الإثنين, 30 نيسان/أبريل 2018 16:18

الاحتفال بالعيد الأممي للعمال والنفس الإيجابي

تتكرر نفس الخواطر والهواجس كلما حل على العالم عيد خصص للعمال والسواعد التي تبني العمران، وتطمح للعيش الكريم والعدالة الاجتماعية، وتقف أمام جشع اللبيرالية المتوحشة والاستبداد، والاستغلال المقيت، ونظام السخرة. ليس العيد إلا مناسبة للشجب والاستنكار أكثر منه يوما للعيد والفرح والثبور، إنه موقد للأوجاع والمآسي، وتذكير بضياع الحقوق وإنسانية الإنسان، وكرامته، وعزته، وقدسيته. يكشف العيد عن جشع الراغبين في الاغتناء على حساب السواعد التي لا تكل ولا تمل، ولا مجير لها، تصدح الأصوات، وتراقب جحافل الحجيج للساحات، ويعلو الصراخ، ويخرج الناس زمرا وجماعات، يحملون لافتات علها تخبر أصحاب القرار بمعاناتهم، وآلامهم وآمالهم. وعند البعض أصبح العيد محطة روتينية لا تغني ولا تسمن من جوع، من عادات القوم، وخوفا من اللوم. تنطلق المسيرة بعد خطابات مكررة ورسائل مشفرة وغير مشفرة، تتعب " أصحاب الحال" بكتابتها وتدوينها، لا تقدم ولا تؤخر، تشجب الحكومات المتتالية، وقراراتها غير الشعبية، وانبطاحها، أمام مقترحات صندوق النقد الدولي، وتذرعها بالإكراهات، وتتم تصفية حسابات لا بداية لها ولا نهاية. في مسيرة تجوب الشوارع يصطف أناس ينظرون بالريبة للتائهين المطالبين بحقوقهم، وكأنهم في " فيستفال" تعرض فيه مطالب لم يستجب لها أحد، فينعث العامل والعاملة بالحمق وضياع الأوقات.

إن الناظر في حال المناضلين النقابيين، والغالبية من المتخلفين،وأصحاب الكنبة والمنتقدين لكل حركية مجتمعية بتعال بئيس وغير مسؤول، وانتهازية مقيتة، يدرك حقيقة الانتساب لهذا الحقل الذي يزداد ضعفا سنة بعد أخرى. ولعل المسيرات والوقفات والتجمهرات مؤشرات دالة ومؤكدة لمصداقية هذه الرؤية أو وجهة النظر. ويرى آخرون ممن يؤمنون بالمشروع وفاعلية العمل النقابي وقدرته على الصمود والممانعة، وإحراجه للاستبداد، أنه بالرغم من ضعفه عالميا ووطنيا حيث لا يتجاوز نسبة 12% بالنسبة للمنتسبين إليه والمهتمين به ،ما زال رائدا وفاعلا حقيقيا في الساحة المغربية وآلة من آليات سن القوانين والمطالبة بالحقوق.

إن الموضوعية تقتضي النظر إلى الفعل والعمل النقابي بمستوى التراكم والإنجازات التي حققت على أرض الواقع ، لاسيما الترسانة القانونية والمكاسب الاجتماعية والقدرة الإبداعية في اقتراح مشاريع قوانين وسنها ، وباعتباره الضامن الحقيقي لمطالب الشغيلة العمالية.

ولا يخالف أحد في أن قوة أي حكومة لا تكون إلا بقدر وجود وحياة هذه الجسم الفاعل والحيوي. فإنه بدون نقابات لا مكان للباطرونا ولا للحوار ولا تأطير للعمال ولا مخاطب. وسنكون مرغمين وتائهين أمام جحافل من العمال بدون تمثيلية.

والمطلوب اليوم أن يقتنع الجميع بأن العمل النقابي هو صمام الأمان للجانب الاجتماعي والممثل الحقيقي للطبقة العاملة والحامل لمشعل التحرر والانعتاق من كل الأساليب البالية التي دأب عليها العديد من أعداء الحقوق والراغبين في الاغتناء بأقل تكلفة ، كما أنه بوصلة العمل السياسي والمجهر الكاشف للوبيات الفساد والمفسدين. وقوته من قوة المجتمع وضعفه من ضعفه ، وإن كان بداخله فاسدون مفسدون عليه الكشف عنهم وطردهم والتنكر لهم والتبرؤ منهم.

إن الدفاع عن العمل النقابي دفاع عن شرفاء هذا الوطن باختلاف مشاربهم ورؤاهم وتصوراتهم فكثيرون منهم قضوا نحبهم ، وكثير حاولوا تدنيسهم والتقليل من شأنهم وما قاموا به من عمل ، ولكن العظماء يكتبون بمداد الفخر وينحتون على الصخر وتعلوا في الآفاق راياتهم خفاقة تدل عليهم. وليس بمنطق ، الاختلاف الإيديولوجي ، التنكر لتضحيات المضحين ونضال المناضلين والمناضلات شهداء الطبقة العاملة وأصحاب المبادئ المنافحين عنها والمرابطين في زمن الرصاص حتى تحقق ما تحقق اليوم.

لماذا نتظاهر يوم فاتح ماي؟ لماذا نسميه "عيد الشغل"؟

كان انتزاع مطلب يوم عمل من 8 ساعات على رأس المطالب التي قرر عمال الولايات المتحدة الأمريكية النضال من أجل تحقيقها إلى حد خوض إضراب عام للضغط على أرباب العمل والحكومة. هكذا أعلنت نقابة فرسان العمل( Knights of Labour)  فاتح ماي يوما أمميا للتضامن الطبقي، وللمطالبة بيوم عمل من ثماني ساعات. وفي ربيع 1886، ركز عمال جميع القطاعات نضالهم حول هذا الهدف ونجحوا أحيانا في ذلك المجال.

قرر أرباب العمل، بوجه إصرار العمال واتساع الحركة النقابية، اتخاذ إجراءات قمع أسرع. فكانت مسألة هايماركت Haymarket الشهيرة بشيكاغو، وهي حدث مأساوي طبع الحركة العمالية العالمية، فاتحة مرحلة قمع ومقاومة جديدة .

كانت التعبئة في فاتح ماي 1886 نجاحا باهرا. وبالرغم مما روجته الصحافة البرجوازية من تهديدات مبغضة وتوقعات مخوفة، لم تندلع أي أعمال تمرد، ولم تصب الملكية بأي ضرر، ولم تتحول مظاهرة العمال السلمية إطلاقا إلى ثورة. وفي هذا اليوم الجميل المشمس، أخليت المصانع والمشاغل والمخازن. جاب آلاف عمال شيكاغو، في أبهى الثياب، الشوارع رفقة أسرهم، أمام انذهال البوليس والجيش والحرس الخاص المستعدين للتدخل عند أدنى حركة. مرت مظاهرة التضامن بنجاح وتوقفت على ضفاف بحيرة ميشيغان Michigan، حيث تحدث أمام الجمهور أبرز الخطباء، من بينهم ألبير بارسونس وأغوست شبيس،. شارك في المظاهرة 80000 عامل بمدينة شيكاغو وحدها. وكان ليوم فاتح ماي، في البلد برمته، نفس الصدى وتوبع بنفس الحماس.

تواصلت حركة الإضراب، يوم الاثنين 3 ماي، وانضم عدد كبير من العمال إلى مضربي فاتح ماي، مصيبين على هذا النحو اقتصاد مدينة شيكاغو بالشلل. وسينفجر عنف قوى الأمن المستمر طيلة يوم السبت، أمام حواجز مصنع آلات وأدوات زراعية، يسمى آنذاك McCormick Harvester Works ، وحاليا International Harvester Corporation .

وردا على إضراب يوم فاتح ماي، أغلق رب العمل هذا المصنع في وجه العمال، وعوضهم بـ 300 كاسر إضراب. لكن عن خروج هؤلاء تعرض المضربون سبيلهم. وفجأة سددت عناصر البوليس أسلحتها. حاول المضربون التشتت، لكن البوليس، وقد خاب واغتاظ، بلا شك، بفعل الطابع السلمي لتظاهرة فاتح ماي، أطلق النار على الحشد، وقتل ستة رجال بينما هم فارون. ورأى منظمو يوم فاتح ماي في هذه المذبحة فعلا مخزيا وغير مقبول يستلزم الإدانة علانية.

فتقرر تنظيم مظاهرة مساء اليوم الموالي بساحة هايمركت Haymarket، غير بعيد عن إحدى مقرات بوليس شيكاغو. انقضت أمسية الاحتجاج ضد فظاظة البوليس بلا صدامات، تعاقب خلالها الخطباء أمام جمهور هادئ. لكن في نهاية المظاهرة، وقد غادر أبرز الخطباء الساحة، اقتحم 180 شرطيا الساحة بهراواتهم وأمروا المتظاهرين بالانسحاب فورا، وهذا ما رد عليه سام فيلدن أحد المنظمين، بأن الجمهور هادئ. بعد ذلك انفجرت قنبلة وسط رجال البوليس، وكانت بداية الهلع. أطلق رجال البوليس، الذين قتل أحدهم وأصيب ستة بجروح، النار واندفع الجمهور نحو جميع الجهات هروبا من وابل الرصاص. وكانت الحصيلة بين المتظاهرين ثقيلة كذلك، قتيل وعدد كبير جدا من الجرحى. ولم يُعثر أبدا العثور على ملقي القنبلة، وقد يكون عميلا مستفزا.

غير أن السلطات لم تصدق بتاتا رواية الأحداث هذه. لم يكن الوضع بنظرها منطويا على أي غموض، فالمسؤولون معروفون: اللاسلطويون anarchistes الذين لم يرضيهم كفاية التحريض على إضرابات الأيام السابقة، وخلق الفوضى بدفع العمال للتظاهر بساحة هايمركت، فهاجموا قوات الأمن. يجب على السلطات إذن التدخل بسرعة و ضرب رأس الحركة لمنع قيام انتفاضة تعرض النظام برمته للخطر.

جرى اعتقال ممثلي الحركة العمالية بشيكاغو، وهم ألبير بارسونس وأغوست شبيس وميشيل شواب وجورج أنجيل وأدولف فيشير وسامويل فيلدن ولويس لينغ ، وحوكموا بالإعدام شنقا، بدون أي حجة تثبت إدانتهم. نفذ حكم الإعدام في حق بارسونس وشبيس وفيشير وإنجل، وخفضت عقوبة الإعدام إلى السجن مدى الحياة في حق فيلدن وشواب بعدما طلبوا العفو. أما لينغ، الذي ظلت وفاته غامضة ولم يتم الكشف عنها أبدا، فربما انتحر في زنزانته. لقد افتتحت محاكمة شهداء شيكاغو عهد الرعب ضد الحركة العمالية في أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية. كان فاتح ماي 1886، ومعه الأحداث المأساوية التي هزت الحركة العمالية الأمريكية، منشأ الاحتفاء بعيد الشغل، يوم التوقف عن العمل المخصص لمظاهرات العمال. وعلى غرار حالة ساكو وفانزيتي ومسألة روزنبورغ فيما بعد، تظل محاكمة شهداء شيكاغو مثالا للعدالة المدافعة عن مصالح المالكين بأمريكا الرأسمالية. كانت كلمات أغوست شبيس، بهذا الصدد، تنبؤية:«ستأتي يوم يكون فيه صمتنا أقوى من الأصوات التي تخنقون حاليا».

سياقات وتحديات:

إن الطبقة العاملة بالمغرب تحيي  يوم فاتح ماي هذه السنة على غرار العمال في سائر أنحاء العالم العيد الأممي للطبقة العاملة، في سياقات وتحولات وتحديات عرفها العالم والمغرب، وتتجه أنظار الشغيلة إلى مآلات الحوار الاجتماعي ومخرجاته، وتتطلع للعديد من المكاسب، وتطالب بتنفيذ تعهدات الحكومات المتتالية، والاتفاقيات التي أبرمتها مع المركزيات.

لقد عرف المغرب تحولات وسياقات تنحو نحو إرساء دعائم الديموقراطية لاسيما بعد حكومة التناوب،والحراك العربي وما ترتب عنه من مراجعات دستورية شاملة أنتجت دستورا جديدا ، ودسترت بوضوح الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ،وفرضت إعادة النظر في دور المنظمات النقابية والمنظمات المهنية للمقاولين كمدافع عن الحقوق المشروعة للشغيلة وللفاعلين الاقتصاديين.وعن التموقع في المحيط الدولي والإقليمي والمحلي بين واقع الأزمة الاقتصادية والمالية والدولية خاصة في دول أوروبا الغربية التي تعتبر الشريك الاقتصادي الأول من حيث حجم المبادلات التجارية، ومن حيث تدفق العملة الصعبة سواء من خلال عائدات السياحة أو تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج"،بالإضافة إلى " الصعوبات البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني حيث ارتفاع فاتورة الواردات من الطاقة مما ترتب عنه عدة اختلالات بنيوية ومؤشرات مالية وتباطؤ مؤشرات النمو الاقتصادي التي بفعل التقلبات المناخية لا يزال نمو الاقتصاد الوطني مرتبطا في شق كبير منه بالتساقطات المطرية، وما يقتضيه من تعامل مع الجفاف، وتعتبر هذه السنة استثناء، كمعطى بنيوي وليس معطى ظرفي طارئ ، والاختلالات التي يعرفها الاقتصاد المغربي لاسيما  اختلال ميزان الأداءات وتفاقم عجز الميزان التجاري حيث لا يزال الطابع العام المميز للاقتصاد الوطني هو غلبة الاستهلاك على الإنتاج والاستيراد على التصدير وهو ما يدل عليه اختلال التوازن في العلاقة مع الدول التي تربطنا بها اتفاقيات تبادل الحر مثل الولايات المتحدة ودول اتفاقية أكادير ٫ و تزايد نفقات صندوق المقاصة التي انتقلت من 10 مليارات درهم سنة 2000 إلى 60 مليار درهم سنة 2012 م ، وما أصبح يشكله ذلك من تبديد للجهود الاستثمار،وما قد يترتب عليه من انهيار الخدمات الأساسية في مجال البنيات الأساسية والصحة والتعليم والأمن وغيرها من المجالات الحيوية، علما أن هذه النفقات لم تعد تضطلع بوظيفتها الاجتماعية بسبب سوء الاستهداف ، وذهاب قسط كبير منها لدعم استهلاك فئات ميسورة ذات مردودية عالية.

لقد عرف المغرب خلال سنة 2016م والنصف الأول من سنة 2017م، أحداثاً سياسية واجتماعية كبيرة، كان لها الأثر على وضعه الاقتصادي ورصيده السياسي. جزء كبير من تلك الأحداث والتحولات شكلت استمراراً لسياسة الدولة ومقاربتها لعدد من الملفات (الانتخابات، الإصلاح السياسي، تعاملها مع الأحزاب، ملف حقوق الإنسان، التعاطي مع الحراك الاحتجاجي…) وبعضها يعود لتراكم إشكالات اجتماعية واقتصادية (الحراك الاجتماعي، ارتفاع البطالة في صفوف خريجي الجامعات، توزيع الثروة، التشغيل…).وهي مؤشرات تشهد عليها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أخذت تتبلور في المنطقة إقليميا ومحلياً.

إن القراءة التركيبية لأحداث 2016م والنصف الأول من 2017م التي شهدها المغرب، تكشف أننا أمام بداية تحولات في المشهد السياسي/الحزبي المغربي وبعض مراكز القرار في الدولة، وهو ما قدمته يعض التقارير المعتمدة من خلال تتبع مجمل الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية، التي عرفها المغرب خلال سنة 2016 والنصف الأول من عام 2017م، والنظر في مآلاتها وتجلياتها على مسار التطور الديمقراطي ومدى تأثيرها على النموذج المغربي الذي تسوقه الدولة في محيط دولي وإقليمي مضطرب.

أولاً: تطور ملف الصحراء المغربية في ضوء السياسة الخارجية.

ثانياً: عودة المغرب إلى منظمة الاتحاد الإفريقي.

ثالثاً: الانتخابات التشريعية معالم الخريطة الحزبية بالمغرب.

رابعاً: تحولات الأحزاب بعد الانتخابات التشريعية لـ 7 أكتوبر

خامساً: الحراك الاجتماعي والاحتجاجي بالمغرب خلال 2016م – 2017

سادسا: حالة البلوكاج ورجوع التحكم، وفقدان الثقة لدى الناخبين في توجهات الدولة العميقة,

إن اكبر تحد عرفه المغرب خلال هذه المرحلة منذ دستور 2011 عدم التزام الدولة بتعهداتها حيث خلقت حالة من التوجس والترقب صاحبت تشكيل الحكومة، من طرف الحزب الأول وبدأ الحديث عن البلوكاج والاستغناء عن رئيس الحكومة بمنطق الفشل في المهمة، واستدعاء الرجل الثاني من نفس الحزب الذي شكل الحكومة في زمن قياسي مما يؤكد قوة الدولة العميقة في إزالة كل العقبات أمام تجربة أريد لها أن تتوقف. وفي سياقات سياسية واقتصادية واجتماعية وجد الفاعل النقابي نفسه ضحية صراعات إيديولوجية ومصلحية، وفي بداية لإعداد وتهييء حزب لقيادة المرحة القادمة والتمكين له، وتحييد وتهميش العمل النقابي وتقزيمه.  

وقد حاولت العديد من الجهات في محاولة بئيسة إكساب شرعية النضال ضد مخططات الحكومة "اللاشعبية " موهمة الجميع الإجهاز على المكتسبات التي حققها المغرب في مساره الديمقراطي وبناء مؤسساته الدستورية. ومن أجل تجاوز الاحتقان الذي عرفه العالم ، وما تبعه من هجمة شرسة لحماة الفساد ولوبياته وما عرفه من سقوط لحكومات شرعية انتخبت من طرف الشعب وشقت مسارها نحو بناء الديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية وخنق التيارات الاستئصالية ،إلا أنها استطاعت بتواطؤها مع قوى خارجية التعجيل بسجن تجربة حكم الإسلاميين بمصر وسلمت نسبيا تونس وبأعجوبة ، وهي ما زالت على صفيح ساخن وقد فعلت تدخلات مصالح دول أوربية وأمريكا وغيرهما في تفكيك وحدة ليبيا وإبقاء سوريا في مستنقع حمام الدم الذي جاء على الأخضر واليابس . وخلقت "داعش " لتجهز على ما تبقى من مقاومة الشعوب للأنظمة الديكتاتورية بالمنطقة. وعاشت غزة تحت قصف متواصل للقطاع انتصرت فيه المقاومة على من توهمت نفسها قوة لا تقهر بجيش له من العدة والعتاد ما يملك به تحقيق الأهداف ، لكنه اندحر أمام قوة قتالية لحماس، وتعرف المنطقة حاليا وبمناسبة يوم الأرض رحلة العودة وإبداع أكال نضالية واحتجاجية ليس لها سابقة .
واعتبر رئيس الحكومة سعد الدين العثماني في شهر مارس ، أن الجولة الأخيرة للحوار الاجتماعي بين رئيس الحكومة والمركزيات النقابية الأكثر تمثيلية “ليست نهاية الحوار الاجتماعي، بل نهاية جولة، وبداية آفاق جديدة لحوار اجتماعي نحو مغرب أفضل”.وأشاد رئيس الحكومة، في افتتاح الاجتماع الأسبوعي للمجلس الحكومي يوم الخميس 8 مارس 2018، بجميع أطراف الحوار الاجتماعي الذين تصرفوا في هذه المرحلة بأعلى دراجات الوطنية، وعقدنا اجتماعات للوصول إلى اتفاق ثلاثي السنوات الذي من شأنه أن يعطي رؤية واضحة في المستقبل سواء بالنسبة للنقابات أو للشغيلة في القطاعين العام والخاص وأيضا للاتحاد العام لمقاولات المغرب وللقطاعات الحكومية”.

كما عرضت الحكومة، على المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية، منهجية تقضي بفتح حوار ثلاثي الأطراف يفضي إلى اتفاق يمتد على ثلاث سنوات ، من خلال ثلاث لجان موضوعاتية يفضي إلى اتفاق يمتد على ثلاث سنوات، في أفق اعتماده خلال شهر أبريل 2018، على أن ينطلق التفاوض بشأنه في أقرب الآجال.وأشار البلاغ إلى أن اللجان الموضوعاتية تتوزع ما بين لجنة تحسين الدخل، ولجنة القطاع الخاص لمدارسة تشريعات الشغل والحريات النقابية، ولجنة القطاع العام لمدارسة القضايا المتعلقة بالإدارة العمومية. وأضاف أن رئيس الحكومة، جدد بهذه المناسبة، التأكيد على إرادة الحكومة الراسخة لإنجاح هذه الجولة من الحوار الجاد والمسؤول، وكذا عزمها على تقوية وتعزيز دور النقابات بما يجعلها قادرة على ترصيد المطالب الاجتماعية وتمثيل الشغيلة وتأطيرها.

واعتبر العديد من الفاعلين النقابيين العرض الحكومي هزيلا ولا يستجيب لتطلعات الشغيلة، والذي جاء متضمنا في الجدول التالي:

 

كما عرفت قطاعات تسريح العمال والإجهاز على مكتسباتهم، وطرحت إشكالات من قبيل التعاقد وما صاحبه من تحديات وإجهاز على حق التوظيف، وتأثيرات ملف التقاعد، وبروز ظاهرة التقاعد النسبي، وخروج القانون الإطار الخاص بأطر الأكاديميات. وسيعرف المغرب مستقبلا حسب تقرير حول الموظفين المدنيين بالإدارات العمومية، لوزارة الوظيفة العمومية وإصلاح الإدارة أن عدد المحالين على التقاعد سيصل إلى 13 ألف و780 موظفا حاليا ، فيما سيعرف انخفاضا خلال سنة 2019 و 2020 ، ليرتفع سنة 2021 ، وستشهد سنة 2026 نسبة عالية تصل إلى 17 ألف موظف و191 وهو ما يعادل 3،8 في المائة من مجموع الموظفين.

وإن من أهم التحديات ضعف الفاعل النقابي، وغياب الديمقراطية الداخلية، واستفحال ظاهرة مركزية الزعيم، والتمكين للموالين، والاستهتار بالفعل النقابي، وبروز الانتهازية والفردانية، وغياب التضامن والتماسك الاجتماعي، وتغير وتيرة الحياة، والنزوح نحو الاستهلاك المدمر، وتفاقم الفوارق الطبقية، وغياب المردودية والفاعلية، وتدهور قطاعات رئيسية من أهمها التعليم والصحة والتشغيل، وتنامي ظاهرة البطالة، والعنف بكل تمظهراته، والجريمة المنظمة، وبداية بوادر تفكك الأسرة، والعنوسة، وكثرة الطلاق وغيرها مؤشرات غير مطمئنة بالرغم من الحديث عن " الإصلاح في ظل الاستقرار ط الذي يعرف هجوما على الخيار الديموقراطي وتكميما لحرية التعبير.

لكي نعيد الثقة للعمل النقابي:

لا يمكن لأي أحد أن ينكر بأن بعض التنظيمات النقابية، ولو على الصعيد المحلي أو الجهوي، تقوم بشكل أو بآخر بالدور المنوط بها وتعمل جاهدة على تنظيم العمال وتأطيرهم والدفاع على مصالحهم وحقوقهم وتسهر على تمثيلهم تمثيلا مشرفا وتهدف إلى خدمتهم لا استخدامهم، وتحقق مكاسب مهمة لصالحهم رغم الإمكانيات المادية والبشرية التي تعيق أحيانا تحقيق الأهداف المنشودة. لكن، يلاحظ في السنوات الأخيرة تراجعا وضعفا ملحوظا في أداء النقابة العمالية بالنظر إلى الهجوم المتزايد للرأسمالية المحلية والدولية على حقوق ومكاسب الطبقة العاملة وجماهير الشعب، وبالنظر إلى تخلي الدولة التدريجي على دورها الرئيسي من خلال رفع دعمها للعديد من القطاعات الحيوية وتفويتها للقطاع الخاص وبالتالي تسهيل "تسليع قوة العمل" وجعل الطبقة العاملة لقمة سائغة للرأسمالية المتوحشة وللباطرونا التي تزداد شهيتها لاستغلال العمال وهضم حقوقهم والدوس على كرامتهم وتكديس الثروات على حساب عرقهم اليومي.

المتتبع للعمل النقابي والمنخرط فيه يدرك أن سبب ضعف العمل النقابي يرجع إلى عدة أسباب نذكر من بينها :

أولا :وجود بعض مرتزقة العمل النقابي أصحاب الريع والذين يغتنون منه ويحافظون على مناصبهم .

ثانيا: بطء الإصلاحات والتي جزء منها مرتبط بالمطالب العادلة والمشروعة للشغيلة.

ثالثا: استئساد بعض الباطرونا وعدم وجود مقاولة مواطنة تراعي حقوق العمل.

رابعا : وجود بعض العمال الغشاشين الذين لا يراعون حقوق رب العمل ولا يقومون بواجبهم.

خامسا: استفادة فئة عريضة من موظفين من الترقيات وانتهاء سلم الترقي بالنسبة لهم وانشغالهم بالساعات الخاصة والبحث عن موارد جديدة وعيش جديد بعقلية "برجوازية" وانتهازية والترقي في السلم الاجتماعي ، فهؤلاء طلقوا العمل النقابي وارتاحوا منه بعد أن قضوا مآربهم.

سادسا : تشبث الزعامات الكارتونية ،لاسيما بعض المركزيات النقابية التي تدعي وتطالب بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية ، بالمناصب وعدم إعمال الآلية الديمقراطية في التداول على السلطة .

سابعا : وجود نقابات مركزية ذيلية تابعة لأحزاب أينما توجهها تتوجه ، بل أكثر من ذلك فهي تخدم أجندتها بعد أن تعطلت الآلة الحزبية في القيام بواجب المعارضة .

ثامنا : وجود فئة عريضة من المنسحبين المتفرجين وهؤلاء آفة أخرى تأكل الغلة وتتفرج على الملة فإن جاءت الغنيمة فرحوا بها وإن تعثر المناضلون الشرفاء في تحقيق المطالب احتسوا كؤوس الشاي بالمقاهي و"تمشخروا" عليهم  وكأن الأمر لا يعنيهم ، ويتبجحون نحن لسنا مع أي فئة ولا أي نقابة ولا أي حزب نحن أحرار وهم لا يدركون أنهم يشكلون غالبية المتفرجين ونقابة المراقبين من بعيد، لا هم في العير ولا في النفير.

تاسعا :وجود حكومات تعاقبت على الحكم بالمغرب غير مسؤولة لا تؤمن بالحوار الاجتماعي ولا تحارب الفساد ولا لوبياته ، وتتواطئ مع بعض النقابات والباطرونا وتقف في وجه الشغيلة  لأنها تخالف رؤيتها وبرنامجها، وتكون رهينة إملاءات الصندوق الدولي ومراكز القرار الخارجية . وقد ساهمت هذه الحكومات المتتالية في تعميق الجرح العمالي وشرخ جشمه وتفتيته وطرد آلاف العمال وشردت أسر وجوعت  جزءا كبيرا من أبناء المجتمع.

وهذا غيض من فيض ومن أراد الوقوف على الاختلالات فما أكثرها و"أمرها " من المر .

إن إعادة الثقة للعمل النقابي تقتضي دمقرطة هذا العمل وتجاوز الاختلالات الآنفة الذكر. وهي مهمة ومسؤولية جماعية تحتاج إلى تضافر الجهود والقيام بعمل جبار ومتميز يضع نصب عينه المبادئ ويحافظ عل المكتسبات ويؤسس لميثاق جديد ينطلق من القيام بالواجبات والمطالبة بالحقوق ويحدد المسؤوليات ويقوم بالمحاسبة ، ويعلي من شأن المصلحة العامة.

إننا وبحق في حاجة إلى وعي نقابي يرفع من مستوى المناضلين والمناضلات والمنخرطين جميعا وذلك بالقيام بالتكوين المستمر ونهج سياسة القرب والالتحام مع القضايا العادلة للشغيلة ، وتكوين المناضل العضوي الرسالي ، وأن لا نعيش الوهم والوعي الشقي الزائف، وقطع الطريق على المتاجرين الذين يتحولون إلى لصوص ويأتون في صورة أنبياء مصلحين. علينا أن لا نركب على كل المطالب بالرغم من تناقضها ، وأن لا نبيع للناس الوهم .

إننا واعون بالنفس الذي تم تعميمه وطنيا بتحييد الفعل النقابي وتهميشه، ومدركون لغياب وضعف الإيمان بالعمل النقابي، وعازمون على ركوب صهوة إعادة الثقة إليه، وهو تحد صعب يفرض آليات تواصلية جديدة والاشتغال على رؤية استراتيجية وتوجه استراتيجي يكون مواكبا للتحولات ومستجيبا للمطالب ويتحدى العقبات. وما لم يتجند الفاعل النقابي ويرفع من جاهزيته ويخلق آليات التواصل اليومية والميدانية لن يحقق الاستيعاب ولا الاستقطاب للمشروع ولا للفكرة.

والفاعل النقابي الرسالي مطالب بالانتصار للمشروع لا للذات، للمصالح العامة لا لشخصه وذاته.علينا  أن نستمر في طريق الحق والإنصاف وتأهيل الأطر والأعضاء ، والعدل في التعامل مع القضايا وأن نجند أنفسنا للدفاع عن الحقوق المشروعة للشغيلة، وتقطع مع كل ممارسات المحسوبية والانتهازية والانتفاء ، وأن نحترم القوانين والمقررات وننتصر لسيادة القانون ولا تحابي أحدا، ونرفض كل الانتهازيين والوصوليين ولا نترك لهم هامش التحرك ولا التواجد بهياكلها. وأن ننبه إلى ضرورة تحيين المعطيات وتجديد الهياكل وحل الإشكال المالي. وأن تحسن التسويق لمشروعها عبر إعلام متطور، وتعمل على التواصل اليومي مع الشغيلة ، وأن تفعل برنامج التكوين الداخلي وتنفتح على الطاقات. هذه وأخرى عمليات استباقية للبناء الداخلي وتمتينه والمحافظة عليه وسبيل لإعادة الاعتبار للعمل النقابي.

علينا أن تفكر في التوريث النضالي، وذلك بالتفكير في الخلف وتأهيله بإعداد واعتماد استراتيجية ورؤية فعالة للتكوين ، وتسطير مخطط لإعداد المكونين ، والرقي بالمستوى المعرفي والمهاراتي والمهني للمنخرطين والمتعاطفين ، وتطوير المهنية والجاهزية النقابية لمواجهة المستجدات النقابية والاجتماعية والتكيف مع التحولات والمتغيرات،والتأهيل المتواصل للأعضاء والالتزام بالقيم النضالية والمبادئ والرسالية والهوية الفكرية والمنهجية الأخلاقية للمنظمة. وكل هذا سيساهم في صيانة توجهات المنظمة وتجديد مشروعها على مستوى الخطاب والممارسة النقابيين.

وعلى النقابات التحلي بروح المواطنة وتغليب المصلحة العامة ، وعدم السقوط في المزايدات السياسيوية وخدمة أجندات خارجية حزبية ، فالتداول على الشأن العام وتدبيره ، ظرفي وآني والأحزاب قد تستمر في الحكم وقد تصبح في المعارضة ، والتموقع الحقيقي للعاملين في الحق النقابي هو تدبير شأن الشغيلة والتشبث بمطالبها العادلة والمشروعة ، والمساهمة في تطوير المقاولة الوطنية وتشجيعها على التنافسية والجودة ، فطريق النقابة طويل وشاق وهم يومي غير مرتبط بآية حكومة ، بل مستمر في الزمان ، والتقدير الحكيم الوحيد المنقذ من التيه الاصطفاف في صف الإصلاح ضد الفساد ، ومع الحق ضد الباطل ، وترسيخ ثقافة العدل والمساواة والقيام بالواجب مع المطالبة بالحقوق.