاط الكبير سيصيبه الذبول بعد قرار الحركة الخوض في العمل السياسي ثم إنشاء (حزب العدالة والتنمية) وكانت القمة بإنشاء الحكومة.

    طبعا لا نغفل زلزال تفجيرات الدار البيضاء.

    فقد كان هدف الحركة ممن هذا كله هو أسلمة الحياة وإصلاح ما فسد منها، ولكن الذي حدث هو سلسلة من المراجعات الفكرية في كل مرحلة، طالت التصور والمنهج والتطبيق. وقد كانت هذه المراجعات سببا في إصدار الشيخ فريد الأنصاري رسالته الشهيرة (الأخطاء الستة). ومن مرة لأخرى ينتقد الشريف الريسوني عدة أمور،  لكن الأمر اتسع مؤخرا لما يمكن أن نعبر عنه بمصالحة الحركة مع ما كانت تواجهه بدل أن تصلحه، وبتسرب العلمنة لتصور الحركة واستفحال ذلك في الأجيال الجديدة منها، وهو أمر نلمسه في كثير من معاركنا الفكرية.

    نصيحتي وأنا أخوكم المخلص المحب أن نتداعى جميعا لوقفة نظام نراجع أنفسنا: هل مسيرتنا توافق الكتاب والسنة وفهم علماء الإسلام؟ أم أننا ماضون في مراجعات تسلخنا عن التصور الإسلامي السليم الذي قامت عليه الحركة الإسلامية باعتبارها حركة تجدد الدين وتدعو لحكم الشريعة الإسلامية الشامل لكل مناحي الحياة؟

    وأخيرا، هذه نصيحة محب واكب الحركة الإسلامية بجميع فصائلها شرقا وغربا ودرس تاريخ وأدبيات الحركة الإسلامية وتربى على يد كبار رجالاتها. والسلام”.

    الإصلاح

  • أبو زهري : التوحيد والإصلاح حركة وطنية حريصة على استقرار المغرب وأمنه وازدهاره أبو زهري : التوحيد والإصلاح حركة وطنية حريصة على استقرار المغرب وأمنه وازدهاره

    أكد سامي أبو زهري الناطق باسم حركة حماس أن  حركة التوحيد والإصلاح أظهرت أنها حركة وطنية حريصة على استقرار المغرب وعلى تطوير البلد وأمنه وعلى ازدهاره، وهي بهذا الفهم و الحرص سيكتب لها كل الازدهار والنجاح.

    وحيا أبو زهري خلال كلمته التي ألقاها في الجلسة الافتتاحية للجمع العام الوطني السادس، لمسة الوفاء من جلالة الملك محمد السادس عندما أعطى تعليماته بإرسال قافلة طبية إنسانية إلى قطاع غزة في شهر يونيو الماضي.

    وفي معرض حديثه عن الشأن الفلسطيني، أوضح أبو زهري أن مشروع صفقة القرن يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية مستغلين انشغال الساحة العربية بانشغالاتها الداخلية حتى يمرروا المشروع الخطير وفي مقدمته مصادرة حقنا في القدس، مؤكدا أن المسلمين لن يفرطوا في القدس وفلسطين لأنها وقف إسلامي وهي ملك لكل الأمة.

    ودعا الإدارة الأمريكية إلى تقييم مواقفها جيدا لأنها بهذا المشروع تقف في معاداة الأمة جمعاء وليس الفلسطينيين فقط، مشيرا إلى الجهود التي تبدلها حركته لإفشال هذه الصفقة وأن غزة ستبقى قوية ولن تنكسر حتى تحرير كل فلسطين رغم الحصار، خاصة مع عجز الكيان الصهيوني في مواجهة طائرات ورقية يطلقها شبان فلسطينيون، وهو تأكيد على أن الاحتلال إلى زوال.

    س.ز/ الإصلاح