Friday, 02 June 2017 10:08

الإسلام دين العلم

كتبه

لقد اعتنى الإسلام بالعلم ونشر المعرفة التي كانت مكدسة بين جماعات قليلة من الناس كالرهبان والفلاسفة والبقية ممنوعة منه وهي غالبية المجتمعات، فنقل الإسلام البشرية من الأمية إلى المعرفة ومن الجهل إلى العلم ووسع المعرفة عموديا وأفقيا، وكما وكيفا، فكانت أول آية نزلت على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هي قوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) العلق فخمس آيات نزلت هي الأولى من القرآن كانت تدعو الى القراءة والتعلم . وقال عز وجل : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا طه 114 الزمر 9 وقال عز وجل مخاطبا رسوله الكريم وامتنانه عليه بفضل العلم :َوأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا النساء 113 شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18 آل عمران 18

وحث القرآن على التفكير والنظر والبحث في الطبيعة لمعرفة الموجودات ولتعميق الإيمان به عز وجل . قال الله تعالى أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ والاعراف 185 قال الشاطبي معلقا على هذه الآية: يشمل كل علم ظهر في الوجود من معقول أو منقول مكتسب أو موهوب.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (من يرد الله به خيرا يفقهه وإنما العلم بالتعلم)، وعن عبد الله بن مسعود قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها).

والعلم كله مطلوب في الإسلام وقد كان المسلمون في بادئ الأمر لا يميزون بين علم ديني وعلم دنيوي فالجميع كان مطلوبا عندهم على نحو سواء. ويؤكد لنا ذلك كناب الفهرست لابن النديم حيث يقدم بيبلوغرافيا للعلماء والكتاب الذين تعرض لهم فنجد اهتماما بعلوم الوحي إلى جانب علم الطبيعة على نحو سواء، فالعلماء في عصر التدوين كتبوا في الوحي والطبيعة معا وإنما حدث الانقلاب بعد ذلك واستبدت علوم الوحي على علوم الطبيعة وصار الفقه هو السائد دون العلوم الأخرى اللهم إلا الحساب فكان لا بد منه في الفرائض. ومن هنالك حدث الوهن والضعف وبدأ عصر الانحطاط لأن الإسلام دين ودنيا وعلم الله وعلم الإنسان .

ومن أمثال العلماء الذين ذكرهم النضر بن شميل (ت 204 ) قال ابن النديم ومن كتبه كتاب الصفات الجزء الأول يحتوي على خلق الإنسان والجود والكرم وصفات النساء، والجزء الثاني يحتوي على الأخبية والبيوت وصفة الجبال والسحاب والأمتعة، والجزء الثالث للإبل فقط، والجزء الرابع يحتوي على الغنم والطير والشمس والقمر والليل والنهار والأبان الكماة والآبار والحياض والأرشية الدلاصفة والخمر، والجزء الخامس يحتوي على الزرع والكرم و العنب وأسماء البقول والأشجار والرياح.

وأبو عبيدة (ت 210) قال ابن النديم له من الكتب كتاب مجاز القرآن كتاب غريب القرآن كتاب معاني القرآن كتاب غريب الحديث كتاب الديباج كتاب جفوة خالد كتاب الحيوان كتاب الأمثال .. كتاب القوارير كتاب البازي كتاب الحمام كتاب الحيات كتاب النوائح كتاب العقارب كتاب الخيل كتاب الإبل كتاب الأسنان كتاب المجان كتاب الزرع كتاب الرحل كتاب الدلو كتاب البكرة كتاب السرج كتاب اللجام كتاب القوس

وكتب بعضهم بحوثا حول العلوم المنسية في تاريخ الإسلام فقال: إن في تراث المسلمين علوماً لم يولها الباحثون اهتماماً كافياً، إما لندرة مصادرها، أو لتفرق موضوعاتها في مراجع تراثية شتى يتعذر الحصول على أغلبها، أو لصعوبة مصطلحاتها التي تبدو لغير المتخصصين غربية عما هو شائع في لغة العلوم المعاصرة، أو لغياب المنهجية السليمة في التعامل مع التراث بصورة عامة، أو لكل هذه الأسباب مجتمعة، وربما لأسباب أخرى غيرها .

ومن هذه العلوم علم الحيل الهندسية الذي يمثل الجانب التقني المتقدم في علوم الحضارة الإسلامية، حيث كان المهندسون والتقنيون يقومون بتطبيق معارفهم النظرية للإفادة منها تقنياً في كل ما يخدم الدين ويحقق مظاهر المدينة والإعمار، وقد ظهر هذا التوجه على أيدى نفر من العلماء الأعلام، لعل أشهرهم أبناء موسى بن شاكر أصحاب الكتاب القيم المعروف باسم "حيل بنى موسى"، ومنها علم الصوتيات حيث يدين بنشأته وإرساء أصوله المنهجية والمعرفية السليمة لعلماء المسلمين الأوائل في عصر الحضارة الإسلامية الزاهرة .. ومن ثم فإننا لا نستطيع أن نبدأ الحديث عن نظرية الصوت وتطبيقاتها إلا من حيث بدأ علماء الحضارة الإسلامية في تناولها بالبحث والتحليل ، فقد أجمعوا من حيث المبدأ على أن هناك شيئين ضروريين لانبعاث الصوت وانتشاره : أما الشيء الأول فلابد من وجود جسم يهتز لإحداث موجات الصوت التضاغية، على نحو ما نجد في وتر العود أو الكمان، أو في الأوتار الصوتية عند الإنسان، وأما الشيء الثاني فلابد من وجود وسط مادى، كالهواء أو الماء، تنتقل خلاله هذه الموجات الصوتية إلى أن تصل إلى الأذن ويحدث الإحساس بالسمع ومن تلك العلوم وعلم التربة وطبيعة الأراضي وعلم البيئة وعلم البيطرة إلى آخر قائمة تلك العلوم.

ونرى في عصرنا الدكتور طه جابر العلواني يدعو إلى منهجية جديدة لقراءة الوحي عبر عنها بإسلامية المعرفة أي إسلامية المعرفة كلها بما في ذلك العلوم الطبيعية وكل التجارب البشرية، ويدعو إلى قراءتين جاءتا في القرآن إحداهما قراءة الوحي والثانية قراءة الكون، فيجب أن لا نعتمد في فهم القرآن على مقاربات القدماء وإنما نستعين بعلوم العصر واستكشافاته لمقاربة القرآن وفهمه. وقراءة الكون هذه لا تفتقد تأكيدات وأدلة قرآنية ملموسة وصريحة يقول بأن قوله تعالى : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) العلق الآيات 1 إلى 5 هو تنبيه إلى قراءتين لا بد منهما ليتكامل فهم القرآن ومعرفة مقاصد الخطاب ففي الآية الأولى دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قراءة القرآن، أما الأمر الثاني بالقراءة فيتعلق بقراءة الوجود المسخر. يقول العلواني: القراءة الثانية ألا وهي قراءة الكون والنظر في الخلق ومعرفة ما دونته البشرية من فهم له وتجارب فيه بأقلامها فهذه القراءة هي التي صاغ القرآن المجيد بحسبها دليل الخلق ودليل الإبداع والتكليف بالنظر العقلي في الوجود والنظر في آثار الأمم السالفة ومعرفة ما حدث لها، فبذلك تكون القراءة المأمور بها قراءتين قراءة في الكون المخلوق وكل ما يتعلق به من عالم الخلق والتشيؤ بما في ذلك تراث الأمم الذي دونته وآثارها فبالقوانين تدرك الفروق بين الأمم التي استفادت بالوحي واتبعته واستنارت به وبين الأمم التي تجاهلته وتعاملت مع الطبيعة أو الكون وحده دون استشارة بهداية الوحي أو أهملت الكون والتجارب البشرية، وتقول زينب جهود العلماء في المقاصد شملت الدعوة إلى التركيز على تطوير الدراسات القرآنية وبذل الجهد في تطوير مناهج منضبطة في فهم النص القرآني الكريم والسنة النبوية في محاولات لتوظيف الدلالات اللغوية والسياقات الاجتماعية والتاريخية والاستفادة من علوم اللسانيات المعاصرة والعلوم الاجتماعية والإنسانية وغيرها كأدوات ووسائل منهجية في الاستنباط مع الحفاظ على مرجعية النص واستخلاص كلياته بالرجوع المستمر إليه وفقا لتوجيهات الشارع كما نرى جمال الدين عطية يعمق من مفهوم العلم المطلوب شرعا فقال: إن ربط العلوم الواجب تعلمها بأمور العبادات إنما منشؤه تلك النظرة الضيقة للدين التي تحصره في العبادات أما إذا فهمنا الدين في شموله فسيكون طبيعيا أن نضع الأمر في مكانه الطبيعي ضمن نظام تعليمي متكامل تكون مرحلته الأولى شاملة ـ إلى جانب دراسة العقيدة والعبادات ـ للغة العربية (بعلومها الأساسية) والرياضيات ( الحساب والجبر والهندسة) والتاريخ والجغرافيا والفيزياء والسنة والسيرة والفقه بصورة بسيطة شاملة ومبادئ اللغة الإنجليزية والحاسوب الآلي.

هذه المرحلة الأولى تمثل القدر الضروري من المعرفة الواجب تعميمه في عصرنا الحاضر فرضا عينا على الجميع رجلا ونساء و أطفالا.

وعلى المستوى الحاجي يقوم بدعم هذه المرحلة نظام ثقافي متكامل من المكتبات المدرسية والعامة ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية والدوريات المتخصصة والمراجع العامة والخاصة والنوادي والجمعيات، ويختص المستوى التحسيني بالعناية بالمتفوقين والمبدعين الذين يتم اكتشافهم من خلال المستويين الضروري والحاجي وتقوم الدولة بإعطائهم عناية خاصة.

والعلم مربوط بالعمل لتكون له نتائج محسوسة، قال الشاطبي بعد مسألة كل دليل شرعي قال العلم وسيلة من الوسائل ليس مقصودا لنفسه من حيث النظر الشرعي وإنما هو وسيلة إلى العمل وكل ما ورد في فضل العلم فإنما هو ثابت للعلم من جهة ما هو مكلف بالعمل به.

ومن مقاصد العلم أيضا تحقق الخشية لله، قال الشاطبي: ويتصدى النظر هنا في تحقيق هذه المرتبة وما هي والقول في ذلك على الاختصار أنها أمر باطن وهو الذي عبر عنه بالخشية في حديث ابن مسعود وهو راجع إلى معنى الآية وعنه عبر في الحديث في أول ما يرفع من العلم الخشوع.

ومن مقاصد العلم ترشيد الجهد وذلك أن لا نطلب العلة فيما هو غير معلل، قال الشاطبي أحدها الحكم المستخرجة لما لا يعقل معناه على الخصوص في التعبدات كإختصاص الوضوء بالأعضاء المخصوصة والصلاة بتلك الهيئة من رفع اليدين والقيام والركوع والسجود وكونها على بعض الهيئات دون بعض، واختصاص الصيام بالنهار دون الليل وتعيين أوقات الصلوات في تلك الأحيان المعينة دون ما سواها من أحيان الليل والنهار، واختصاص الحج بالأعمال المعلومة وفي الأماكن المعروفة وإلى مسجد مخصوص إلى أشباه ذلك مما لا تهتدي العقول إليه بوجه ولا تطور نحوه، فيأتي بعض الناس فيطرق إليه حكما يزعم أنها مقصود الشارع من تلك الأوضاع وجميعها مبني على ظن وتخمين غير مطرد في بابه ولا مبني عليه عمل بل كالتعليل بعد السماع للأمور الشواذ وربما كان من هذا النوع ما يعد من القسم الثالث لجنايته على الشريعة في دعوى ما ليس لنا به علم ولا دليل لنا عليه، والعلم يعتبر بمقاصده ولذلك فهو غير مطلوب لذاته وإنما لما يحقق من نتائج حتى أنه يصير مذموما